الفقيه والدين والسلطة (جدلية الفكر السياسي الشيعي بين المرجعيتين العربية والإيرانية)

تأتي أهمِّية موضوع هذا الكتاب من كونه من أول الكتب التي تدرس عَلاقة إيران بالتَّشَيُّع العربي من جانب مختلف هو نظرية الفقه السياسيّ والدستوري، ذلك لأنّ نظريات الفقه السياسيّ هي المدخل الرئيسي لخلافات الدولة الإيرانيَّة ما بعد الخُمَينِي، مع الفَقِيه العربيّ والمَرجِعِيَّة العربية. فقد دُرِسَت عَلاقة إيران بالتَّشَيُّع العربيّ من منظور سياسيّ واستراتيجيّ، بيد أنه لا توجد دراسة شاملة تشرح وتفكك العَلاقات الفكرية والآيديولوجية، ومواطن الخلافات وأبعادها الاجتماعية وسياقاتها الأنثروبولوجية، وخلفياتها الدينية والمذهبية، بين الْمَرجِعِيَّة القمية -ما قبل وما بعد الخُمَينِيّ- والمَرجِعِيَّة العربية، وتطور تلك العَلاقة وعوامل تماسكها، ومحدِّداتها في العقل الحوزويّ، أي طبيعة الصراع بين الفَقِيه والمرجع العربي وبين الفَقِيه والمرجع الإيرانيّ، وموارد صبغ شخصيَّة المرجع الإيرانيّ بالقراءة الخُمَينِيَّة للنظرية السياسية، مِمَّا وسّع الهُوَّة بين فُقَهاء العرب وفُقَهاء فارس.
شهد الفكر السياسيّ الشيعيّ نقاشات وتنظيرات منذ أحداث الثورة الدستوريّة حتى اليوم، وكل مدرسة تستند إلى مجموعة من العناصر الفقهيّة والأصوليّة والفلسفيّة في المذهب، وترتكز كلها على دور الفقيه ومدى تغلغله في مؤسسة السلطة، وهل مهامّه في الحكم والسلطة داخلة في دوائر ومهامّ الفقيه، أم أنها خارجة عنها. فكان الدين/المذهب مُتجاذَبًا بين الفقيه والسلطة، بالتأويل تارةً وبالتوظيف أخرى، ممّا أحدث حراكًا سياسيًّا وفقهيًّا وفلسفيًّا ارتدَّت آثارُه على المجتمع الإيرانيّ والشيعيّ عمومًا، ذلك أنّ الفكر السياسيّ الإيرانيّ كان عابرًا للحدود، لكونه صادرًا عن مراجع وآيات يتحدثون باسم المذهب الشيعيّ، مما أوجد حالة نقاش وأخذ وردّ بين مراجع الشيعة في الداخل والخارج، بين مَن ينبذ النظريّة السياسيّة الإيرانيّة بحكم أنها صادرة عن خليط وهجين شيعيّ فارسيّ-إيرانيّ، ومَن يتبناها لكونها تعبّر عن حركيّة وإصلاحيّة في بنية المذهب لا بُدّ منها. ولا شكّ أن هذا الحراك الفقهيّ والسياسيّ يُعَدّ مرتكزًا قويًّا وفلسفة موجِّهة للساسة الإيرانيين، ومن ثمّ فدراستُه وسَبْرُ أغواره تُعَدّ فهمًا لفلسفة السياسة الإيرانيّة المعاصرة، ومعرفة محدّداتها الاستراتيجيّة، ومواقعها ونفوذها آنيًّا ومستقبليًّا.
نسعى كذلك في هذا الكتاب إلى تفكيك المؤسَّسة الدينية الإيرانيَّة ورصد عَلاقاتها مع الْمَرجِعِيَّة العربية، وكيف تحولت تلك العَلاقات من عَلاقات تحالف وانصهار في عهد ما قبل الخُمَينِي إلى عَلاقات ندية واستقواء في عهد الخُمَينِي وما بعده. وذلك بسبب الانقلاب على الميراث الفقهيّ الشِّيعِيّ، والعرف الحوزويّ، من قبل الخُمَينِيّ في نطاق الفقه الدستوري الذي عمل الخُمَينِيّ على فرض خياراته وقناعاته الفِقهِيَّة الممزوجة بالطموحات الشخصيَّة والخلفيات القوميَّة على الحوزة الشِّيعِيَّة، وقد نجح في ذلك في قم بقوة السُّلْطة والقانون عبر مَأْسَسَة نظريته في الدستور والقانون على نحو ما سيأتي، لكن إن لم يتيسر هذا بخصوص الحوزة العربية في العراق ولبنان فقد عمل على احتوائها وتدجينها عبر مسالك أخرى رصدتها الدراسة.
إنّ مواطن الخلاف الرئيسية بين مدرسة الخُمَينِيّ والمرجعيات العربية انحصرت في المسألة السياسية، ولا شكّ أنّ الخلاف السياسيّ أنتج خلافًا فقهيًّا، فبعد أن كانت النجف تُنظّر للثورة الدستورية في إيران عام 1906م عبر الفَقِيه النائيني، وبعد أن تدخل الشيرازي من سامراء في أحداث التنباك في إيران، صار الخُمَينِيّ يُنظِّر للفقه السياسيّ الشِّيعِيّ ويحاول طمس معالم الاجتهادات السابقة عليه والمعاصرة له، ويحاول فرض خياراته الفِقهِيَّة على النجف، المدرسة الأمّ للشِّيعَة حول العالم، ويعمل جاهدًا على تأميم الْمَرجِعِيَّة الشِّيعِيَّة لصالح خياراته الفِقهِيَّة وقناعاته المذهبية فقط. وتلك الخلافات السياسية حول نظريات الفقه السياسيّ والدستوري أنتجت خلافات عميقة داخل المذهب نفسه، وحراكًا علميًا واسعا، فهي وإنْ أثرت في مسارات الدرس الحوزويّ، كانت إثراء لنظرية الفقه السياسيّ للمدرسة الشِّيعِيَّة العربية بعد استفزازها بمخرجات الخُمَينِي في فقه الدولة. وتوسع الخلاف بين الأخباريين والأصوليين، ثمّ زادت الفجوة بين الأصوليين أنفسهم، وأحدثت انقسامات داخلية أدت إلى نشوء تيَّارات معارضة ثم سرعان ما تبلورت معالمها وأفكارها حتى تكاد تصل إلى أن تكون فِرَقًا جديدة، نافذة داخل المجتمع الشِّيعِيّ، مِمَّا يُعدّ نوعًا من الثراء المعارفي في الفقه السياسيّ والمذهبي بغض النظر عن مبدأ الصوابية والحقانية في الأصول السياسية للمذهب الشِّيعِيّ.
كذلك يرصد الكتاب موقع الخُمَينِيّ في الحوزة الشِّيعِيَّة الإيرانيَّة قبل الثَّورة، وموقعه في الْمَرجِعِيَّة الشِّيعِيَّة عمومًا، وهذا يؤدي بنا إلى فهم بواعث اجتهاداته ومكانتها في الدرس الحوزويّ. وترصد أيضًا التحوُّلات والتطوُّرات الفكرية لدى الخُمَينِيّ وكيف أثرت تلك التطوُّرات الفكرية على موقعه في الحوزة، وعلاقته برفاقه الآخرين، بل وبمشايخه وأساتذته. ورصدت الدراسة أيضًا موقع الجماهير في فلسفة الخُمَينِيّ، وأثر ذلك على الخلاف بينه وبين المجتهدين والفُقَهاء العرب. كذلك اهتم الكتاب في نهايته برصد الآثار السياسية التي تنبني على نظرية الخُمَينِيّ، والتي فاقمت الهوة بين الْمَرجِعِيَّة العربية والمَرجِعِيَّة الفارسيَّة.
إنّ فهم السلوك الإيرانيّ المعاصر تجاه المنطقة والإقليم لا يمكن تحقُّقه فقط عبر التحليلات السياسية وردود الفعل، بل إن الفهم الدقيق لا يتأتى إلا بدراسة فاحصة تفكيكية لفلسفة النشوء التي ارتكزت عليها الدولة الإيرانيَّة منذ نشأتها الآيديولوجية على يد الخُمَينِيّ، وجذورها الفقهيّة والفلسفيّة في فضاء الفكر الشيعيّ والفارسيّ، لأنّ السلوك السياسيّ الإيرانيّ ليس اعتباطيًا بل قائم على الآيديولوجيا والفكر، وما من سياسة إلا تنطلق من الآيديولوجيا، سيما وصانعو القرارات وراسمو السياسات لا يزالون من داخل المدرسة الفِقهِيَّة الآيديولوجية، فأي سلطة لا بد لها من مُنطلَقات فكرية وآيديولوجية ترتكز عليها في الحكم والإدارة والتشريع، ولا تزال نظرية ولاية الفَقِيه هي الآيديولوجيا للنظام الحاكم في إيران ولا تزال قوية صلبة، متجذرة في البيئة والمؤسَّسات الثقافية والتربوية والتعليمية، ولا تزال تدخل ضمن المحدِّدات الاستراتيجية في العَلاقات الإيرانيَّة مع الآخر الشِّيعِيّ العربي. ومِن ثَمَّ فخلخلتها على المدى البعيد صعبة للغاية في ظلّ الاهتمام فقط بردود الأفعال السياسية، أي بالعرض دون الجوهر. ومن هنا تكمن أهمِّية هذا الكتاب الذي يسعى لتفكيك وتشريح التركيبة البنيوية لمؤسَّسة ولاية الفَقِيه، وعلاقتها الآنية والتاريخية الماضوية بالمؤسَّسة الدينية الشِّيعِيَّة في إيران وخارج إيران، وإيضاح مواطن ضعفها وعوامل قوتها وديمومتها حتى اليوم، ومِن ثَمَّ يمكن لصانع القرار العربيّ فهم السلوك الإيرانيّ ودوافعه الآيديولوجية والمذهبية تجاه المنطقة والإقليم، وكذلك فهم التركيبة النفسية لمؤسّسي الدولة الإيرانيَّة وتلامذتهم «الجيلين الأول والثاني» الذين لا يزالوا في سدة الحكم حتى اليوم، وهذا يؤدي إلى رسم سياسة دقيقة في كيفية التعامل مع هذه الدولة المتمردة على القوانين الدولية وأعراف الجوار. كذلك يُعدّ هذا الكتاب رسالة قويَّة إلى الشِّيعَة العرب وتلفت أنظارهم إلى مكانة الْمَرجِعِيَّة العربية التاريخية، والثقافية، بما تتضمنه من إرث فقهي وأصولي أسهم في تشكيل العقل الجمعي الشِّيعِيّ في مرحلة ما قبل الخُمَينِيّ، وقبل اختطاف المذهب والطائفة برمتها من قِبَل التَّشَيُّع الفارسيّ الذي أطلّ بعباءته من جديد على يد الخُمَينِيّ.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير