الجيوبوليتيك الشيعي الواقع والمستقبل

تشير قراءة الواقع واستقراء التاريخ إلى أن الوحدات الدَّوْلِيَّة ذات التوجهات التَّوَسُّعِيَّة عادةً ما تلجأ إلى حزمة من الآليَّات المرحلية لتنفيذ استراتيجيّاتها التي صاغها صناع قرارها وفق مجالاتها الحيوية في المحيطين الإقليميّ والدَّوْلِيّ معًا لتحقيق الأهداف المرجوَّة، بَيْد أن صُنَّاع قرار الجمهورية الإيرانيَّة كوحدة دوليَّة بين هذه الوحدات، أعادوا بعد الثَّورة عام 1979 إحياءَ ما اصطلح رواد علم السياسة والجغرافيا السِّيَاسِيَّة على تسميته بـ«الجيوبوليتيك الشِّيعيّ»، كآلية أو كنظرة جيو-سياسيَّة لتنفيذ الاستراتيجيَّة العليا المتمثلة في إنجاز البناء الإمبراطوري المزعوم.

ومن ثم تُلقِي هذه الدراسةُ الضوءَ على واقع ومستقبل «الجيوبوليتيك الشِّيعيّ» كآلية لتنفيذ الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة العُليا منذ عام 1979، وتحديدًا فترة صعوده منذ عام 2003، عام سقوط العراق، بتحديد مجالاته الحيوية وأغراضه السِّيَاسِيَّة خارج نطاق الدَّوْلَة الإيرانيَّة في الدائرتين الإقليميَّة والدَّوْلِيَّة، لتحليلٍ علميّ ومنهجيّ سليم للمخطَّطات والمطامع الإيرانيَّة وآليَّاتها لاستهداف المِنطَقة العَرَبِيَّة وغيرها من المناطق ذات الأولوية في الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة، ثم تحليل دوافع تحوُّل القيادات الإيرانيَّة من السهر على تصدير الثَّورة ونظرية أم القرى إلى رؤية نظرة جيو-سياسيَّة لتنفيذ الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة والآليَّات التي يستخدمها هؤلاء القادة، رغبةً منهم في إنجاح المشروع الشِّيعيّ والسيطرة على الدُّوَل الواقعة في نطاق مجالها الحيوي ذي الأولوية.
وتسعي هذه الدراسة للإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: ما مصير ومستقبل الجيوبوليتيك الشِّيعيّ في ظلّ التحوُّلات الخطيرة والأزمات الممتدَّة والتحالفات الجديدة التي تشهدها منطقتنا في الوقت الراهن؟ وهل سيترتب على الجيوبوليتيك الشِّيعيّ حال استمراره في المِنطَقة ظهور نظريات مضادَّة أو جيوبوليتيك مضادّ للجيوبوليتيك الشِّيعيّ لكون هذه الدَّوْلَة فَارِسِيَّة في محيط سُنِّي، إيرانيَّة في محيط عربيّ؟ وهل تسعي إيران لإلغاء الحدود بين الدُّوَل ذات الأقلِّيَّات الشِّيعيَّة المتماسَّة جغرافيًا؟ وهل تمتلك إيران القدرات والأدوات الكافية لتمرير الجيوبوليتيك الشِّيعيّ في تلك المِنطَقة المضطربة أمنيًا المتشرذمة سياسيًا؟ وكيف صارت الدُّوَل المستهدَفة بعد النظرة الجيو-سياسيَّة للدولة الإيرانيَّة؟ وهل ستتوقف إيران عن مشروعاتها التَّوَسُّعِيَّة في الإقليم والعالَم إذا ما تَبدَّلَت التحالفات الإقليميَّة والدَّوْلِيَّة، أم إنها دولة من طراز «سوبر» ستستمر في مشروعاتها التَّوَسُّعِيَّة وتنشر الفوضى وعدم الاستقرار السِّيَاسِيّ في الدُّوَل المستهدَفة؟
واعتمدت هذه الدراسة منهج «دراسة الحالة» لكونه يركِّز على ظاهرة أو حالة ما قائمة ضمن سياق وأُطُر الواقع بجمع المعلومات عنها وتحليلها من خلال معرفة فلسفتها وركائزها وسماتها وأدواتها ومدى تنفيذها في الواقع للوقوف على واقعها واستشراف مستقبلها، ويفضَّل استخدامه عند الرغبة في دراسة حالة، سياسيَّة كانت أو جيو-سياسيَّة أو غيرهما، تحتوي على عديد من العوامل والمتغيرات المرتبطة، وحينما تكون هذه العوامل وتلك المتغيرات رغم تعقيدها يمكن ملاحظتها فإن منهج دراسة الحالة يكون مناسبًا للاستخدام، وهو ما ينطبق على الدراسة الماثلة بين أيدينا بتركيزها على «الجيوبوليتيك الشِّيعيّ» آليةً أو ظاهرةً، ومن ثم لا بد من بيان سماتها ومرتكزاتها ومجالاتها الحيوية ودوافعها وآليَّات تنفيذها لتقييمها وتحليلها تحليلًا علميًا منطقيًا سليمًا، وبيان عوامل قوتها ونقاط استشراف مستقبلها وَفْقًا لهذا المنهج.
وفي ضوء المنهج المستخدَم يمكن تقسيم الدراسة إلى ستة أجزاء: يتناول (الأول) مقاربة نظرية للجيوبوليتيك عمومًا، وهل بين الجغرافية السِّيَاسِيَّة والجيوبوليتيك فرق أم هما متطابقان، بالإضافة إلى المفاهيم الأخرى المرتبطة به كمفهوم الحدود الشفافة والمجال الحيوي والمصدَّات الجغرافية. ويعرض (الثاني) لمعنى ومرتكزات الجيوبوليتيك الشِّيعيّ. ويحلل (الثالث) المجالات الحيوية للجيوبوليتيك الشِّيعيّ. ويتطرق (الرابع) إلى دوافع التحول نحو الجيوبوليتيك الشِّيعيّ في الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة بعد فشل مبدأ تصدير الثَّورة ونظرية أم القرى في التطبيق. ويستعرض (الخامس) بالتحليل آليَّات وأدوات التحول نحو الجيوبوليتيك الشِّيعيّ في الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة كالتَّشيُّع الناعم وتسييس التَّشيُّع والتَّشيُّع الخشن، ثم إدماج الميليشيات الشِّيعيَّة في أنظمة الحكم بالدُّوَل المستهدَفة. ويقدم (السادس) والأخير تقييمًا موضوعيًا للجيوبوليتيك الشِّيعيّ.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير