الدور الإيراني في المعادلة اللبنانية.. المؤشِّرات والدلالات

تناولنا في الأجزاء الثلاثة السابقة (1-4)(2-4)(3-4) حال العراق وسوريا واليمن إثر التدخُّل الإيراني، وحالة الصراعات اللامتناهية التي تسببت فيها إيران وخلفت ليس “عراقًا جديدًا” ولا “سوريا حديثة” ولا “يمنًا سعيدًا”، وإنما جاءت بدول ممزَّقة مهترئة أصبحت ساحات للصراع والاقتتال الطائفي وملاذًا آمنًا للتنظيمات الإرهابية، وفي ظلّ احتلال الدول الثلاث (العراق وسوريا واليمن) ومعها لبنان في الاستراتيجية الإيرانية، فإنه لا يبدو أن إيران تنوي تفويت أي فرصة في هذه الدول لأي فاعل إقليمي آخَر، وسنتناول في هذا الجزء الرابع والأخير من السلسلة حال لبنان بعد التدخُّل الإيراني في شؤونه الداخلية وعلاقاته الإقليمية، وهل أصبح ممزَّقًا كسوريا ومهترئًا كالعراق واليمن وغيرها من الدول التي أصيبت بالتدخُّل الإيراني، بخاصة بعد حسم الأزمة الرئاسية التي دامت لعامين ونصف بانتخاب الجنرال ميشال عون رئيسًا للبنان يوم 31/10/2016 بحصوله على 83 صوتًا من أصل 127 صوتًا، وما مستقبل لبنان في ظلّ رئيس لبناني جديد حليف لحزب الله اللبناني المدعوم إيرانيًّا.

» الحلقة الرابعة (4/4): المشهد اللبناني المعقَّد
تاريخيًّا كان بين شِيعة جنوب لبنان والشِّيعة الفارسيّين عَلاقة تبدأ منذ تأسيس إسماعيل الأول الصَّفَويّ الدولة الصَّفَويَّة عام 1501، ولكي يعمِّق إسماعيل الصَّفَويّ من ترسيخ المذهب الإثنا عشريّ ويمكِّنه في عقول الإيرانيين استقدم علماء متمكِّنين في الوعي بالمذهب وفي استحضار حُجَجه ومصادر أحكامه من شِيعة جبل عامل في لبنان، بالإضافة إلى شيعة علماء من سوريا والعراق والبحرين، فكان أن رحل إلى تبريز عاصمة الدولة الصَّفَويَّة آنذاك مئات من الفقهاء الشِّيعة من جنوب لبنان وتولوا التدريس في الحوزات والتمكين للحاكم الصَّفَويّ في بسط سلطته على مساحات شاسعة، ومقاومة القوى السياسيَّة الأخرى السُّنِّية.
وارتباطًا بما سبق، لم تكُن إيران شِيعيَّة على مدى تاريخها الإسلامي الطويل قبل الصَّفَويّين، بل كانت سُنِّيَّة في معظم ولاياتها، ولكن الصَّفَويّين حوَّلوها، لأغراض سياسيَّة، إلى حالة من التطرُّف الطائفي ترفض كل الأعراق الأخرى غير الفارسيَّة، ومنهم العرب بطبيعة الحال، إذ تقول د.هاينس هالم أستاذة العلوم الإسلامية بجامعة توبنغن بألمانيا في كتابها “الشِّيعة” الذي نشرته دار “الوراق” ببغداد عام2011: “لم يكن موجودًا علماء شيعة لينشروا المذهب الشيعيّ، لذلك كان الملوك الصَّفَويّون، بخاصة الشاه إسماعيل وطهماسب، مضطرّين إلى طلب المعونة من البلدان العربيَّة، من جنوب لبنان وجنوب العراق، فجاء من هناك عدد كبير من العلماء الشِّيعة الذين بدؤوا بتكليف من الحكام الصَّفَويّين بنشر وترسيخ العقيدة الشِيعيَّة في إيران”.
وقد بدأ تفكير رجالات الدين الإيرانيين بقيادة الإمام الخُمينيّ في لبنان وجنوبها قبيل اندلاع الثَّورة الإيرانية في أثناء التجهيز للثَّورة ضدّ حكم الشاه الذي دام لنحو 40 عامًا (1941-1979) بتحديدهم موقعين استراتيجيين من حيث المبدأ بعد نجاحها، هما العراق ولبنان، فالخُمينيّ كان في النجف خلال سنوات نفي الشاه له خارج إيران، بالتوازي مع فرار إيرانيين مقرَّبين منه إلى لبنان خوفًا من أن يلقوا حتفهم على أيدي قوات الشاه، فبالنسبة إلى العراق كان من الصعب اختراقه قوَّة نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بينما انتفى ذلك في لبنان حيث لم يكُن آنذاك نظامًا قويًّا يحول دون تحقيق الأهداف الإيرانية، بالإضافة إلى طبيعة العَلاقة بين رجال الدين الإيرانيين ونظرائهم اللبنانيين ومن بينهم الإمام موسى الصدر الذي أسّس حركة “أمل” الشِيعيَّة 1975 لتكون الذراع العسكريَّة لـ”حركة المحرومين” التي أنشأها الصدر 1974.
وما إن انتصرت الثَّورة الإيرانية 1979 حتى قد لعبت إيران دورًا أساسيًّا في ولادة ونشأة ونمو “حزب الله” اللبناني عام 1982 كـ”كيان جديد” على يد المرشد الروحي للحزب محمد حسين فضل الله، الملقب بـ”خُمينيّ لبنان”، وبعض رجال الدين من “أمل” والدارسين بالحوزات في النجف، وذلك لضمان تصدير الثَّورة، بخاصة بعد فتور العَلاقة بين الخُمينيّ والصدر عقب تحرُّكات للأخير أثارت شكوك الأول، منها لقاؤه الشاه في نهاية السبعينيات لطلب العفو عن رجال دين حُكِمَ عليهم بالإعدام حينها، وإقامته عَلاقة مع حركة “تحرير إيران” الليبرالية المتعارضة فكريًّا مع رجالات الثَّورة آنذاك.
وإذا ما أمعنَّا النظر في البيان التأسيسي المعنون بـ”مَن نحن ومَا هي هُوِيَّتنا” التي وجَّهها الحزب إلى المستضعفين في لبنان والعالَم في 16/2/1985 وتصريحات قادته وصور قادة إيران وأعلامها التي ترفرف على مرافق وفاعليات الحزب، فلا نغالي إذا قلنا إن حزب الله هو حزب إيراني في لبنان حيث بدء الميثاق بـ”… إننا أبناء أُمَّة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسَّسَت من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالَم… نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضرًا بالإمام المسدَّد آية الله العظمى روح الله الخُمينيّ دام ظِلُّه مفجِّر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.
وقد بايعت قيادات الحزب كافَّةً، منذ نشأته حتى الأمين الحالي حسن نصر الله، الوليَّ الفقيه، كوكلاء شرعيين لإيران في لبنان، يتضح ذلك من قول فضل الله إن “عَلاقة قديمة مع قادة إيران بدأت قبل قيام الجمهورية، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في نفس سياسته”، وأيضًا قول الناطق باسم الحزب إبراهيم الأمين عام 1987: “نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران”، بينما قال نصر الله الذي نُشرت له عدة صور يقبِّل فيها يد خامنئي: “إننا نرى في إيران الدولة التي تناصر المسلمين والعرب، وعلاقتنا بالنِّظام عَلاقة تعاون ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما أن المرجعيَّة الدينيَّة هناك تشكِّل الغطاء الديني والشرعيّ لكفاحنا ونضالنا”.
ولم تكتفِ إيران بمساندة تأسيسه، بل قدّمَت الدعم السياسيّ والإعلاميّ والمؤسَّسيّ والعسكريّ كي يصبح الرقم الذي لم يمكن تجاوزه في المعادلة اللبنانية:
فسياسيًّا، أعلنت إيران دعمها للحزب لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلَّة عام 1982، حتى جلاء الاحتلال عام 2000، ومساندته أيضًا في أثناء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وآخرها اعتداء 2006، ولكن في حقيقة الأمر تهدف إيران من مساعدتها السياسيَّة للحزب إلى تقوية نفوذه، ويتضح ذلك من تصريحات الوليّ الفقيه علي خامنئي، الذي لم يتوانَ عن إعلانه الدعم السياسيّ للحزب بقوله: “دعم حزب الله ومساندته سياسيًّا واجب مذهبيّ وثوريّ”، كما دفعت إيران، وَفْقًا لتصريحات نصر الله نهاية عام 2006، التعويضات للمتضررين اللبنانيين من العدوان الإسرائيلي.
وإعلاميًّا، لم تكتفِ إيران بدعم إعلامِها حزبَ الله إعلاميًّا، بل ضغطت على الحكومة اللبنانية لإنشاء قناة إعلامية، فهاتف الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني في مطلع التسعينيات نظيره السوري آنذاك حافظ الأسد طالبًا منه التدخُّل لدى الحكومة اللبنانية لإنشاء نافذة إعلاميَّة لحزب الله، مما أسفر عن منح حزب الله الترخيص لإنشاء قناة “المنار” وعديد من الأبواق الإعلاميَّة، كراديو “النور” وجريدة “الانتقاد”.
ومؤسَّسيًّا، ساندت الحزب في تمويل وإنشاء عديد من المؤسَّسات كمؤسَّسة “الجرحى” و”جهاد البناء” و”الشهيد”، ثم مؤسَّسة “القرض الحسن” ومنظمة “النية الحسنة” الخيرية، وهي نفس المؤسَّسات القائمة في إيران بنفس الأسماء، كما موَّلَت إنشاء عديد من المدارس التي تسير على النِّظام التربوي الإيراني كمدارس “الإمام الخُمينيّ” ومدارس “الإمام المهدي” ومدارس “شاهد”، وإنشاء البنوك الخاصة والمستشفيات ودور النشر، كما أن هناك معاهد تمريضية ومهنية كلها بدعم إيراني.
وعسكريًّا، لطالما أرسلت إيران عبر البوابة السورية صفقات التسلُّح للحزب التي قُدِّرت بملايين الدولارات كي يكون شوكة قوية على الأرض اللبنانية وورقة ضغط على النِّظام السياسيّ اللبناني للاستجابة للمطالب الإيرانية، كما درّبت إيران وأعدّت عناصر من الحزب عسكريًّا في الداخل اللبنانيّ وفي إيران ذاتها.
في المقابل استفادت إيران من نشأة حزب الله، فهي من جهة تَمكَّنَت من تحسين شعبيتها أمام بعض أبناء المجتمع السُّنِّيّ تحت مزاعم دفاعه عن أراضي عربيَّة ضدّ إسرائيل، إذ أظهر الحزب إيران بمظهر الدولة التي تواجه تل أبيب وواشنطن، ومن جهة ثانية خدم الدعم الإيراني للحزب المشروع الشيعي في المنطقة، ومن جهة ثالثة يمثل حزب الله ورقة رابحة بيد إيران تستطيع أن تستخدمها وقتما تشاء في الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق مآربها، إذ أراد حزب الله مثلًا من وراء خطف الجنديين الإسرائيليين 2006 اللذين تسببا في العدوان الإسرائيلي على لبنان خلال العام نفسه تخفيف الضغط على إيران بخصوص برنامجها النووي، فقد التفت العالَم بأسره يتابع ما يحدث للبنان وشعبه، ثم محاولة إيصال رسالة إلى واشنطن مفادها أننا (أي إيران) نستطيع نقل الحرب من منطقة إيران والخليج إلى منطقة إسرائيل ولبنان.
وعلى الرغم من نَصّ ميثاق الحزب على جملة من الأهداف المعلنة، منها مقاومة إسرائيل وتحرير الأراضي اللبنانية والفلسطينية المحتلة، فإن أهدافه الحقيقية تتمثل في تهيئة موطئ قدم لإيران للتدخُّل متى شاءت وكيفما شاءت لتحقيق طموحاتها ومخطَّطاتها بلبنان وغيره من البلدان المستهدفة، ومما يشير إلى أن مقاومة حزب الله لإسرائيل هي مقاومة سياسيَّة في المقام الأول تلك التفاهماتُ التي تَوصَّل إليها الحزب مع إسرائيل خلال عامَي 2000 و2006، إذ نص اتفاق 2000 على سبيل المثال في إحدى فقراته على انتشار الحزب في المنطقة الحمراء كلها (الحزام الأمني) حتى الشريط الحدودي بين لبنان وإسرائيل مكان جيش لبنان الجنوبي للحيلولة دون وقوع تلك المنطقة بأيدي منظمات فلسطينية معادية لإسرائيل ومنعها من إطلاق الصواريخ على شماليّ إسرائيل ووقف التسلُّل واعتقال العناصر التي تهدِّد أمن حدود إسرائيل الشمالية مقابل تعهُّد الجيش الإسرائيلي بعدم استهداف أعضاء أو مؤسَّسات تابعة للحزب.
فعلى الرغم من نزواته الهجومية ضدّ إسرائيل في ظروف تكون فيها طهران في حاجة إلى ورقة خارجية تخفّف الضغط عنها فإنه يظلّ هو الأفضل لأمن إسرائيل، فالاستئصال الأمني الكامل لحزب الله لن يصبّ في المصلحة الأمنية لإسرائيل، فزوال الحزام الأمني العازل الذي يشكِّله الحزب بين إسرائيل وباقي لبنان يعني عودة التَّماسّ الجغرافي مع مناطق المقاومة، وهو الأمر الذي احتلّت من أجله إسرائيل جنوب لبنان عام 1982 وأوجدت جيش لبنان الجنوبي ذا الأغلبية المسيحية الذي لم يثبت فاعلية في حماية مناطقها الشمالية من عمليات المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي كانت تنشط قبل وصول حزب الله وتوقفت تمامًا بمجيئه.
وفي إطار مساعيه ضمن الأذرع الإيرانية لتحقيق مكاسب سياسيَّة تصبّ في صالح المشروع الإيراني بعدما أصبح ورقةً في المعادلة اللبنانية، وخَلْقه حالةً من التوازن مع الجانب الإسرائيلي بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 بتوقيعه صفقة تبادل الأسرى مع تل أبيب خلال عام 2008 وارتفاع شعبيته عربيًّا؛ أعلن حزب الله بعد اندلاع ثورات الربيع العربيّ 2011 مشاركته في الأعمال القتالية بجانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد، الحليف الأقرب لإيران في المنطقة، ضدّ الجيش السوريّ الحُرّ، على نحو أسفر عن مقتل ملايين، بالإضافة إلى ملايين الجرحى والمصابين والمشردين واللاجئين والمختفين، إذ تسعى إيران بكل قوّتها للحيلولة دون إسقاط الأسد. إذًا تخدم سوريا استراتيجية إيران الواسعة بالمنطقة، فهي تمثل الرابط الحيوي ما بين طهران والحزب إذ تؤمِّن الدفاع عن ممرَّات عبور السلاح للحزب من ناحية، والتصدّي للمحور الإقليمي العربيّ الذي يهدف إلى احتواء القوة الجيو-سياسيَّة المتزايدة لإيران من ناحية أخرى، وليس أدلَّ على ذلك من التصريح الصادم للمفكِّر الإيراني مهدي طيب عام 2014 حول أهمية سوريا في السياسة الإيرانية بقوله “إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سوريا وإما محافظة خوزستان (الأحواز)، فإن الأولوية هنا المحافظة على سوريا، فإذا حافظنا على سوريا معنا، فإن بإمكاننا استعادة خوزستان أيضًا، ولكن إن فقدنا سوريا، لا يمكننا أن نحافظ على طهران”.

» حال لبنان إثر التدخُّل الإيراني
بدا واضحًا أن العلاقات التي تجمع إيران وحزب الله وفق قواميس العلوم السياسيَّة هي “علاقات خاصة وفق منهج مذهبي”، وهي أعلى مستوى في العلاقات بين وحدتين دوليتين أو وحدة دولية وفاعل من غير الدول، وتحدث حين تصل الوحدتان إلى أعلى درجة في التنسيق تجاه القضايا كافَّةً داخليًّا وخارجيًّا، وتتيح لكلا الطرفين التحدث باسم الطرف الآخر في ما يتعلق بالمواقف من تلك القضايا وتوجيه سياسات موحَّدة وعقد تحالفات مؤثِّرة، فإيران تتحدث باسم حزب الله في الشؤون الإقليمية والدولية وتدعمه، وفي المقابل يأتمر الحزب بأوامر إيرانية على نحو أسفر عن “لبنان متشرذم سياسيًّا متصارع طائفيًّا مخترَق إيرانيًّا، وإن حُلّت أزمة الرئاسة بانتخاب ميشال عون”، وفي ما يلي مؤشِّرات على الأزمات اللبنانية:
1- التشرذم السياسيّ: رغم حلّ أزمة الرئاسة وانتخاب ميشال عون رئيسًا ثالثَ عشَرَ للبنان في 31/10/2016 فإن لبنان ظلّ يعاني خلال الفترات السابقة من حالة تشرذم سياسيّ (اصطفاف وانقسام) نتيجة سيطرة حزب الله على مفاصل الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا وربما عسكريًّا بدعم إيراني، حتى غدا حزب الله مهيمنًا على الثقافة الدينية والمسؤول السياسيّ الأول في الطائفة الشِيعيَّة، إضافةً إلى موقعه العسكريّ في المقاومة وحصوله على الثلث المعطِّل، وهذا ما جعل النفوذ الإيراني يَقوَى ويتَّسع في لبنان، خصوصًا في المناطق ذات الأغلبية الشِيعيَّة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية في بيروت، والاستفادة من ضعف الدولة اللبنانية ومن عدم بسط سلطتها على أراضيها، وبفعل ذلك الغياب للدولة تَحوَّل الجنوب إلى ساحة حرب يدفع ثمنَها الوطن اللبناني كله كما جرى في حرب لبنان 2006، ولا شيء يمنع من تجدد ذلك مرة أخرى في ظل تحالف الرئيس الجديد ميشال عون مع حزب الله وعدم امتلاكه القرار النهائي في الأمور السياسيَّة وقرارات الدولة خارجيًّا.
هذا بالإضافة إلى مشكلات عديدة أخرى لم تُحَلّ بعد، مثل توجُّهات الجماعات السياسيَّة في وضع قانون جديد للانتخابات، ومشكلة اللاجئين السوريين، واستقلالية الجيش، ونزع سلاح الجماعات المسلَّحة.
وقد أصبحت أسلحة ميليشيات حزب الله أداة ابتزاز يستعملها في وجه الدولة التي يفترض أن لها جيشًا وطنيًّا هو الوحيد الذي يكفل له القانون الاحتفاظ بالأسلحة الثقيلة، ولا أحد يشكّ في أن ولاء حزب الله لإيران مقدَّم على ولائه للدولة اللبنانية، ولا نغالي إذا قلنا إن الضاحية الجنوبية من لبنان هي ولاية إيرانية، وإن حزب الله حزب إيراني بامتياز قبل أن يكون لبنانيًّا، وقد أسفر كل ذلك خلال الفترات السابقة -ومن المتوقع استمراره في ظلّ تحالف عون ونصر الله- عن أزمة تشريعية، إذ ظلّ التشريع معطَّلًا في لبنان بفعل الدور الذي يمارسه حزب الله وامتناع ممثِّلي تحالف وقوى 8 آذار (حزب الله، وحركة “أمل”، وتيار “المردة”، والتيَّار الوطني الحر، وتيار التوحيد، والحزب الديمقراطي) وعدد مقاعدهم 68 عضوًا من إجمالي 128 مقعدًا، عن المشاركة في الجلسات التي يدعو إليها مجلس النواب الذي جرى التمديد له نتيجة الأوضاع الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان مرتين بعد انتهاء ولايته لمدة عام في 2013 الأولى تنتهي في 2014، والثانية لمدة سنتين وسبعة أشهر تنتهي في عام 2017.
وارتباطًا بما سبق، ظلّ منصب الرئيس شاغرًا لعامين ونصف منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في مايو 2014 نتيجة الانقسام في صفوف الطائفة المارونية التي يحقّ لها اختيار مَن يشغل منصب الرئيس، وكذلك الانقسام بين تحالُفَي 8 آذار و14 آذار (تيار المستقبل، والقوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وحزب الوطنيين الأحرار، وحركة التيَّار الديمقراطي، والكتلة الوطنية)، ففي حين يدعم تحالف 8 آذار رئيس التيَّار الوطني الحر ميشال عون، كان تحالف 14 آذار يدعم نائب تيَّار المردة سمير فرنجية، رغم أن الاثنين من الموارنة، إذ جرى العرف في الحياة السياسيَّة اللبنانية على أن يكون الرئيس اللبناني مسيحيًّا مارونيًّا ورئيس الوزراء مسلمًا سُنِّيًّا ورئيس البرلمان شيعيًّا.
ولكن بعد عامين ونصف رجحت كفة تحالف 8 آذار وحصل حزب الله على نقطة قوة جديدة في الداخل اللبناني بتنازل تيَّار المستقبل برئاسة سعد الحريري وحلفائه من الدول الخليجية بشكل مفاجئ لصالح ميشال عون رئيسًا للبنان رغم تأييد عون الدور الإيراني في المنطقة، علاوة على كونه أحد مكوِّنات تحالف 8 آذار الذي يعتبر حزب الله العمود الفقري للتحالف، ومن ثم يُعَدّ انتخابه علامة واضحة على تَمدُّد نفوذ طهران في لبنان والمنطقة، وسينعكس إيجابًا على أوضاعها وحلفائها الإقليميين، بخاصة بعد رفع العقوبات الدولية في أعقاب صفقتها النووية، وعلى رأسهم حزب الله، الذي تدعمه مباشرةً طهران منذ تأسيسه قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتمتد المكاسب الإيرانية أيضًا إلى بغداد ودمشق، حيث أصبحت الميليشيات الشِيعيَّة المدعومة من إيران أكثر قوة وتأثيرًا من الجيش العراقي الوطني، إذ تسلَّمت زمام المبادرة في المعارك ضدّ تنظيم “داعش” الإرهابي، في حين تدخلت إيران بقوة لإنقاذ نظام بشَّار الأسد في سوريا وفي اليمن تدعم الحوثيين ضدّ الأمن الخليجي.
2- انتشار تنظيم داعش: كحال غيره من البلدان العربيَّة التي أصيبت بالأذى الإيراني، أضحى لبنان ملاذًا آمنًا لتنظيم “داعش”، فبات التنظيم يسيطر على مناطق قرب الحدود السورية اللبنانية، وقد شهدت هذه المنطقة، تحديدًا عرسال وبريتال، معارك دامية بين التنظيم والجيش اللبناني وحزب الله، ولا يزال التنظيم يختطف جنودًا لبنانيين وينفِّذ العمليات الإرهابية بلبنان، وآخرها العملية التي شهدتها قرية القاع في يونيو 2016، واعتبرت شريحة كبيرة من اللبنانيين أن حزب الله كان له الدور الأكبر في استدعاء الخطر الداعشي بامتلاكه السلاح وقتاله في سوريا على نحو أدَّى إلى مزيد من التفجيرات والاغتيالات بلبنان، مِمَّا أسهم بشكل كبير في توريط الحكومة اللبنانية في معارك مع جهات متطرفة، ودفع فواتير إضافية لتصبح العبارة السائدة في لبنان “لولا خروج نصر الله إلى سوريا لَمَا رأينا داعش في لبنان”.
3- سيادة البعد الطائفي: ليست المشكلة في أن لبنان مركَّب من عدة طوائف سُنِّيَّة وشِيعيَّة ودرزيَّة ومسيحيَّة، ولكن تقع المصيبة الطامَّة عند “تسييس” مكوِّناته وجسده السياسيّ، وتجيد إيران هذه العملية بجدارة، ليس فقط في لبنان، بل تتمرس في العراق وسوريا واليمن، وراحت تدعم وتنشر التشيع وتقيم المؤسَّسات ذات البعد الطائفي، هذا الأمر ينتج عنه ما يُسَمَّى “الاقتتال الطائفي”، والدخول في أتون حروب أهلية على غرار الحروب اللبنانية الأهلية عام 1999، والتشرذم المجتمعي، وإنهاك قوى الدولة لصالح فصيل طائفي يسعى لإحكام سيطرته على المعادلة السياسيَّة والاقتصادية بالبلاد لتنفيذ أجندة مَن يدعمه، وهو ما يفعله حزب الله في لبنان.
4- فوضى أمنية عارمة: قضية انتشار السلاح من أخطر القضايا التي تهدِّد أمن الدول وتعصف بها وتخلق حالة من الاضطرابات والفوضى الأمنية، وفي لبنان يوجد جيش وحكومة، وعلى الرغم من ذلك يرفض حزب الله تسليم أسلحته للدولة المعنية بإدارة شؤون البلاد والدفاع عن حدودها، والأخطر من ذلك استخدام السلاح في الداخل حيث حوَّل حزب الله بوصلة استخدامه ووجهته إلى الداخل بعد أن كان دوره يقتصر على محاربة إسرائيل، وقد ظهر هذا الأمر جليًّا خلال أحداث 7 أيار 2008 في العاصمة اللبنانية بيروت وبعض مناطق جبل لبنان بين تحالفَي 8 آذار و14 آذار، اعتبرت ميدانيًا الأكثر خطورة وعنفًا منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990.
في النهاية، ورغم الانتهاء من أزمة الرئاسة اللبنانية، تشير المعطيات السابقة كافَّةً إلى أن إيران لا يمكن أن تغير من سياستها تجاه لبنان والدول العربيَّة ومساعيها لتغيير الأوضاع الجيوسياسيَّة والاستراتيجية في عموم المنطقة العربيَّة لصالح القوة الإيرانية سواء من الناحية الآيديولوجية أو من ناحية النفوذ الأمني والتعبوي لجميع الدول الموجودة ضمن هذا المجال الحيوي، فأصبح حزب الله الإيراني الرقم الأكبر في المعادلة اللبنانية لدرجة امتناع وزير خارجية لبنان جبران باسيل في مطلع يناير 2016 بإيعاز من حزب الله عن التصويت على قرار الإجماع العربيّ ضدّ التدخُّل الإيراني في الشؤون العربيَّة، ومن المتوقَّع استمرار الأزمات في لبنان رغم وصول رئيس لبناني جديد حليف لإيران وحزب الله، ومن ثَمَّ حليف للأسد بسوريا ويدعم الحوثيين باليمن ويناصر الحشد الشعبي بالعراق ضدّ المكون السّنِّيّ، إلا إذا تَخلَّى عن ميوله السابقة وأصبح رئيسًا للبنانيين كافَّةً بمختلِف شرائحهم وانتماءاتهم، وعمل على إيجاد لبنان مستقلّ..

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير