حظر صادرات البقوليات والحبوب.. والاحتواء الشعبي في إيران

في خطوة مستغرَبة، حظرت الحكومة الإيرانيَّة السبت 22 ديسمبر 2018، تصدير 17 منتجًا غذائيًّا إلى الخارج. ويكمن وجه الغرابة في أن زيادة الصادرات غير النِّفْطية، بخاصَّة الزراعية، أولوية من أولويات النِّظام الإيرانيّ في فترة «العقوبات الأمريكيَّة»، لتعويض نقص الصادرات النِّفْطية والعملة الأجنبية. لكن نوعية المنتجات المحظورة ضرورية في مثل هذا التوقيت، لاحتواء السخط الشعبي من ارتفاع الأسعار وعدم زيادة الدخول بنفس المقدار.
وتشمل السلع التي حُظِرَت البقوليات كالفول والعدس، والحبوب كالبازلاء وغيرها من المنتجات النباتية. وإذا ما نظرنا إلى نوعية المنتجات التي سيُحظَر تصديرها بعد أن كانت متاحة للتصدير، نلاحظ أنها الملاذ الأخير للطبقات الدنيا، فهي تحتوي على نسبة من البروتين اللازم لعمل الجسم بصورة جيدة، وتُعتبر بدائل من اللحوم الحمراء والبيضاء التي ارتفع سعرها بنسب تزيد على 50% وأصبحت مرهقة حتى للطبقات الوسطى لا الطبقات الدنيا فقط.


مصدر الصورة: https://goo.gl/FPMNcN

جاء قرار حظر صادرات الحبوب والبقول، انعكاسا لصعوبة حياة الفقراء في إيران ومحاولة النِّظام احتواء الغضب الشعبي والسيطرة على الأوضاع الداخلية المثيرة لقلقه، وحق له ذلك، في ضوء الظروف الاقتصادية اليومية للمواطن الإيرانيّ مع ارتفاع أسعار الغذاء إلى نسب كبيرة زاد بعضها على 60% في ديسمبر، ووصول التضخُّم الشهر الماضي إلى 40%، وكما هو معلوم يشكِّل الغذاء النسبة الكبرى من سلة إنفاق الطبقات الدنيا، ويتأثر الفقراء بزيادة أسعاره أكثر من زيادة أسعار باقي مستلزمات الحياة كالمسكن والملبس وغيره.
بارتفاعات فاقت 50% على أساس سنوي، وصل سعر كيلوجرام اللحم المحلي (الضأن) في الآونة الأخيرة إلى 70.000 تومان (6.4 دولار بالسعر الحر 11 ألف تومان)، وسجلت لحوم البقر سعرًا أقل قليلًا، في حين بلغ كيلوجرام لحوم الدواجن 12 ألف تومان (دولار واحد بالسعر الحر)، في حين يصل أجر العامل البسيط إلى 800 ألف تومان في الشهر (73 دولارًا بالسعر الحر)، وأحيانًا أقلّ، أي أقلّ من الحدّ الأدنى للأجور للفرد، البالغ مليونًا و372 ألف تومان في العام المالي 2018/ 2019، بل وأقل من خط الفقر (الحد الأدنى لتأمين تكاليف الحياة) الشهري لفرد يعيش في العاصمة طهران، الذي حدَّده مركز الإحصاء الإيرانيّ بمليون و10 آلاف تومان في الشهر حتى صيف 2018. بالطبع ليست أجور العاملين كافة مثل هذا الأجر المتدني، بخاصَّة العاملون في الحكومة الذين يحصلون على زيادات سنوية، لكنها تمثل أجور شريحة واسعة من المجتمع الإيرانيّ، ناهيك بالعاطلين عن العمل وكسب الأجر.
وبلغت الزيادات السنوية في أسعار اللحوم الحمراء قرابة 49%، والدواجن 58%، والبيض 44%، ومنتجات الألبان 68%، والأرز 24%، وفق بيانات البنك المركزي الأخيرة في ديسمبر 2018 مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي.

نسب الزيادة السنوية في أسعار المنتجات الغذائية(*)


 
المصدر: البنك المركزي الإيرانيّ
* الأسبوع الثالث من ديسمبر 2018 مقارنة بنظيره في العام الماضي

منذ أيام كشف مركز الإحصاء الإيرانيّ التابع للبرلمان أن خطّ الفقر السنوي في إيران ارتفع بنسبة تصل إلى 25% في صيف 2018 مقارنة بصيف 2017، وقسمه إلى أربع شرائح باختلاف المناطق الجغرافية، تراوحت بين 551 ألف تومان في حدها الأدنى، ومليون و10 آلاف تومان في حدها الأعلى، في مدينة ترتفع فيها تكلفة الحياة كطهران. بمعنى آخر فأي فرد دخله أقلّ من هذه الحدود فهو لا يكسب ما يكفي الحد الأدنى للحياة، أو إن العامل الذي يحصل على 800 ألف تومان في الشهر كما ذكرنا لا يكفيه ذلك للعيش بمفرده، فكيف إذا كان يعول أسرة؟


مصدر الصورة: https://goo.gl/NY7Dzv

وفي ضوء هذه الظروف سيزداد الطلب المحلي من الإيرانيّين -بخاصَّة ذوو الدخول المحدودة- على بدائل اللحوم كالحبوب والبقوليات، ممَّا سيرفع أسعارها تدريجيًّا، لذا جاء قرار الحظر ليوازن بين الطلب والمعروض منها، منعًا لزيادة الوضع سوءًا، أو زيادة القلاقل المجتمعية، التي يمكن أن تظهر على شكل احتجاجات شعبية كالتي حدثت أواخر ديسمبر العام الماضي في نفس الأيام الجارية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير