التوغل الإيراني والصراعات اللا متناهية في اليمن.. هل ما زال اليمن سعيداً؟

(3-3)
تناولنا في الجزأين السابقين (1-3) و(2-3) حال كل من العراق وسوريا بعد التدخل الإيراني، وحالة الصراعات اللامتناهية في هذين البلدين العربيين التي خلفت ليس “عراقاً جديداً” ولا “سوريا جديدة”، وإنما جاءت ببلدين ممزقتين أصبحا ساحتين للصراع والاقتتال الطائفي، وتربة خصبة وملاذاً آمناً للتنظيمات الإرهابية “القاعدة” و”داعش”، وفي ظل احتلالهما مكانة في الاستراتيجية الإيرانية الجديدة، فإنه لا يبدو أن إيران تنوي تفويت أية فرصة فيهما.
وسنتناول في هذا الجزء حال اليمن إثر التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية، وهل ما زال اليمن سعيداً؟ أم أنه أصبح ممزقاً كسوريا والعراق وغيرهما من الدول التي أصيبت بالتدخل الإيراني؟ وما هو مستقبل اليمن في ظل التطورات الأخيرة التي خيّمت على المشهد اليمني نتيجة عدم إحراز نتائج تذكر حتى الآن رغم عودة طرفي الأزمة وهما (النظام اليمني من ناحية والحوثيون المدعومون إيرانياً وحزب الرئيس السابق “علي عبدالله صالح” من ناحية أخرى) إلى مائدة المفاوضات يوم 15/7/2016؟

بداية، بإدراكها أن المنطقة باتت مهيأة لحقبة جديدة من النفوذ وملء الفراغ، استغلت إيران التحولات التي تمر بها إثر اندلاع ثورات الربيع العربي مطلع 2011، كما استغلت من قبل الغزو الأمريكي للعراق 2003، وصعدت من تمددها إقليمياً، ضاربة بعرض الحائط مبدأ حسن الجوار، وتعتبر اليمن من بين الدول الواقعة في نطاق ما يسمى بـ”القوس الشيعي”.
وانطلاقاً من ذلك، يرجع التدخل الإيراني فيه لعدة أسباب: داخلية مرتبطة بطبيعة النظام الإيراني ذاته، وهذا بدوره مرتبط في جانب منه بأيديولوجيته التي ترتكز على فكرة “تصدير الثورة” إلى الدول الأخرى، كما أن النظام الإيراني بطبيعته يتبع سياسة “تصدير المشاكل” للخارج؛ حيث إنه في ظل ما يواجه من معارضة ومشاكل داخلية، يحاول إلهاء شعبه بقضايا ومشاكل من قبيل الحديث عن دور إقليمي يعيد مجد الإمبراطورية الكبرى أو الحديث عن مواجهة قوى الاستكبار والشر في العالم.
وأخرى خارجية ذات طبيعة إقليمية مرتبطة باستراتيجية إيران وحضورها في محيطها الإقليمي؛ فاليمن يمثل أهمية جيو- استراتيجية بحكم موقعه على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وسيطرته على واحد من أهم الممرات الملاحية، وهو مضيق باب المندب؛ حيث تمر ناقلات النفط منه عبر البحر الأحمر متجهة إلى قناة السويس، ومنها إلى الأسواق الرئيسية في أوروبا والولايات المتحدة، وكذلك امتلاكه ميناء ميدي الذي سعى الحوثيون – الوكيل الإيراني – أكثر من مرة ولا يزالون للسيطرة عليه بشتى السبل والوسائل، واشتراكه في الحدود مع بعض دول الخليج، وتحديداً المملكة العربية السعودية، قاطرة الوحدة الخليجية، والمناوئ الرئيسي للمخططات الإيرانية في المنطقة.
وبالتالي، فإن حصول إيران على موطئ قدم في اليمن يعزز من حضورها الإقليمي، ويساعدها في السيطرة على المداخل والمخارج الرئيسية لتجارة النفط الدولية، ويقول العلماء الاستراتيجيون إن من يمتلك النفط أشبه بمن يمتلك الخزنة المليئة بالذهب، ومن يسيطر على ممرات عبوره نحو الدول الأخرى أشبه بمن يمتلك مفتاح تلك الخزنة، وبما أننا نتحدث عن الخليج وموارده النفطية وجارته إيران، فان الناقلات النفطية الخليجية (الخزنة المليئة بالذهب) تحتاج لنقل النفط إلى الغرب مثلاً المرور عبر الممرات الدولية بدءاً بمضيق هرمز فخليج عدن، مروراً بمضيق المندب إلى البحر الأحمر فالمتوسط، وأدركت إيران هذا البعد الاستراتيجي الهام (مفتاح الخزنة)، فمضيق هرمز يخضع بالفعل لسيطرتها، وتحاول باستمرار إخضاع باب المندب لسيطرتها وما دعمها محاولة الحوثيين الأخيرة لإسقاط صنعاء لولا “عاصفة الحزم” إلا دليلاً على ذلك.
وارتباطاً بما سبق، يمكن الموقع الاستراتيجي اليمني إيران أيضاً من تنفيذ استراتيجيتها – التشيع ثم عسكرته – في القارة السمراء بمجاورتها لدول القرن الإفريقي “إريتريا وجيبوتي والصومال”، وهو ما بدا واضحاً في الدراسات الأكاديمية العديدة التي تناولت التوغل الإيراني في إفريقيا عامة، والقرن الإفريقي خاصة، وتصريحات رموز النظام الإيراني عن الأهمية الجيو – استراتيجية والجيو – سياسية لأفريقيا، وزياراتهم المكوكية للعواصم الإفريقية للبحث عن مناطق نفوذ جديدة وأوراق ضغط.
ولم يعد الحديث عن التدخل الإيراني في اليمن همساً بين دوائر أمنية وسياسية، بل تعداه إلى العلن على أعلى المستويات الرسمية، فمنذ توليه سدة الحكم فبراير 2012، دعا الرئيس “هادي عبدربه” إيران لعدم التدخل في بلاده قرابة 8 مرات، آخرها في 10/7/2016، عدا دعوات وزراء الحكومة، إضافة إلى أن جملة من الشواهد المؤكدة أن هذا البلد تحول إلى فناء خلفي وساحة مفتوحة للتدخل الإيراني من خلال الأطنان من شحنات الأسلحة المرسلة عبر إريتريا، وآخرها ما تم الكشف عنه في 11/7/2016، والتدريب للمتمردين الحوثيين ضد الدولة قبل وبعد اندلاع الثورة اليمنية 2011، فقبل الثورة دعمتم في الحروب الست ضد صالح في الفترة من 2004 -2009، وبعد الثورة دعمت طهران المحاولة الانقلابية المسلحة على الشرعية في اليمن في سبتمبر 2014 واستيلاء الحوثيين على صنعاء وسقوطها في ساعات معدودات وتسليمها لهم وإعلان صنعاء على لسان النائب الإيراني “علي رضا زاكاني” العاصمة العربية الرابعة التي باتت امتداداً للثورة الخمينية، وهو ما أدى إلى استجابة السعودية للطلب الرسمي من الرئيس اليمني بعد مغادرته اليمن في مارس 2015 بالتدخل لإنقاذ البلاد من العدوان الحوثي – الإيراني واسترداد المدن التي استولى عليها الحوثيون بتشكيل التحالف العسكري العربي الذي حرّر نحو 70% من الأراضي اليمنية من قبضة الحوثيين، ولكن هذا الاستلام السريع لصنعاء يضع عدداً من التساؤلات حول التنسيق الأمريكي – الإيراني في هذا البلد.
كما عملت إيران، في سبيل تقوية حلفائها، على إثارة الصراع المذهبي في شمال اليمن زيدي – شافعي، وبعث النزاعات المناطقية في جنوب اليمن، ثم إثارة الصراع بين الشمال والجنوب من خلال تأجيج الهويات الضيقة، وتفجير الوضع العسكري، وإيجاد حالة من الفوضى التي يمكن – معها – إعادة صوغ موازين القوى، ومن أجل هذا – أيضاً – قامت عبر مخطط بدأت الاشتغال عليه منذ اندلاع ثورة اليمن، بتمويل عشرين وسيلة إعلامية، ورقية وإلكترونية، والسعي لاستخراج تصاريح لسبع صحف مختلفة، وإطلاق عشرة مواقع إلكترونية لأشخاص ومجموعات، تعمل في إطار المخطط ذاته، إضافةً إلى تمويل ثلاث قنوات فضائية موجَّهة إلى الجمهور اليمني، تُشرف على الأولى قناة (المنار) اللبنانية، وعلى الثانية قناة (العالم) الإيرانية، وعلى الثالثة قناة عراقية، وإلى جانب ذلك استطاعت طهران استقطاب سياسيين وبرلمانيين وشخصيات اجتماعية بارزة ما يطلق عليهم “حركة إنهاء الوصاية الخارجية على اليمن”، وتم إرسالهم إلى طهران للالتقاء بالقادة الدينيين والسياسيين.
وفي سبيل تنفيذ مخططاتها باليمن، استقطبت إيران “الحراك الجنوبي” من ناحية، إذ كشف مؤخراً رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لأبناء الجنوب القيادي محمد أحمد أن معظم قيادات الحراك قامت بزيارة طهران بهدف الحصول على الدعم والاتفاق على الوسائل التي من شأنها أن تساعد على التمدد الإيراني في اليمن، مؤكداً في هذا الصدد أن النفوذ الإيراني لم يعد محصوراً في نشاط الحركة الحوثية في شمال اليمن، بل إن إيران طلبت من قيادات الحراك تجنيد وتدريب 6500 شاب من الجنوب، ومن ناحية أخرى تحالفت مع تنظيمي القاعدة وداعش باليمن، ولعل أخطر ما تم رصده في العلاقة بين تنظيم “القاعدة” وإيران رسالة شكر قدمها زعيم التنظيم “أيمن الظواهري” لإيران جاء فيها: “بدون مساعدة إيران، لما تمكنا من الهجوم على السفارة الأمريكية بصنعاء في 13/9/2012″، فهناك صلة بين التحول في تركيز “القاعدة” على اليمن والوجود الإيراني النشط هناك، الذي أصبح أو يراد له أن يكون قاعدة استراتيجية رئيسية لعمليات القاعدة ومنطقة خصبة للتجنيد، ووفر الحرس الثوري الإيراني دعماً مهماً لمساعدة “القاعدة” وداعش في تحويل اليمن إلى مركز رئيسي للعمليات.
وجملة ما تقدم من تدخلات إيرانية أسفر عن “يمن تعيس” بكل المقاييس بات يعيش “واقعاً مأساوياً”، ويقف على مسافة قريبة من الانهيار الشامل والصراعات اللا متناهية، خاصة في ظل بروز بوادر عن فشل الجهود الدولية والإقليمية في عقد اتفاق للسلام بين طرفي الأزمة، ويعكس ذلك ما يلي:

(1) إفشال خيار المفاوضات441 (1)بعد انطلاق عاصفة الحزم في مارس 2015، وما أدت إليه بعد تحولها إلى استعادة الأمل، وصدور القرار 2216 عن مجلس الأمن بشأن اليمن، انطلقت المفاوضات بين (الحوثيين وحزب الرئيس صالح من ناحية) و(نظام هادي عبدربه من ناحية أخرى) في الكويت أبريل 2016، واستمرت حتى 7/2016 دون الوصول إلى نتائج تذكر نتيجة التدخلات الإيرانية في المفاوضات، خاصةً مع إصرار الحوثيين وصالح، وبدعمٍ إيراني، على الحصول على ما يشبه “الثلث المعطل”، في محاولة لاستنساخ تجربة حزب الله في لبنان.
وأشارت تصريحات المبعوث الأممي “إسماعيل ولد الشيخ” في 10/7/2016، إلى وجود فجوة كبيرة في المباحثات التي ركزت على انسحاب الميليشيات والمجموعات المسلحة، وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة للدولة، وإعادة مؤسسات الدولة، واستئناف حوار سياسي جامع، وإنشاء لجنة خاصة للمعتقلين والسجناء. وهذه البنود لم يقبل بها الحوثيون المدعومون إيرانياً، مطالبين بتشكيل حكومة وحدة وطنية يكونون طرفاً فيها؛ وجعلوا ذلك شرطاً لإنهاء القتال، وهو ما رفضته الحكومة، خاصة بعد أن نجحت يوم 11/7/2016 بمساندة المجموعة العربية، وعدد من دول أفريقيا، بمجلس الأمن، في إحباط مساعٍ لإصدار بيان دولي يؤيد تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم الحوثيين، والحيلولة في أن يمتلك أي طرف سياسي ورقة ضغط وابتزاز تشبه (الثلث المعطل).

(2) أوضاع اقتصادية سيئة: yemen-economy-inflation-650_416-20121230-112150فيما تسيطر جماعة الحوثي على البنك المركزي اليمني، باتت السعادة اليمنية حلقة مفقودة جراء ويلات الحرب التي يعاني منها منذ الربع الأخير من العام 2014، وبات معها توفير القوت اليومي “هماً ثقيلاً” على كثير من شعبه نتيجة تفشي البطالة على خلفية توقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية في البلاد، وتراجع القدرة الشرائية للريال، مع تدهور قيمته في مقابل الدولار، وانعدام السيولة النقدية وتراجع الإيرادات العامة بنسبة 53% خلال العام 2016 جراء الصراعات والاقتتال، ففي يونيو 2016 أفادت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) بأن 14.4 مليون من أصل 26 مليون يمني يواجهون خطر “انعدام الأمن الغذائي”، وأن ما يصل إلى 70% من السكان في بعض المحافظات يجدون صعوبة بالغة في الحصول على الطعام، كما كشف مؤشر التقدم الاجتماعي يوم 7/7/2016 في تصنيفه لعام 2016 أن اليمن تحتل المركز الـ7 بين الدول التي يعيش مواطنوها أسوأ حياة في العالم.

(3) أوضاع أمنية كارثيةيشهد اليمن حالة فوضى منذ العام 2011 نتيجة الحرب الدائرة منذ أكثر من عام بين القوات الموالية للحكومة مدعومة بقوات التحالف العربي من جهة، والمسلحين “الحوثيين” وقوات صالح من جهة أخرى، بالإضافة إلى حالة الانفلات الأمني والانقسام الحادة بين قوات الجيش والأمن والخلافات الداخلية بين فرقاء الحياة السياسية في اليمن والاحتراب بين كافة فصائل الجسد السياسي، إذ بات شعار الجميع في اليمن: “أنا أحارب إذاً أنا موجود”، واتساع تحركات الحراك الانفصالي في الجنوب وأنشطة تنظيم “داعش” شمالاً وجنوباً.

(4) استشراء الفساد: يشهد اليمن تغلغلاً للفساد لم يحدث منذ عقود، إذ يتم التصرف بالمال العام بعيداً من القوانين واللوائح المنظمة، والاستيلاء على أراضي الدولة، ولم تسلم المساعدات الإنسانية المخصصة للتوزيع مجاناً من العبث، إذ شوهدت مساعدات “برنامج الأغذية العالمي” التابع للأمم المتحدة في صنعاء، وكذلك في عدد من المحافظات تباع، وحل اليمن في المرتبة 154 بين 168 دولة شملها مؤشر مدركات الفساد عام 2015، الذي أصدرته منظّمة الشفافية الدولية، وحصل على 18 درجة فقط من 100، وفي ظل شح الموارد وعدد السكان الذي يزيد على 26 مليون شخص وتفاقم أزمتي الفقر والبطالة، إلى جانب تعليق دعم المانحين وتوقف الاستثمارات، بات تفشي الفساد يشكل تهديداً حقيقياً لحاضر الدولة والمجتمع ومستقبلهما.

(5) تنظيم القاعدة وظهور داعش باليمنإثر مقتل أمير القاعدة في جزيرة العرب “ناصر الوحيشي” منتصف يونيو 2015 بطائرة أميركية بدون طيار، وتولى قاسم الريمي قيادة التنظيم، ورغم ما أشيع حينها، فإنه كان على رأس تيار مؤيدي مبايعة البغدادي، إلا أنه لم يصدر عنه – حتى الآن – أي بيان رسمي بمبايعته، وفي هذه الأثناء خفت اسم القاعدة لمصلحة بروز داعش الذي أصبح مؤخراً يسارع إلى تبني كل عملية إرهابية نوعية. كما لم نعد نسمع بأية أنشطة أو ظهور سياسي أو إعلامي لتنظيم القاعدة في اليمن، وبدا داعش وكأنه سيطر على بوصلة الإرهاب هناك بعملياته الإرهابية النوعية التدميرية، لاسيما في عدن التي اختارها دون غيرها مسرحاً لعملياته، منذ تحريرها أواخر يوليو 2015، إذ تشير التقديرات إلى أنه تم تنفيذ 33 عملية اغتيال وأربع هجمات بسيارات مفخخة خلفت 34 قتيلاً و43 مصاباً، وذلك فقط خلال شهر يناير 2016، وفي مدينة عدن وحدها.
هذا الأمر يلقي بظلاله على أمن دول الخليج العربية من ناحيتين، الأولى: تتمثل في المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأمن القومي الخليجي، فتعميق حالة التشرذم الطائفي في اليمن، بما يصاحبه من صراعات أمر يؤثر سلباً في أمن واستقرار دول الخليج لجهة خلق اضطرابات وصراعات طائفية مماثلة، كما أثبتت تجربة العدوان الحوثي عملياً تعرض الأمن الخليجي للخطر مع حدوث عمليات توغل لعناصر حوثية إلى داخل الأراضي السعودية، مما دفع الأخيرة لرد العدوان دفاعاً عن وحدة أراضيها، علاوة على ما تعرضت وتتعرض له السعودية من عمليات تهريب للسلاح والمخدرات من داخل الأراضي اليمنية، حيث تستغل الجماعات الإرهابية الحدود في تهريب الأسلحة والمتفجرات والعناصر الإرهابية إلى داخل السعودية.
فيما تتمثل الثانية في ما يمكن أن يترتب على التدخل الإيراني من محاولة إعاقة الوحدة الخليجية، وذلك من خلال وضع العراقيل والمشاكل في طريقها، فإيران ومنذ بداية تجربة مجلس التعاون الخليجي، ترى أن الوحدة الخليجية أمر يضر بمطامعها في المنطقة، لذلك كانت وما زالت ترفض التعامل أو التعاون مع دول الخليج من خلال منظومة مجلس التعاون، وتبذل ما بوسعها لإفشال أي عمل يصب في خانة تقوية الرصيد السياسي والاقتصادي والأمني لمجلس التعاون، مثلما حاولت وتحاول إفشال المبادرة الخليجية الخاصة باليمن.
وبناء على ما تقدم، يمكن تصور عدة سيناريوهات تتعلق بمستقبل اليمن حال فشل المفاوضات الدائرة بالكويت منذ 15/7/2016، منها سيناريو عودة الصراع والاقتتال مقابل عودة جزئية لعاصفة الحزم مع تدريب القوات اليمنية للدخول صنعاء برياً واستردادها من إيادي الحوثيين المدعومين إيرانياً، ولكن هذا السيناريو مكلف للغاية، ما يجعله ضعيفاً، وسيناريو ثان يدور حول التهدئة واستمرارية المفاوضات، ويفترض هذا السيناريو أن الأزمة في اليمن يمكن أن تؤول إلى التهدئة، من خلال الضغط الأممي على طافي الأزمة لقبول مبادرة المبعوث الأممي، إلا أن هذا الموضوع يتوقف على مدى جدية طرفي الصراع به، وهو سيناريو ضعيف أيضاً، وسيناريو ثالث يدور حول فشل المفاوضات والاقتراب من نموذج الصوملة، وهو يعتمد على التصعيد بين طرفي الأزمة نتيجة عدم تحقيق كل طرف لمطالبه وأهدافه لتنشب حالة من عدم الاستقرار والفوضى العارمة يمكن أن تفضي إلى حرب أهلية مغلفة بصراع طائفي لن تنتهي قريباً، وهذا السيناريو وارد في ضوء الدعم الإيراني الطائفي.
أما السيناريو الرابع والأقوى، فيحوم حول التقسيم: وهو السيناريو الذي يمكن أن يلجأ إليه الحوثيون وإيران حال الفشل في التحكم بمستقبل اليمن وتحقيق مطالبهم المذكورة سلفاً، ولا يبدو أن لهذا السيناريو حظوظاً في ظل استمرار الدعم العربي لنظام “هادي منصور” ضد المخططات الداخلية المدعوة إيرانياً، لكنه السيناريو الذي قد يتقدم – بقوة – في ظل عدم القدرة على التوصل حتى تاريخه إلى حلول ترضي الجميع رغم استئناف المفاوضات بتاريخ 15/7/2016، والإملاءات الإيرانية للحوثيين وصالح بالتمسك بالمطالب وعدم النزول عنها، وتحديداً الثلث المعطل ورفض تسليم السلاح.
وأخيراً، ما يمكن تأكيده أن التجربة اليمنية في تغيير السلطات، التي بنيت على إزاحة غير ناجزة لصالح الذي أصبح الآن ضد الدولة اليمنية ويتحالف مع الحوثيين الذين خاضوا حروباً عديدة ضده، الرئيس الذي خلع جزئياً، ولم تقلم أظفاره الأمنية والعسكرية، ما جعله الآن رقماً في المعادلة اليمنية، هي تجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها حقاً، خاصة من السوريين الذين عليهم ألا يقبلوا بإزاحة غير ناجزة لبشار الأسد، وتقليم أظافره الأمنية والعسكرية حتى مرحلة اللا عودة؛ ذلك أن مثل هذا الأمر سيؤول إلى حالة أشد سوءاً من الحالة اليمنية المعقدة التي نَشهدها الآن.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير