الشباب الإيراني بين أيديولوجية الثورة وثقافة الـ”ماكدونالدز”

بواسطةعمرو أحمد

تبدو طهران مدينة للتوازنات الهشة، ظاهرها يختلف عن باطنها، تحمل تحت أسقف بيوتها واقعاً يختلف عما يصدره ملاليها، الشباب داخل البيوت يعيشون حياة تختلف كلياً عن الإطار الذي يضعه النظام، لكن الصراع هنا يكمن في رغبة جيل جديد في التخلص من القيادة، فيما تحاول تلك القيادة بزعامة مرشدها أن تطلق بين الحين والآخر نماذج إصلاحية للسلطة، في محاولة لإرضاء الشباب، وهو ما يعزّز طموحاتهم بأن يندمجوا مع العالم الغربي المعبّر عن أيقونتهم في الحرية.
الاندماج مع العالم مرفوض من قبل النظام، لأنه خطر يهدّد طبيعته المعزوله بحكم بنيته، فالنظام يخشى أن ينتقل الواقع الموازي له إلى الخارج، لهذا يحاول أن يصطدم بين الحين والآخر مع هذا الجيل الرافض له، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة.

لكن هناك ردود أفعال في العالم الموازي للشباب تبرز موقفهم من النظام الحاكم، ورغبتهم في الانفتاح على العالم، وفرض أيديولوجيتهم البعيدة كل البعد عن الولي الفقيه، وهو ما سنحاول تفسيره خلال السطور القادمة.
فرحة الإيرانيين بافتتاح سلسلة مطاعم ماكدونالدز طغت على توصل حكومتهم لاتفاق يتم بموجبه رفع العقوبات المفروضة على البلاد منذ سنوات، يعتقد البعض في إيران أن رفع تلك العقوبات سيكون له مردود إيجابي على الاقتصاد في بلد يعاني بعنف من أزمة بطالة، لكن ما لم يفكر فيه ساسة طهران ولا ملالي قم أن شبابهم كانوا شغوفين أكثر بصورة الحرية القادمة من بعيد.
هنا استعرض موقفاً حدث قبل أعوام مع صديق إيراني لتوضيح الصورة بشكل أكبر، الصديق حدّثني عن واقعة إلقاء القبض عليه هو وزملاؤه أمام أحد مولات طهران على يد قوات الشرطة لارتدائهم ملابس على الطراز الغربي مصحوبة بقصات شعر على الموضة، تراها البلاد تتعارض مع نظام الجمهورية الإسلامية، إلا أن إتقانه للغة العربية، واللهجة المصرية خاصة، كان طوق نجاة بالنسبة له، فتركوه ظناً منهم أنه مصري، خشية حدوث أزمة دبلوماسية مع دولة قطعت علاقاتها بطهران منذ ثورة 1979.
بعد أشهر قليلة من وصول إيران لاتفاق نووي مع الغرب منتصف يوليو العام الماضي، ترك الصديق طهران، فهو لا يجد أملاً وسط هيمنة رجال الدين والحرس الثوري على مفاصل البلاد، ولا يريد أن ينتهي به الحال وهو جالس على كرسي مرتدياً عباءة وعمامة، ويمنح الناس صك الغفران مقابل بعض التومانات، بل ولا يريد أن يكون ضمن 500 ألف ملا أنتجتهم إيران خلال السنوات الماضية.

ولكي نعرف موقف الشباب الإيراني من أيديولوجيا النظام الحاكم والنزعة نحو الانفتاح، علينا استعراض بعض النقاط بالإحصائيات الرسمية:

* أيديولوجية الثورة وثقافة التغريب
الإحصائيات الإيرانية الرسمية تشير إلى أن 60 في المئة من سكان إيران، البالغ عددهم 78 مليوناً، هم من فئة الشباب، ولذلك فإن الأجيال الحالية لم يشهدوا الثورة الإيرانية 1979، ولم يعيشوا الحرب على العراق (1980-1988)، بل ينتمون لجيل جديد منفتح، يريد الحرية والمساواة والازدهار، لا يشغل باله بما تسعى البلاد لتحقيقه، من أفكار تصدير الثورة ودعم المليشيات في اليمن والعراق، وحزب الله الإرهابي في لبنان، والأسد في سوريا، فكل هذا ليس محض اهتمام الشباب.
الحكومة الإيرانية تستشعر خطر التغيّرات التي تحدث للشباب، إلا أنها لم تحاول مواكبة هذا التغيّر واحتواء الشباب، بل استمرت في نفس الخطاب الديني – الذي لا يلمسهم من الأساس – واكتفت بإعطاء حكم ومواعظ تتمثل في تحذيرهم من أن ملابسهم الغربية ليست إسلامية! ولكنهم وعلى استحياء لم يستطيعوا إنكار وجود أزمة كبيرة تواجه الدولة الخمينية، وهو ما أكده رئيس المنظمة الوطنية للشباب الإيراني حجت الإسلام حاج علي أكبري في تصريحات تناقلتها الصحف الإيرانية.

*كسر القيود والإنترنت
باعترافات الحرس الثوري الإيراني، هناك ما يزيد عن 8 ملايين مستخدم لموقع “فيسبوك” رغم القيود التي تفرضها الدولة على استخدامه، ورغم رؤية الحرس بأن ذلك يتعارض مع الأمن القومي للبلاد خشية اندلاع ثورة جديدة على خطى الثورة الخضراء في 2009، إلا أن عناد الشباب مع النظام دفعهم لكسر الحواجز على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إنهم يدشنون حملات عليها، ويعتبرونها متنفسهم الوحيد في ظل الخناق الذي يعيشونه، وكأنهم في حالة عناد مع نظام الملالي.
حالة العناد وصلت إلى تدشين حملة لقيادة السيارة دون حجاب، وذلك ضمن حملة تقودها الصحفية الإيرانية ماسية علي نجاد التي تعيش في نيويورك، ولديها صفحة على شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بعنوان “حريتي المسروقة”، وتحظى بنحو مليون متابع.
ونشرت الناشطة الإيرانية فيديو لمجموعة من النساء داخل سيارة أثناء قيامهن بخلع الحجاب ولبس تنورات قصيرة، الصحافية الإيرانية التي كتبت عن حملتها صحيفة “ذي اندبندنت” يناير الماضي، قالت عن الاتفاق النووي: “حكومة روحاني تستطيع التفاوض مع عدوها المزعوم، ولكنها لا تتفاوض مع المرأة الإيرانية”.
الغريب في الأمر أن مسؤولي الحكومة الإيرانية دشنوا حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، لإدراكهم أن القيود التي فرضوها لم تحجم الشباب عن إيصال ما يتخذونه من قرارات داخلية عبر الفيسبوك.
وخلال أحداث الثورة الخضراء، نجح الشباب في إيصال جميع حالات الانتهاكات والقمع التي مارسها النظام بحقهم عبر موقع “تويتر”، وهو ما لم تستطع حكومة نجاد ولا الحرس الثوري تلجيمه في ذلك الوقت، ولكن في عالم موازٍ يعيش الإيرانيون اليوم على مواقع التواصل وكأنهم من نيويورك، وليسوا من طهران، يقومون بتجسيد كل لحظة يعيشونها، في محاولة منهم لمواكبة تطور الحياة والعيش مثل الشباب في الخارج.
حتى إن الأفراح والاحتفالات داخل القاعات المغلقة تتم على الطراز الغربي، وتنتشر الخمور والملابس الغربية، خاصة الفساتين السوارية، الإيرانيون يتباهون بذلك، وطبعاً يتم ذلك مقابل دفع رشوة لأفراد الأمن، حتى لا يتم القبض عليهم، ولكن حتى هذا الأسلوب أصبح غير مرضٍ لتطلعات الشباب الإيراني.

*الهجرة
في تقرير لمركز الإحصاء الإيراني، قام به طلاب من جامعتي “طهران” و”العلوم الطبية والخدمات الصحية”، ونشره موقع “قطرة” بتاريخ 22 مارس 2016 تحت عنوان: “هجرة العقول وانفصال القلوب”، كان سؤاله الرئيسي، لماذا يرغب الطلاب في الهجرة من إيران؟ وكانت النتيجة أن 64% من الطلاب يرغبون في الهجرة عن البلاد، و13% حائرون بين البقاء والهجرة، وجاءت أسباب الهجرة وفق نسب البحث 15% لتحسين أوضاعهم المادية، 13% للفساد الاقتصادي والإداري وتفشي الظلم في البلاد، و10% تجنب القيود الاجتماعية، و9% فقدان الأمل في الإصلاح وحل مشكلات البلاد، و5% المنفى السياسي الذي يعيش فيه في إيران.
كل هذه الأسباب هي ما يفكر به الشاب الإيراني ويفتقده، وهو ما يدفعه للبحث عن وطن بديل يحقق تطلعاته إلى الحرية، إيران في المرتبة الـ15 من حيث عدد المهاجرين على مستوى العالم، ففي عام 2012 وصل معدل الهجرة إلى ما يزيد عن 300 ألف مهاجر بحسب أحدث تقرير لـ “البنك الدولي”، فيما يخرج كل عام 150 ألف طالب إيراني بحجة الدراسة في الخارج ليستقروا في أحد البلدان الأوروبية بلا عودة، والجديد في الأمر أنه قبل أسبوعين غرق مركب يحمل إيرانيين وأفغاناً قرب الحدود التركية نجا منه 7 أشخاص وغرق اثنان في محاولة للهروب من بلد ميئوس منه ومواجهة الموت للوصول إلى أوروبا بحثاً عن الحرية وحياة كريمة.
الضغوط وحبس الحرية اللذان يتعرض لهما الشباب من قبل النظام، يجعلان من شعارهم “لا سبيل إلا الهجرة”، دون التفكير في العودة مرة أخرى، ورغم مطالبة الحكومة الإيرانية مواطنيها في الخارج بالعودة مجدداً إلى البلاد والعيش فيها دون اعتقال أصحاب الرأي، بعد تولي روحاني الحكم في 2013، إلا أن القرار لم يلقَ اهتماماً من الشباب في الخارج.
صحيفة الشرق الأوسط اللندنية نشرت تقريراً لها سبتمبر الماضي، حصلت فيه على تصريحات من نشطاء إيرانيين حول مطالب الحكومة بعودتهم، إلا أن رد النشطاء جاء صادماً بأنهم لا يثقون في قرارات روحاني ولا دعوة حسن قشقاوي مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والبرلمانية لعودة 7 ملايين إيراني في الخارج.

*حرية الرأي
الشرطة الإيرانية اعتقلت 6 إيرانيين في مايو الماضي، لاشتراكهم في تصوير فيديو منشور على موقع “يوتيوب” يؤدون فيه أغنية “هابي” للمغني الأمريكي فاريل وليامز بتهمة خدش الحياء، فضلاً عن قوات الشرطة النسائية التي تطارد الفتيات لملابسهن التي تعتبرها متبرجة في فصل الصيف، وأحياناً تنزل تلك القوات إلى الشارع في الشتاء في حال رغبة النظام في حكم زمام الأمور.
السجون الإيرانية تحوي آلاف الشباب من سجناء الرأي، فمنظمة “مراسلون بلا حدود” في أحدث تقرير لها قالت، إن إيران تعد أحد أكبر خمسة سجون للصحافيين في العالم، وتحتل المرتبة 173 من أصل 180 دولة في حرية الصحافة والإعلام، فضلاً عن كونها أكبر سجن للصحافيات والناشطات في مجال الإعلام في العالم.
ومنذ الانتخابات الرئاسية في عام 2009، تم اعتقال ما يقرب من 300 صحافي، أجبر كثير منهم على العيش في المنفى، فقد غادر البلاد أكثر من مائتي إعلامي بعد أربع سنوات على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية إثر انتخابات مطعون في نزاهتها، كما أن الانتخابات الرئاسية في 2013 تميزت بموجة كبيرة من التهديدات وحملات التخويف ضد أقارب الصحافيين العاملين في الخارج، بحسب نفس المنظمة.
ناهيك عن تربع إيران على عرش الدول الأكثر إعداماً لمعارضيها، مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران أحمد شهيد – الذي جدد له بعد حصار الدول العربية لإيران في مجلس الأمن والتصويت في مارس الماضي- أكد في تقريره السنوي أمام مجلس حقوق الإنسان إعدام ما لا يقل عن 966 شخصاً في إيران العام الماضي، وهو عدد قياسي خلال السنوات العشرين الماضية.

* معدلات الزواج
نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية وتأثير البطالة على الشباب والفتيات، تأخرت سن الزواج في إيران، فبعد أن كانت الفتاة تتزوج في أوائل أو منتصف العشرينيات، أصبح الطبيعي أن تتزوج بعد الثلاثين، وهناك وفق تقارير إيرانية نحو 22 مليون شاب عذاب، في المقابل يستمر مسلسل تزويج القاصرات، وهو ما حذرت منه مساعدة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة شهيندخت مولاوردي، التي قالت إنه خلال العامين الماضيين زوجت فتيات أعمارهن لا تتجاوز الـ 10 سنوات.
وبحسب الأحوال الشخصية في إيران، ارتفع عدد حالات الطلاق هذا العام 122360 حالة عن العام الماضي الذي بلغ نحو 117386 حالة، في المقابل حذر مدير مكتب الإحصاءات السكانية والهجرة، علي أکبر محزون، في تصريحات صحافية، من تزايد زواج الإيرانيين من جنسيات أخرى.
التقارير الرسمية الإيرانية تشير إلى زواج نحو 93 ألف امرأة إيرانية من جنسيات مختلفة داخل إيران هذا العام فقط، وهي النسبة التي تعادل نسبة زواج الإيرانيات بأجانب خلال الأعوام الماضية، تتراوح أعمارهن بين 25 و 34 عاماً.
وعلى مستوى الرجال، زادت نسبة الزواج من أجنبيات نحو 23% عن الأعوام الماضية، وتزوج خلال هذا العام نحو 660 رجلاً من امرأة أجنبية، كان نصيب رجال العاصمة طهران منها 73 حالة، وتتراوح أعمار 217 حالة بين 20 و 24 عاماً، وهي السن الطبيعية للزواج بالنسبة للرجال.
وبالرغم من أن القانون الإيراني يسمح بالزواج من الخارج، إلا أن تصريحات المسؤولين لم تخلُ من التحذيرات من قلة نسب الزواج في الداخل وزيادة معدلها من الخارج، خاصة في ما يتعلق بزواج الإيرانيات من أفغان الذين أكدوا أنه في تزايد مستمر.

* البطالة
تنامت معدلات البطالة في إيران خلال الـ 10 سنوات الماضية بنسبة 13.5%، حتى أصبحت بمثابة تسونامي يهدد البلاد، فوزير العمل الإيراني علي ربيعي حذر في تصريحات نقلتها صحيفة “جام جام” نوفمبر الماضي مما وصفه بالكارثة التي تهدد البلاد، كما أن مركز أبحاث البرلمان الإيراني نشر تقريراً له نهاية أغسطس الماضي، ذكر فيه أن عدد خريجي الجامعة العاطلين عن العمل بلغ مليونين و200 ألف عام 2015، ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد بحلول عام 2020.
505 آلاف من حائزي الماجستير، و52 ألفاً من الدراسات العليا و3388 من الحاصلين على الدكتوراه بلا عمل، يتحمل النظام الإيراني قتل طموحهم وأحلامهم، حتى إن الحكومة حينما اجتهدت وأرادت أن تعالج أزمة الحاصلين على درجات علمية عليا جعلتهم يكنسون الشوارع في بلدية خرم آباد مركز محافظة لورستان وسط البلاد.
نعم 200 خريج يعملون في قسم النظافة اجتهدوا لسنوات في الدراسة، ومروا بمراحل وصعاب حتى ينتهي بهم الأمر وهم يحملون أدوات النظافة، ليس تقليلاً من دور عامل النظافة، ولكن هذا لم يطمح إليه الشباب، الغريب في الأمر أن النظام الإيراني ما زال يتساءل لماذا يرتفع معدل الهجرة في البلاد؟

*الانتخابات البرلمانية
حسين کلانتري رئيس لجنة الانتخابات قال إن الغالبية ممن شاركوا في الانتخابات تتراوح أعمارهم بين 26 و 35 أي من الشباب.
ولكننا إذا تمعنا في هذه النسبة نجدها تعبّر عمن ما زال لديهم أمل في التغيير، وهو ما انعكس على ارتفاع نصيب الإصلاحيين في الفوز، على عكس انتخابات 2012 التي قاطعها الإصلاحيون بشكل جزئي، احتجاجاً على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية في 2009.

باختصار شديد، نموذج الحياة في الخارج هو ما يأمل الإيرانيون في نقله للداخل، مطعم ماكدونالدز بالنسبة لهم صورة مفترضة للحرية والتحرر من قيود وأساليب رجعية فرضت عليهم، حولت الثورة الإيرانية من نموذج للحرية – كما أوهموهم – إلى قيود وُضع لها نظام لا يواكب حداثة الشباب، كما أن ما تعتقد إيران أنها ستجنيه من تطبيق الملف النووي لا يتوازى مع أفكار الشباب.

خلاصة القول إن ما يحدث في الغرف المغلقة في أوساط الشباب الإيراني سينتج عنه انفجار لن يخمده شيء سوى أن تشغل الطاقة الحبيسة بالداخل ذلك الحيز الموجود خارجها.


شکست کمپین علی نژاد/دختران آمریکایی هم باحجاب شدند 
الجاليات الإيرانية ودعوات العودة.. بين الثقة و الشك 
إعتقال 6 شباب في إيران بسبب فيديو أغنية “هابي” 
گزارشگران بدون مرز: ایران یکی از سرکوبگرترین کشورها در آزادی مطبوعات است 
احمد شهید: وضعیت حقوق بشر در دولت روحانی تغییری نکرده
درخواست مولاوردی از دادگستری درباره آمار ازدواج کودکان 
هشدار وزیر کار درباره جهش شمار بیکاران در ایران 

عمرو أحمد
عمرو أحمد
صحفي مصري متخصص في الشأن الإيراني