أزمة التقسيمات الإدارية في إيران.. من قزوين إلى كازرون

بواسطةإحسان مهرابي

لقد أعادت الاحتجاجات في مدينة كازرون قضية التقسيمات الإدارية إلى الأذهان مرة أخرى، وكانت هذه القضية موضع جدل ونقاش منذ السنوات الأولى لثورة ١٩٧٩، وشهد عديد من المحافظات الإيرانية احتجاجات متكررة بسببها.

كانت قضية التقسيمات الإدارية من الأسئلة المطروحة في جلسة استجواب وزيرَي الداخلية السابقَين علي أكبر ناطق نوري وعبد الله نوري، وهما من تيارين سياسيين مختلفين، وكانت الحكومات المتتالية تطلق وعودًا بشأن تقديم «خطة شاملة للتقسيمات الإدارية» غير أنه لم يتم المصادقة عليها قَطّ.
وقد نصّ عديد من القوانين في إيران، ومنها القانون الذي صُودق عليه في ١٩٨٣، على «الضوابط والمقررات المتعلقة بالتقسيمات الإدارية»، وهي قائمة على نسبة سكان المدن.
وقد ألزمت خطة التنمية الثانية الحكومةَ بوضع «خطة شاملة للتقسيمات الإدارية» وتقديمها إلى البرلمان حتى ١٩٩٩، أي نهاية مدة خطة التنمية، وكان هذا الموضوع أحد الأسئلة المطروحة في جلسة استجواب عبد الله نوري وزير داخلية حكومة محمد خاتمي، إذ قال عبد الله نوري في تلك الجلسة إن هذه الخطة تم وضعها من قبل زهراء أحمدي بور، وهي المديرة العامة في قسم التقسيمات الإدارية، والتي تولت لاحقًا منصب رئاسة مؤسسة التراث الثقافي في حكومة حسن روحاني، وسوف تُقدَّم إلى المجلس.
بعد مضيّ عشرين عامًا على تلك الوعود، دعت وزارة داخلية حكومة روحاني مرة أخرى إلى تقديم الاقتراحات حول «مسوّدة مشروع قانون التقسيمات الإدارية»، ويشتمل مشروع قانون حكومة حسن روحاني بشأن التقسيمات الإدارية إعادة تعريف هذا المصطلح أيضًا، كما أنه لا يوجد فيه خطة يتم فيها تحديد التقسيمات الإدارية مسبقًا، وبالتالي سيتأثر هذا المشروع بالضغوط والمشاورات السياسية.

التقسيمات الإدارية والنواب
في هذه الأثناء يعدّ نواب البرلمان الجهة الأكثر أهمية في متابعة إيجاد مديريات ومدن جديدة في دوائرهم الانتخابية، إذ يرون أن إحداث مديريات جديدة سيؤدي إلى تخصيص ميزانية أكبر لها، وفي النهاية سيؤدي إلى تنميتها بشكل عام، غير أن هذا ليس كل شيء، فالنواب يفكرون أيضًا بمصالحهم.
تتألف الدوائر الانتخابية عادة من عدد من المديريات، ويسعى النواب إلى منح إمكانيات أكثر للمدن التي حصلوا فيها على نسبة أعلى من الأصوات، وينطبق ذلك على التقسيمات الإدارية أيضًا، إذ يسعى النواب إلى إيجاد مشاريع تنموية أكثر في المدن التي يحظون فيها بعدد أكبر من الموالين أو قاعدة انتخابية واسعة، وهي التهمة التي يواجهها النائب البرلماني عن مدينة كازرون.

التقسيمات الإدارية ودور المسؤولين
إضافة إلى النواب، أسهم عدد من المسؤولين الحكوميين في تغيير التقسيمات الإدارية، ومنهم عبد الواحد موسوي لاري، وهو وزير داخلية حكومة محمد خاتمي، والمُتّهم بلعب دور كبير في إطار تحويل مدينة «لار» إلى محافظة.
حولت هذه الضغوط والمناقشات السياسية قضيةَ التقسيمات الإدارية في إيران إلى مصدر للأزمات منذ السنوات الأولى التي تلت ثورة ١٩٧٩، إذ وقعت احتجاجات كثيرة بسببها أدّت إلى اشتباكات عنيفة بين المحتجين وقوات الأمن في بعض هذه الاحتجاجات، ما أدى إلى مقتل عدد من المحتجين، ومن الأمثلة على ذلك الاشتباكات العنيفة التي وقعت في مدينتَي قزوين وزنجان في عام ١٩٩٤ بسبب النقاشات حول تحويل مدينة قزوين إلى محافظة وفصلها عن محافظة زنجان، حين منع المحتجون في قزوين حركة السيارات التي تحمل لوحة زنجان، وحطموا لوحات الإدارات التي كانت تحمل اسم هذه المدينة، وأدى عدم المصادقة على مشروع قرار لتحويل قزوين إلى محافظة إلى احتجاجات واسعة استمرت عدة أيام في هذه المدينة، وأفادت تقارير بأن «السلطات قمعت هذا التمرد من خلال الاستعانة بقوات اللواء العاشر (سيد الشهداء في طهران)»، وقيل إن هذه الاشتباكات أدت إلى وقوع قتلى.
وتلت احتجاجات قزوين احتجاجات كبيرة في مدينة سبزوار على خلفية الوعد الذي أطلقه عبد الواحد موسوي لاري، وزير الداخلية في حكومة محمد خاتمي، بشأن تحويل مديرية «بجنورد» إلى محافظة، ونزلت الجماهير إلى الشوارع في مدينة سبزوار في ٢٠٠١ إثر التصريحات التي أدلى بها موسوي لاري، واقتلعوا خطوط سكك الحديد، وهاجموا المباني الحكومية، وبحسب التقارير فقد أدت هذه الاحتجاجات التي استمرت بضعة أيام إلى مقتل شخص وجرح كثيرين.
وتسبب موضوع تقسيم محافظة «خراسان» إلى خمس محافظات بوقوع اشتباكات عديدة في مدن هذه المحافظة الأخرى، وفي النهاية قُسِّمَت المحافظة إلى محافظتين وهما خراسان الشمالية وخراسان الجنوبية، ولا تزال الاشتباكات في مديريّتي نيشابور وسبزوار مستمرة احتجاجًا على عدم تحويلهما إلى محافظة.
قبل أن تطرح قضية إيجاد مديريّة جديدة في كازرون، كانت هناك اشتباكات أخرى بسبب التقسيمات الإدارية في هذه المنطقة، ومنها الاشتباكات التي وقعت بسبب استحداث مديريّة «غراش» في جنوب محافظة فارس.
هناك تاريخ طويل من الاشتباك والجدل حول التقسيمات الإدارية في عديد من المحافظات الإيرانية على غرار محافظة سمنان، إذ يرى ساكنو مدينة شاهرود أن مدينتهم يجب أن تكون عاصمة المحافظة، ولذلك أدى مشروع قرار حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى إحداث قائمقامية خاصة بمدينة شاهرود إلى اشتباكات في سمنان، كما أدت القرارات التي صادقت عليها حكومة أحمدي نجاد حول التقسيمات الإدارية خلال زياراتها للمحافظات المختلفة إلى وقوع احتجاجات وتجمعات في محافظات أخرى.
في الوقت الذي يبدو فيه أن التقسيمات الإدارية القائمة تثير الأزمات، فإن عددًا من مسؤولي «الجمهورية الإسلامية» اقترحوا منذ سنوات مشاريع على غرار تحويل إيران إلى عدة ولايات، وهو نموذج أكثر تكاملًا من النموذج الذي طرحه محسن رضايي في حملته الرئاسية، والذي حمل عنوان الولايات الاقتصادية.
وينظر مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران منذ سنوات عديدة في مشروع لتحويل المحافظات الإيرانية إلى ٥ ولايات، وكان هذا المشروع قيد البحث في حكومة محمد خاتمي أيضًا، إذ قال عبد الواحد موسوي لاري إنه «كان من المقرر أن تُقسّم البلاد إلى ٩ مناطق استنادًا إلى الأحواض المائية (مستجمعات المياه) ونوعية طرق التواصل ومعايير أخرى، وكان من المقرر بأن يتم التنسيق مع مؤسسة التخطيط المكاني بهذا الشأن ويتم إرسال المشروع إلى البرلمان للمصادقة عليه، ولكن هذا لم يحصل».
لم تتجرأ الحكومات المتتالية على تنفيذ الخطط الشاملة بشأن التقسيمات الإدارية بسبب التداعيات الواسعة الناجمة عنها، ولكن الجدل حول التقسيمات الإدارية يطفو إلى السطح من حين إلى آخر في المحافظات الإيرانية، إذ تنعكس هذه الأزمة بشكل أكبر من السابق بسبب شبكات التواصل الاجتماعي.

مترجم عن موقع “بي بي سي فارسي”


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

إحسان مهرابي
صحفي