تصاعد الاحتجاجات وتوسع دائرة المطالب

مرّ أسبوع تقريبًا على بدء احتجاجات متفرقة في مختلف المدن الإيرانية، ومن الواضح أنها مستمرة كما تشير الأدلة، بعد أن بدأت من أصفهان وانتقلت إلى شيراز، ومنها إلى «كرج ثم اشتهارد وقرتشك وأراك ومشهد وقهدريجان ونجف آباد وشاهين شهر»، لتصل في نهاية الأمر إلى العاصمة طهران، وتشير الصور التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إلى حدوث مواجهات بين الناس وقوات من الجيش. وكما كان متوقعًا، فقد فُرضت أجواء أمنية خانقة على هذه المُدن، حيث يتواجد رجال الأمن بشكل دائم في شوارعها، وعلى سبيل المثال جرى إغلاق بضعة شوارع في مدينة جوهردشت التابعة لمحافظة البرز، واعتقال بعض المتظاهرين على خلفية الاشتباكات المذكورة، لكن لم يُنشر أي شيء بخصوص أسمائهم وأماكن اعتقالهم، باستثناء ما نشرته الصحفيّة والناشطة السياسية جيلا يعقوب على حسابها بموقع «تويتر»، حول اعتقال 50 فتاة في تجمعات طهران، واقتيادهنّ إلى سجن قرتشك في مقاطعة ورامين.
وبهذا تدخل الاحتجاجات الإيرانية على الأوضاع الاقتصادية مرحلة جديدة وهي قد بدأت بعد بضعة أشهر فقط من الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في ديسمبر الماضي، والتي كانت الأكثر انتشارًا منذ قيام الثورة، ويبدو أن هناك أسبابًا كافية لتصعيد الاحتجاجات الأخيرة منها ارتفاع سعر صرف الدولار على نحو غير مسبوق خلال الأسبوع الماضي، واقتراب موعد تطبيق مرحلة جديدة من العقوبات التي أعلنت عنها الحكومة الأمريكية، وقلق الناس من عدم القدرة على توفير السّلع الأساسية وبالتالي ندرة بعض السّلع في الأسواق، والأخبار اليومية حول الفساد الاقتصادي داخل أجهزة النظام المختلفة، وقد تصاعدت الاحتجاجات حتى تجاوزت شعاراتها المطالبات الاقتصادية واصطبغت بالصبغة السياسية، كما أن هذه الشعارات لم تندد بالحكومة فحسب، بل بالنظام بأكمله.

إلى من يُصغي المتظاهرون؟
قبل ليلتين هاجم المحتجون الحوزة العلمية في اشتهارد التابعة لمدينة كرج، حتى يثبتوا أن هذه الاحتجاجات تجاوزت الوضع المعيشي، وحسب ما قاله رئيس هذه الحوزة العلمية، علي هندياني، أن «بعض المحتجين هاجموا حوزة اشتهارد مساء الجمعة، لكنهم لم يتمكنوا من إلحاق أضرار جسيمة بها بسبب اتّخاذ الإجراءات اللازمة»
وعلى الرّغم من ذلك، فقد كانت محاولات التيارات المختلفة ركوبَ موجة هذه الاحتجاجات سببًا في منحها أبعادًا أكثر تعقيدًا، وهناك كثيرون يزعمون أنهم يوجّهون هذه الاحتجاجات وهم وراءها، ابتداء من محمد رضا بهلوي وانتهاء بإمام جمعة مشهد، وفي هذه الأثناء يرى بعض مستخدمي الشبكات الاجتماعية، الذين يسمون أنفسهم بـ «المطيحين» بالجمهورية الإيرانيّة، أن هذه الحركات الاحتجاجية هي نتيجة لدعواتهم من خلال الفضاء الإلكترونيّ للقيام بـــ «مظاهرات واسعة»، إذ يقومون من خلال هذا الهاشتاق بنشر تسجيلاتهم المصورة وصورهم الفوتوغرافية لهذه المظاهرات.

وفي الوقت نفسه، صرح إمام جمعة مشهد ومنتقد الحكومة الأصولي أحمد علم الهدى، مدافعًا عن هذه المظاهرات إذ قال: «بوجود مثل هذه الحكومة وهذا البرلمان المتفرّج، يجب على الناس النزول إلى الشوارع»، وأضاف مؤكدًّا: «إن الحكومة والبرلمان لا يقومون بما يجب عليهم القيام به، ولا يجب عليهم فقط الاكتفاء بالتفرّج على أوضاع الناس، كيف ينامون ويستيقظون في صباح اليوم التالي وإذا بأسعار الماء الذي يشربونه قد تضاعفت».


ومع ذلك فقد أكّد إمام جمعة مشهد أن هذه الاحتجاجات لا يجب أن تسير وفقًا لرغبات من وصفهم بـــ «عملاء الغرب» بجعل الناس يقفون في وجه النظام، وهذه التصريحات جعلت مجموعة من طلاب الحوزة العلمية ورجال الدين يلبون دعوة علم الهدى، ويقيمون احتجاجًا مقابل مسجد الرضا ينددون بالحكومة والبرلمان، وقد أكّدوا في شعاراتهم أن الغلاء مجرد ذريعة للتفاوض مع أمريكا، كما أطلق بعضهم شعارات ضد البرلمان وقالوا فيها «إن البرلمان أصيب بالكسل والخمول»، ومن جهة أخرى تخطى إمام جمعة طهران، كاظم صديقي، هذه المرحلة معتبرًا أن فساد الحكومة ومن وراء الكواليس في الظروف الحالية هو «خيانة في زمن الحرب» وتستوجب عقوبة عسكرية.
من جانبها أبدت وزارة الخارجية الأمريكية يوم الجمعة الماضي رد فعل على هذه الاحتجاجات من خلال مجموعة من التغريدات، وكتبت «نــتابع عن قُرب الاحتجاجات الأخيرة التي جرت في المُدن الإيرانية»، معلنةً أنها «تدعم صوت الشعب الإيراني الذي تمّ تجاهله فترة طويلة»


كما نشر نجل شاه إيران، محمد رضا بهلوي، تغريداتٍ متتالية يدافع فيها عن هذه الحركة، واعتبرها «أحدث فصلٍ في حركة التحرير الإيرانية التي من المقرر أن تُخرج الوطن من بين براثن الفرقة الضالة».

ازدواجية وزارة الداخلية في الاعتراف بالتجمّعات
حاول وزير الداخلية إظهار عدم أهمية هذه الحركة، قائلًا: «إن إحدى إستراتيجيات العدو للتعامل مع إيران إيجاد التوترات الاجتماعية، وهم يعتقدون أن هذا الأمر بإمكانه التأثير في إيران، كما أنهم يعتقدون أن اجتماع 50 أو 200 شخص في مكان واحد من شأنه الإخلال بالأوضاع الداخلية في الدولة»، وتصريحات الوزير هذه تخالف أداء النظام، فالنظام دائمًا ما يواجه مشكلة مع التجمعات، ويسعى إلى الحيلولة دون تشكّلها.
أما الإصلاحيون الذين واجهت شخصياتهم البارزة ردود فعل سلبية إثر احتجاجات ديسمبر الماضي، والذين يمرون اليوم بأكثر فتراتهم تأزّمًا بعد عام 2009 من حيث تمثيلهم للقوى الاجتماعية، فقد اختاروا السكوت، ولم يصدر عنهم سوى بعض الأصوات القليلة التي تعترف بحق الناس في الاعتراض، فهذا التيار يعتبر نفسه من جهة داعمًا للحكومة، لذا فهو يتجنّب مسايرة التيار الذي يُشتبه في أنه يحاول إضعافها، كما أنه يرغب في إجراء حوار مع النواة الصلبة في النظام، لذا نراه يبتعد عن دعم التجمعات التي تؤدي إلى العنف؛ كونه يرغب في إحداث تغييرات هادئة بعيدة عن العنف، وينظر بقلق إلى تراجع قاعدته الاجتماعية.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد ماهية القوى المحركة والمؤثرة في هذه الاحتجاجات، لكن من الواضح أن دوافع الاحتجاج والاستياء كثيرة، إذ يمكن أن نشاهد ممثلين عن جميع التيارات بين الناس الذين نزلوا إلى الشوارع، ووجه الشبه بينهم هو أنهم جميعاً مستاؤون، وهم يشكلون قوة لديها الاستعداد الذاتي لإشعال الشرارة التي ترمي إليها تصريحات علم الهدى المخادعة، لكن لا يوجد أي ضمانات تضمن لعلم الهدى أن نار هذه الشرارة لا تحرق النظام بأكمله.

مادة مترجمة عن موقع زيتون

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير