سِجن إيفين.. تاريخ العذاب الطويل

يَذكر الفيلسوف والمفكر كولن ولسن في كتابة “سيكولوجية العنف” استشهادًا غرائبيًّا في كون المجرم، فردًا كان أو نظامًا أو سلطة، يتمتع بقُدرة عاليَّة على تقديم تبريرات تجاه ممارساته التدميرية، “ففي عام 1958 وقف رجل يُدعَى نورمان سيارته في أحد الشوارع، ثم أخرج بندقية الصيد مصوبًا إياها نحو طفلين صغيرين كانا يلعبان على جانب الشارع، ثم أطلق النار عليهما وماتا سريعًا. وعندما ألقت الشرطة القبض عليه بعد مطاردة طويلة، دافع عن نفسه بكل ثقة قائلًا: “أنا لا أحمل لهذين الطفلين أي كراهية، أنا فقط كنت أحاول المعاونة بشكل فعليّ في الحد من مشكلة تزايد السُّكان”!. هذه الحكاية التي سردها ولسون في كتابه، تمثِّل تشبيهًا متطابقًا إلى حدّ كبير مع سلوكيات النِّظام الإيرانيّ في شرعنته للعنف وتقديم أدلة عقلية ذات تبريرات مقنعة أمام النِّظام العالَمي ومنظَّماته الإنسانية، خصوصًا مع ما يفعله بالمعتقلين في سجن “إيفين” صاحب التاريخ الطويل من العذابات.

 » جلاد يتحول إلى رمز وطني
لم تكُن حكاية وطريقة موت المصورة الإيرانيَّة زهراء كاظمي مقنعة للجميع بعد أن اعتُقلت في الحادي عشر من يوليو عام 2003 بتهمة “التقاط صور لمظاهرات طلابية”، فمع مرور الأشهر ذكرت وسائل الإعلام الإيرانيَّة بشكل مفاجئٍ ما يلي: “دخلت زهراء كاظمي في غيبوبة ثم ماتت سريعًا، وللأسف لم نتمكن من إنقاذها رغم محاولتنا الجادة”! وهو ما جعل الرئيس الإيرانيّ إبان تلك الفترة محمد خاتمي، يُجرِي تحقيقًا داخليًّا، ليتبين لاحقًا أن كاظمي “ضُربت حتى الموت، وتعرضت لاغتصاب وحشي؛ كسور في أصابع اليد والجمجمة ونزع للأظافر، وحروق، إلى آخر القائمة”، وبعد انتهاء التحقيقات كان محمد رضا (أحد محقِّقي المخابرات) هو المتهم كُلِّيًّا بقتل كاظمي، إلا أنهُ حصل على البراءة بالكامل وتحول إلى رمز ثوري ووطني في أعين النِّظام، وظلت عائلة الضحية تطالب بالعدالة سنوات دون أن يكون لصوتها وقهرها الغائر أي جدوى.

» الكتابة للأجيال القادمة
“حينما كنتُ في سِن السادسة عشر، وأنا في زنزانتي الانفرادية، كان النوم هو وسيلتي الوحيدة للهروب من أصوات الجلادين، للهروب من البرد، من الظلام الدائم، والأهم من كل ذلك، للهروب من نفسيّ”، هذا ما كتبته مارينا نعمت إحدى ضحايا “إيفين” في مذكراتها الشهيرة “سجينة طهران”، بعد أن زُجّ بها بين قضبانه مساء 15 يناير 1982، بتهمة “التآمر السياسي ضدّ الثورة والنِّظام وقيمه وتعالَيمه”، لأنها فقط احتجت في حصة مدرسية بعد أن قرَّر أحد المدرسين تدريس مادة دينية بدلًا من مادة الرياضيات، وبعد خروجها من المدرسة في نفس اليوم اعتُقلت. تقول مارينا نعمت بعد خروجها من السجن، وبعد أن قضت عقوبة مدتها سنتين من العذاب: “بعد خروجي كنت أستيقظ في الليل مليئة بالرعب، كنت أتعرض لتشنُّجات لم أكُن أعرف سببها، كان زوجي أندريه يرافقني طوال الوقت حتى في أثناء ذهابي من الصالون إلى دورة المياه، لأن الشعور بالوحدة كان يصيبني بالذعر والفظاعة، كان علاجي الوحيد هو التصالح مع تلك الفظاعات لأنني لم أستطع نسيانها، والكتابة عنها للأجيال القادمة كي تعرف تلك الأجيال أن الخوف لا ينتهي إلا بالمواجهة، بالمواجهة وحدها”.

» انتحار رغم المعاملة الجيّدة
وأنت تراقب بتمعُّن حكايات سجن “إيفين” تكتشف أن موت ساكنيه لم يعُد يمثِّل لغزًا غامضًا كما كان؛ لقد بدا الأمر واضحًا رغم تبريرات النِّظام المتكررة التي تنصّ على أن المعتقلين “يتلقون معاملة إنسانية راقية ونوعية، إلا أنهم في النهاية يختارون الانتحار”، ففي الثامن من يناير 2018 قُبض على الشابّ سينا قنبري البالغ من العمر 22 سنة، وأُودِعَ السجن، وبعد يومين أو أكثر قليلًا قالت إدارة السجن: “أقدم هذا الشاب على الانتحار دون أسباب وجيهة”. هذه الحادثة جعلت لجنة “الدفاع عن حقوق الشعب الإيرانيّ” في بريطانيا تحذِّر من “المخاطر الكبيرة التي تهدِّد حياة المتعلقين في سجن إيفين”، خصوصًا الذين قُبض عليهم في المظاهرات الأخيرة، إذ أعلنت أن “خبر وفاة قنبري يؤكّد أن حياة المعتقلين تتعرض لتهديد مخيف، بل إنهم يقتربون من الموت كثيرًا”. وفعلًا وبعد أيام قليلةٍ من هذا الإعلان اعتُقلت إحدى الشخصيات الهامَّة في السلك الأكاديمي الإيرانيّ (أعني عالَم الاجتماع د.كاووس سيد إمامي)، بذريعة “التآمر مع أجهزة استخباراتية خارجية وتقديم معلومات سرية تهدد النِّظام والإسلام ومبادئ الثورة الإيرانيَّة”، وفي أقل من 72 ساعة قال النِّظام إنه “انتحر”! تمامًا كما حدث مع زهرا كاظمي.

» سجون أخرى.. ومهانات لا تنتهي
لا يحتكر سجن “إيفين” هذه المهانات لوحده، فالسجون الأخرى في إيران لها أيضًا تاريخ طويل من العذابات، ومن الوجع والاستهانة المخيفة بالإنسان وكرامته رغم محاولة النِّظام المتكررة وأجهزته الدعائية وتأكيد أن “الجميع يحظى فيها بمعاملة تتجاوز معاملة فنادق النجوم الخمس”، فمثلًا في “سجن طهران الكبير” يذكر أحد السجناء حسب موقع “راديو فردا” أن “الحراس أمروه بخلع ملابسه كافة، ثم الجري لمسافات طويلة كي يصنعوا لهم احتفالًا يوميًّا يساعدهم في تزجية وقتهم المُمِلّ”. كذلك السجين أحمد شيراني اختصر ما تعرض له في الجملة التالية: “قضيت 22 عامًا في زنزانتي، رأيت في أثناء اعتقالي كل أنواع التعذيب وسوء المعاملة والإهانات، لقد كنتُ أقيَّد أغلب الوقت، ثم يأتي الحراس لضربي لساعات طويلة. هكذا كنتُ أعيش لمدة 22 عامًا دون أن أدنى رحمة”. وختامًا وما هو بمثابة اليقين المؤكَّد أن الأيام والشهور والسنوات القادمة ستُفصِح عن ضحايا وعائلات وربما أطفال ماتوا تحت وطأة التعذيب، لا لأنهم انتحروا ولا لأنهم تَلقَّوا “معاملة فندقية راقيَّة”!.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير
x
تطبيق المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
حمل التطبيق من المتجر الان