تجدد النزاع بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناجورنو قره باغ

اشتعل الصراع من جديد بين أرمينيا وأذربيجان ليلة يوم الجمعة الموافق 2 أبريل 2016م، واستمر الاقتتال 3 أيام، حتى أعلن وقف إطلاق النار يوم 5 أبريل في 12 ظهراً، تباينت التقديرات الأذربيجانية والأرمينية حول أعداد القتلى، لكن المصادر الغربية ودول الجوار قدّرتها بـ ـ30 قتيلاً من الجانبين.

أسباب تجدد الصراع:
اتهم كل طرف الآخر بأنه البادئ بالهجوم، لكن التقدير المبدئي للموقف يشير إلى أن أذربيجان هي التي بدأت الهجوم، لأن أرمينيا تسيطر فعلياً على إقليم قره باغ الأذري ذي الأغلبية الأرمينية، وكذلك سبع ولايات أذرية أخرى منذ اندلاع الصراع لأول مرة عام 1990م.
مع ضخامة حجم الإنفاق العسكري الأذري البالغ أربعة أضعاف مثيله الأرميني، وعدد القوات البالغ ضعف عدد القوات الأرمينية، إلى جانب تحفز الأذريين ورغبتهم في استعادة أراضيهم المحتلة، يصعب تصديق الرواية الأذرية بأن أرمينيا هي التي بدأت الهجوم، لكن هناك تصور آخر قدمه افشار سليماني سفير إيران السابق في العاصمة الأذربيجانية باكو، حيث قال في لقاء معه أذيع على البرنامج الفارسي لهيئة الإذاعة الألمانية يوم 7 أبريل الجاري؛ إن هناك دلائل واضحة على أن القوات الأرمينية هي التي بدأت الهجوم، ويرجع السبب في ذلك إلى أن روسيا أخرجت معظم قواتها من سوريا، وأنها ما زالت تحمل ضغينة لتركيا من جراء إسقاط طائرتها ، وأن روسيا لها دور كبير في احتلال الأراضي الأذرية، وتسعى دائماً لخلق المشاكل لأذربيجان، نظراً للتقارب الشديد الحادث بين تركيا وأذربيجان حالياً، لذلك هي تريد استفزاز تركيا، ونظراً لأن أرمينيا تحت تأثير روسيا، كما أن لروسيا قاعدة عسكرية في جيوميري بأرمينيا، وهي التي تدير القضايا الاستراتيجية لأرمينيا، إن روسيا تدير القوقاز الجنوبي من خلال تحريك الصراعات أو الدخول فيها مثل صراعها مع جورجيا حول إقليم اوسيتيا الجنوبي، وكذلك إقليم أبخازيا، وهي تريد أن تحذر أذربيجان من فتح أراضيها لتركيا حتى لا تصل الأخيرة لآسيا الوسطى بحرية، والحقيقة أن مفتاح حل الأزمة في يد بوتين الآن، لأنه هو المنشئ للصراع، وأيضاً يتحكم فيه ويوجّهه.

جذور النزاع:
إقليم ناجورنو قره باغ (جبل الحديقة السوداء) هو وحدة إدارية حبيسة تقع بالكامل داخل حدود أذربيجان، مساحته 4300 كيلو متر مربع تقريباً، تتمتع بالحكم الذاتي داخل أذربيجان المسلمة الشيعية، تقطنه أغلبية أرمينية مسيحية، يبلغ عدد سكانه 145 ألفاً 59%، منهم من الأرمن المسيحيين، قام الاتحاد السوفيتي بتهجيرهم من أرمينيا وإسكانهم هذه الأرض، بهدف خلخلة التركز السكاني المسلم بجمهورية أذربيجان.
مع انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن سكان الإقليم تأسيس جمهورية حكم ذاتي على أراضيه، والتي لم تعترف بها أي دولة حتى روسيا وأرمينيا، وقام أرمن قره باغ بتطهير عرقي للسكان المسلمين بالإقليم، فاندلعت الحرب مع أذربيجان، ووصل عدد القتلى آنذاك لـ 30 ألف قتيل، والجرحى لـ800 ألف، فسارعت أرمينيا بإعلان الحرب على أذربيجان، واجتاحت الإقليم، كما احتلت المنطقة المعروفة برواق لاشين، وهي فاصلة بين ناجورنو قره باغ والأراضي الأرمينية، ثم احتلت ستة أقاليم أخرى جنوب وشرق ناجورنو قره باغ، بما تصل مساحته إلى 20% من جملة أراضي أذربيجان.

تفاعل المجتمع الدولي مع الأزمة:
منذ الحرب الأولى بين البلدين في التسعينات، قطعت تركيا علاقتها بأرمينيا، واتخذت موقفاً صريحاً بتأييد أذربيجان في نزاعها مع أرمينيا، واتخذت روسيا جانب الطرف الأرميني، وبدأ الاصطفاف الدولي وراء طرفي الأزمة، فاتخذت فرنسا والاتحاد الأوروبي جانب أرمينيا، ربما لانتشار الأرمن في أوروبا، وقدرتهم على تسويق قضيتهم، أو الضغط على تركيا بقضية مذابح الأرمن لمنع انضمامها للاتحاد الأوروبي، ثم تشكلت مجموعة عمل دولية للعمل على حل الصراع عرفت بمجموعة مينسك، بعضوية كل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وثيقة الصلة بأرمينيا كممثل للاتحاد الأوروبي لكون أذربيجان وأرمينيا تقعان جغرافياً في حدود القارة الأوروبية، أصدرت المجموعة قراراً بانسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة، لكن أرمينيا لم تنفذ القرار، ومع تجدد النزاع، اجتمعت مجموعة مينسك في فيينا يوم الثلاثاء التالي على اندلاع الاشتباكات، بعضوية كل من روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، وانتهى الاجتماع بدعوة الطرفين لوقف إطلاق النار والذي نفذ بالفعل، لكن لم تقدم المجموعة حلاً للأزمة، وأدانت موقف الرئيس التركي رجب أردوغان لتصريحه بأن قره باغ ستعود يوماً لأذربيجان.
يرى عباس جوادي المختص الإيراني في شؤون آسيا الوسطى والقوقاز في حوار أجراه مع هيئة الإذاعة الألمانية أن الموقف التركي من النزاع ربما يكون سببه هذه المرة رغبة أردوغان في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليه داخلياً، أو إشعار روسيا أنه قادرة على التحرك في جبهات أخرى غير سوريا.

الموقف الإيراني
يتلخص موقف إيران في أنها غير راغبة في إنهاء الصراع، ولا اشتعال الحرب بين الطرفين بشكل موسع، وذلك لعدة أسباب؛ في حالة إنهاء الصراع ستدعم مكانة وقوة أذربيجان في جنوب القوقاز، الأمر الذي يؤدي إلى تقارب الأقلية الأذرية الموجودة داخل إيران والمجاورة لجمهورية أذربيجان والتي يبلغ عددها 20 مليون نسمة، ومن ثم من الممكن أن تتصاعد دعوات انفصالية في ذلك الإقليم الإيراني الغني والبالغ الأهمية لإيران، وقد سبق ظهور مثل هذه الدعوة من قبل.
في حالة اشتعال حرب موسعة في الإقليم، وهذا احتمال قائم بقوة لأن دول القوقاز الجنوبي الثلاث (أذربيجان وأرمينيا وجورجيا) دول صغيرة تتأثر بشدة بالتوازنات بين دول الجوار الثلاث الكبرى وهي روسيا وتركيا وإيران، وفي حالة اشتعال حرب موسعة، ستتجه موجات من اللاجئين لحدود الدول الثلاث المجاورة وعلى الأغلب إيران لاتصالها المباشر مع إيران، فضلاً عن الإخلال بتوازن القوى الموجود في القوقاز شمال إيران بتداعياته التي ربما تكون مأساوية بالنسبة إيران، في حالة التمدد التركي لدعم أذربيجان أو التمدد الروسي في أرمينيا.
يتحكم في السياسة الإيرانية بالقوقاز الجنوبي عامل المنافسة مع تركيا، فتركيا تميل لاستخدام الصراع كنوع من الحرب بالوكالة، من خلال دفع أذربيجان في السعي لتحرير أراضيها في الوقت الذي ترغب فيه الضغط على روسيا، كون الأخيرة داعماً مباشراً لأرمينيا، لذلك مالت السياسة الإيرانية إلى أرمينيا، ضاربة عرض الحائط بكل ما تروّج له إيران من قيم مساندة المستضعفين ومؤازرة قضايا العالم الإسلامي، فها هي أذربيجان المجاورة لها الدولة المسلمة التي احتلت أرمينيا أراضيها، لكنها تقف في صف أرمينيا، لمواجهة تنامي النفوذ التركي في القوقاز، ولترضية حليفتها روسيا التي تساعدها في إتمام برنامجها النووي، هذا على الرغم من أن الموقف الرسمي الإيراني يتبنى الحياد بين الطرفين، وغالباً ما تعرض إيران الوساطة بينهما، وترحب أرمينيا بهذه الوساطة، بينما تتخوف منه أذربيجان، للعلاقات الإيرانية الأرمينية الوطيدة، إذ تعتمد أرمينيا على الغاز الإيراني، وتستورد إيران الكهرباء من أرمينيا، أضف إلى ذلك كله سياسة الرئيس الأذري السابق حيدر علييف الرافضة لإيران، والتي كان ينتهجها كرد فعل على سياسة إيران في تصدير الثورة لأذربيجان ومحاولة إعلان الجمهورية الإسلامية على أراضيها، لكن حدث تغير في سياسة الرئيس السابق حيدر علييف بعد قضائه على الجماعات الشيوعية داخل بلاده وترسخ حكمه، فأخذ في تحسين علاقته بإيران لإحداث توازن في علاقته مع تركيا لتتحول أذربيجان إلى دولة مستفيدة من تنافسات الدول الكبرى على التعاون معها، وتزامن هذا مع تحسن العلاقات الإيرانية – التركية في النصف الثاني من التسعينات، فتغيرت السياسات الإيرانية على المستوى الرسمي، وأصبحت إيران تدين الاعتداءات الأرمينية على أذربيجان، خاصة بعد انضمام أذربيجان لمنظمة التعاون الاقتصادي المعروفة بـ(اكو)، بل وشكّلت مجموعة تفاهم ثلاثي مع كل من تركيا وأذربيجان، اجتمعت ثلاث مرات، وكان الاجتماع الأخير يوم الثلاثاء السابق على اندلاع الاشتباكات. لكن ما زالت إيران تتبع سياسات عدم الرغبة في إنهاء الصراع ولا تأجيجه وتحتفظ بعلاقات طيبة مع أرمينيا، التي دائماً ما ترحب بالوساطة الإيرانية، فضلاً عن تسريبات أخبار الدعم الإيراني المتوالي لأرمينيا بهدف إبقاء الحال كما هو عليه في القوقاز حتى لا تظهر دولة أذرية قوية على الحدود الإيرانية تتمتع بثروة نفطية ضخمة وذات علاقات متميزة مع تركيا.
الخطاب الإيراني بشأن الأزمة يقول إن إيران سعت دائماً إلى حل الأزمة، وأن احتلال قره باغ تم في فترة تولي هاشمي رفسنجاني رئاسة الجمهورية، في هذا الوقت أصدرت إيران بياناً دعت فيه إلى وقف إطلاق النار وتقديم الوساطة بين الطرفين، لكن روسيا لم ترضَ بتدخل إيران ولم ترضَ بوقف إطلاق النار، لأنه في عام 1992م كانت أرمينيا قد احتلت قره باغ فقط، ولم تكن قد احتلت الولايات السبع الأخرى، أي لم يكن توسعها قد اكتمل بعد.
يقول أفشار سليماني: لم توافق روسيا على أي وساطة، إلا بعد إتمام الاحتلال وعبر مجموعة مينسك، وبالفعل توقف الدور الإيراني عند حد تقديم الاستشارات وليس الوساطة الكاملة، وهي الآن ليس لها دور كبير في عملية الوساطة، وحتى ما أعلن عنه بشأن الاجتماع الذي سيتم يوم 27 أبريل الجاري بين وزراء خارجية كل من روسيا وأذربيجان وإيران، لن يتم فيه إعطاء دور الوساطة لإيران، وإنما سيتوقف دورها عند حد تقديم الاستشارات.


32 قتيلاً جراء المعارك بين أرمينيا وأذربيجان.. وبوتين يدعو للتهدئة
حرب بالوكالة؟ تجدد المواجهات العسكرية بين أذربيجان وأرمينيا
قره‌باغ صحنه درگیری ترکیه و روسیه؟
مرتفعات قرة باغ 
گفت‌وگو با عباس جوادی درباره بحران جدید قره‌باغ
گفتگوی تلفنی روحانی با روسای جمهورِ آذربایجان و ارمنستان

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير