الرُّوس وصلوا إلى المياه الدافئة

قاعدة نوجه الجوّية اليوم تحت تصرف الرُّوس، تنطلق المقاتلات الرُّوسية نحو سوريا من هذه القاعدة، التي كان اسمها ذات يومٍ قاعدة “شاهرخي”، وكان المستشارون الأمريكيون في ما مضى يمشون فيها المشية العسكرية.
لقد وجّه حسين دهقان وزير الدفاع، صفعةً إلى البرلمان بعد إعلانه عن تأجير قاعدة نوجه للرُّوس، قائلًا إنّ مثل هذه الأمور ليست من شأن البرلمان، مع أن الأخير لم يكُن قد اعترض على شيء، وبهذا يكون للرُّوس الحقّ في أن يتردَّدوا على المكان ما شاؤوا.
كانت حُجَّة الجنرال المبرِّرة بهذا الخصوص أن هذا القرار هو قرار النظام، والنظام هو رُوح “الجمهورية الإسلامية”، وهو أعلى من البرلمان والدستور، أي إنه عندما يتخذ النظام قرارًا، فليس لرئيس الجمهورية، ولا للدستور، ولا للشعب، الحق في التدخل، في حين أنّ المادة 86 والمادة 77 من دستور “الجمهورية الإسلامية” المتصدّع البالي تنصّ على أن جميع المعاهدات والاتفاقيات يجب أن تمرّ عبر البرلمان، وللنواب الحقّ في التدخل في جميع شؤون الدولة وطرح الاستفسارات والاستجوابات، فضلًا عن أن المادة 146 من الدستور تنصّ على أن وجود أي نوع من القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي الإيرانية ممنوع ولو كان الغرض منها الاستخدامات السلمية. وهذا الغطاء القانوني القائل بأن الطائرات الرُّوسية فقط تتوقف للتزود بالوقود، ما هو إلا مصداق لهذه المادة. وهل كانت هذه القاعدة مِلكًا للرُّوس؟! وما الذي كانوا سيفعلونه فيها؟ الأكل والشرب والرقص؟! لحُسْن الحظّ فإن جنرالنا “القوزاقي” طمأَنَنَا بأن الرُّوس سوف يستخدمون قاعدة نوجه فقط لأغراض عسكرية!
منذ أربع سنوات تخوض إيران الحرب في سوريا، ولا أحد يعلم أي حكومة أو أي رئيس برلمان هو من أصدر الأوامر بخوض حرب خارج الحدود، أو بناءً على أي مصلحة وطنية صدر هذا القرار. الحرس الثوري يقاتل في سوريا ولا أحد ينطق ولو بكلمة، والآن تُضاف “الرعاية” المقدَّمة للرُّوس اليوم إلى القرارات السابقة للنظام. لقد ملأ الرُّوس الفراغ الذي أحدثه خروج الأمريكان بعد سقوط الشاه، ووصلوا إلى ما فشلوا في تحقيقه من خلال معاهدة “تركمنجاي” ومعاهدة “كلستان” مع إيران في بدايات القرن التاسع عشر، ووصلت أقدامهم إلى المياه الدافئة. لقد أشعر حسين دهقان “جنرالنا القوزاقي” الرُّوسَ بالطمأنينة وأنّ لهم حرية التصرُّف في استخدام جميع إيران كقاعدة عسكرية.

» الهروب من الخيمة الحمراء
لم تنضمّ إيران إطلاقًا، حتى اللحظة، إلى المعسكر السوفييتي والرُّوسي، ولم تتهدم الخيمة الحمراء فوق رأس الإيرانيين حتى اليوم، وبالطبع لم تتسبب الشجاعة وثقافة الاستشهاد في هذا الإنجاز التاريخي، بخاصة أن إيران جارة للقوة العظمى في الشرق، بل كان السبب هو التمرُّس السياسيّ والعمل بالنصيحة القديمة التي تقول: “يجب ضرب رأس العدوّ بصخرة العدوّ”.
لقد تَمكَّن سلاطين القاجار من حفظ جزء يسير من استقلال إيران المريضة في القرن التاسع عشر، وذلك من خلال حفظ التوازن الإيجابي، ومنح الامتيازات للرُّوس والإنجليز، وجنَّبُوا البلاد مصيرًا مشابهًا لمصير الهند والقوقاز.
سياسة حفظ التوازن الإيجابية التي انتهجها القاجار، على الرغم من الخسائر التي نتجت عنها، كانت في جزء منها تصبّ في المصلحة الوطنية، وذلك عندما كانت القوى العظمى في الشمال (الرُّوس) وفي الجنوب (الإنجليز)، في حرب المصالح، تقبل أن تتخلى عن بعض الامتيازات لكي لا ينجح المنافس في الوصول إلى مبتغاه. في مثل هذه الظروف استطاعت السياسة الخارجية لإيران الاستمرار على هذا النحو الضعيف وسط منطقة الشرق الأوسط المليئة بالمصائب، حتى جاءت لحظة التوازن السلبيّ والصداقة والمداراة في زمن البهلويين.

» كياسة وغفلة محمد رضا شاه
كان محمد رضا البهلوي قلقًا على الدوام من الجار الشمالي، وكان يخشى أن يهجم الرُّوس فجأة على إيران ويبتلعوها بالكامل، وتصبح إيران إيرانستان، وكان معه الحقّ في ذلك، فلم يكُن الرُّوس جيرانًا طيِّبين قَطّ.
كان الرفيق ماو تسي تونغ أيضًا، الذي كانت بلاده تُعتبر حليفًا استراتيجيًّا للاتحاد السوفييتي، يعتبر الاتحاد السوفييتي العدوّ الأساسيّ إلى نهاية عمره، ومن هنا بدأ المفاوضات مع أمريكا، واستطاع أن ينجو بالصين من الشيطان الأحمر بهدوء.
لقد كانت إيران تُحسَب على المعسكر الغربي، باستثناء مرحلة محمد مصدَّق القصيرة (أمَّم مصدَّق صناعة النفط في شماليّ إيران وجنوبيِّها)، وسياسة التوازن السلبي في العهد البهلوي، إذ استمرَّت سياسة الصداقة والمداراة مع الاتحاد السوفييتي.
لقد كان محمد رضا شاه يمتلك الكياسة في أن يلجأ إلى الرُّوس حين يحسّ بالفتور من الجانب الأمريكي، وكان يجبر الأمريكيين على قَبول مطالبه، ومن ناحية أخرى كان يُطمِع الرُّوس في أن إيران لديها الرغبة في التقارُب مع الكرملين.
ومع أن البهلويين كانوا يقاومون اليساريين ويقمعونهم في إيران، ومع أن قاعدة التجسُّس الأمريكية في “ارس” (شمال غربي إيران) كانت تراقب تحركات الرُّوس، ومع أن إيران كانت عضوًا في حلف السنتو، وتنتمي إلى حلف مُعادٍ للاتحاد السوفييتي وحلفائه، فإنه لم يحدث أي توتر إطلاقًا بين إيران والاتحاد السوفييتي، حتى إن الدولتين كان بينهما تعاوُن اقتصاديّ مشترَك كانت له ثمار جيِّدة.
لقد استعان رضا شاه بالرُّوس في بناء السكك الحديدية وتأسيس مصنع “الجرَّارت” في مدينة تبريز، كما أن محمد رضا شاه دشّن مصنع صَهْر الصلب في أصفهان بإشراف من الرُّوس. لقد أدَّت سياسة الصداقة والمداراة مع الرُّوس إلى بقاء إيران بعيدة عن الخيمة الحمراء، لكن يبدو أن العمامة السوداء كانت بالمرصاد.
لن يكون جزافًا إن قلنا إن خوف محمد رضا شاه والسافاك من الاتحاد السوفيتي، وانتشار الشيوعيين والفدائيين والماركسيين في المجتمع، أدَّى إلى أن يغفل جهاز القمع البهلوي عن رجال الدين بشكل كامل، حتى إن السافاك في أحد تحليلاته اعتبر خطابات علي شريعتي، الذي لُقّب بعد أقل من عقد من ذلك الوقت بـ”مُعلِّم الثورة”، هي اللقاح المقاوم للماركسية لدى الشباب.
إن غفلة الشاه عن رجال الدين والمتدينين، والسماح بالحريات النسبية للمنظمات الدينية والمنابر والمساجد، أدَّت في نهاية المطاف إلى “الثورة الإسلامية”. لقد قدّم الشاه خدمة كبيرة للنظام “الإسلامي” وأبعد خطر الخيمة الحمراء عن “الجمهورية الإسلامية” بإضعافه اليساريين والقمع التامّ للمتعاطفين مع الاتحاد السوفييتي، لكن العجيب هو أن يبتسم النظام المذهبي الشيعي للمُلحِدين الحُمْر، ويتجهَّم في وجه أمريكا المسيحية. لقد كان الثوريون محظوظين أن بلادهم لم تكُن تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، وإلا لكانت عاقبة شتاء 1979 (الثورة الإيرانية)، في ظلّ سياسات برجنيف (الرئيس الأسبق للاتحاد السوفييتي) القمعية في دعمه للاشتراكية، كعاقبة “ربيع براغ”.

» نهاية التوازن
لقد كان الخميني والثوريون الذين أسقطوا نظام الشاه يجهلون تمامًا سياسة التوازن بين القوى الكبرى التي انتهجتها إيران لأكثر من قرن، فقد أوصلت الثورة إلى السلطة رؤوسًا هوجاء مغرورة، وأيادِيَ مدمِّرة، ومع أن شعار “الموت لأمريكا” لم يُسمَع في ثورة 1979، فقد جلب تسلُّق تلاميذ “نهج الإمام” جدرانَ السفارة الأمريكية شعارات “الموت لأمريكات”، ووقَّع الخميني، مدفوعًا بمعنويات الاستعداء والجهل بالنظام العالمي، “بيان الموت”، ولقّب أمريكا بـ”الشيطان الأكبر”، وكان الاتحاد السوفييتي في هذه الأثناء يشاهد الموقف منتظرًا أن يضمّ تحت عباءته حليف أمريكا القديم.
إن الحرب العراقية الإيرانية، بغضّ النظر عن مزاعم النظام الإيراني القائمة على أن صَدَّام حُسَين هو عميل أمريكا المجرم، كانت تُعتبر حربًا بين إيران وأحد حلفاء الاتحاد السوفييتي، فقد كانت أسلحة الجيش العراقي بالكامل روسية الصُّنْع، كما أن الاتحاد السوفييتي سارع إلى مساعدة العراق بعد السَّنَة الثانية من الحرب، على أثر تحرير المحمّرة “خرّمشهر” ورفض إيران الصلح.
أخذ الرُّوس يدرِّبون البعثيين في العراق، وزوَّدَت روسيا العراق بـ300 طائرة من طراز “ميغ” و”سوخوي” و500 دبابة “تي-72” و350 صاروخ “سكود”، ممَّا جعل جميع المدن الإيرانية في متناول الصواريخ العراقية، وفي النهاية تَغَيَّرَت نتيجة الحرب لصالح العراقيين، وشرب الخميني كأس السُّمّ.
الجار الشمالي كان حليف صَدَّام حُسَين الأول، لكن طَوَال سنوات الحرب الثماني بقيت السفارة والعلاقات الرُّوسية الإيرانية قائمة، على الرغم من أنها لم تجلب أي منفعة لإيران، حتى إن الخميني كتب رسالة إلى غورباتشوف ينذره فيها بقرب زوال الاتحاد السوفييتي، وهو ما كان يقلق “آية الله” بالفعل.
إن قطع العلاقة مع أمريكا، منافِس الاتحاد السوفييتي، ولاحقًا مع روسيا، أدَّى إلى سحب بساط لعبة التوازن من تحت أقدام إيران، والرُّوس الذين أنجزوا، في السابق، مشروع مصنع صهر الحديد في أصفهان وصناعة الجرَّارات في تبريز، بسرعة فائقة، لم يكملوا حتى اليوم محطة “بوشهر” النووية.
في ظلّ مناورات إيران المحدودة على صعيد العلاقات الدولية، وفي ظلّ التوجُّهات الطائفية للنظام في الشرق الأوسط، واستقطاب إيران لشيعة الخليج، يبدو أن روسيا، وبوتين شخصيًّا، هما الملجأ الوحيد لإيران. الصداقة مع روسيا -بعيدًا عن العلاقات مع أمريكا- سُمٌّ يسري في روح الدبلوماسية الإيرانية في ظلّ موجة العداء “الهزيلة” لأمريكا التي يرعاها خامنئي.
يبدو في نهاية المطاف أن العلاقة أحادية الجانب مع روسيا لا تصبّ في مصلحة إيران. إن الرُّوس على استعداد للتفاوض مع الأمريكان أو التفاهُم مع إسرائيل، من منطلق مصالحهم القومية، التي لا تشمل بطبيعة الحال نشر التشيُّع وتمهيد الجوّ لظهور المهدي المنتظر. إن إيران مصابة منذ سنوات بشلل في المفاوضات، وهي عاجزة عن التفاوض اليوم، فما بالنا الحصول على امتيازات! وفي مثل حالة انعدام الحوار هذه يمكنها فقط تقديم الامتيازات لروسيا، كي تبقى في الخندق الإيراني مُدَّة أطول.
إن القاعدة الجوية هي بداية الطريق، من الآن فصاعدًا سيلعب الحرس الثوري بمُعِدَّاته العسكرية والتدريب الرُّوسي-المافياوي، دور “لواء القوزاق”، وربما سيكتسب وليّ الفقيه القادم لإيران مشروعيته بعد تأييد الرُّوس، كما حدث مع محمد شاه قاجار. هذا هو المستقبل الذي ينتظر إيران في حال لم يعترض المجتمع المدني والإصلاحيون الحقيقيون.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير