مرحلة ما بعد هاشمي والفراغ في توازن القوى

“توازن القوى” هو أحد المؤشّرات الهامة والمؤثّرة في السياسة الداخلية والعلاقات الدولية، كما أن النظام الدولي يعتمد على ظهور الحد الأكثر من قدرة اللاعبين الفاعلين على الساحة الدولية، وفي السياسة الداخلية للدول أيضًا يعتمد الثبات والأمن السياسي على الدور الخلاق للحَدّ الأكثر من التيَّارات السياسية، وخلال الحقب الأربع الماضية حدث اضطراب في النظام السياسي الداخلي في إيران، كان آخره أحداث عام 20199م.

بعد أحداث عام 2009م استُبعِد كثير من الشخصيات الإصلاحية على نحو ما، لكن المجموعة التي كانت تسعى لإعادة إنتاج أجواء أحادية القطب في المجتمع لم يستطيعوا الوصول إلى أهدافهم. من الواضح في هذه الأثناء أن دور هاشمي رفسنجاني كان مُفعَمًا جدًّا. مع استبعاد كثير من قادة التيَّار الإصلاحي وفرض قيود كثيرة على رئيس حكومة الإصلاحات محمد خاتمي، حيث كان أكبر هاشمي رفسنجاني يلعب دور الرابط الوحيد بين الهيكل الاجتماعي للاصطلاحات مع السيادة والنظام. من هذا المنطلق فإن دور هاشمي رفسنجاني في إيجاد “توازن القوى” لا يمكن إغفاله، ومن الواضح أنه بعد وفاته أصبح أحد المخاوف الرئيسية لأنصار ومحبي الأمن القومي، تقديم حلول لحفظ “توازن القوى” في قوالب وأشكال أخرى، من هذا المنطلق قال مستشار هاشمي رفسنجاني غلام علي رجائي في إشارة إلى المكانة السياسية لهاشمي رفسنجاني، إنه أصبح خلال السنوات الأخيرة، بخاصة بعد أحداث عام 2009م يتحدث بصراحة أكثر في تصريحاته، لدرجة أنه تحول إلى الناقد الصادق للنِّظام أكثر من كونه له دور ومنصب رسمي في النظام ورئيسًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وكان هذا التصور بأنه في بعض الأوقات يأتي إلى جانب الشعب وينتقد الوضع القائم من قبيل المصلحة ورغبةً في الخير، حسب زعمه، موضحًا أن هاشمي كان من أوائل مَن قالوا تقول إن رئيس الحكومة السابق محمود أحمدي نجاد مصدر وأساس التيَّار المنحرف، وكان منزعجًا من أن بعض من رجال الدين لا يدركون هذا الأمر، وما ظهر في تصرفات وأقوال هاشمي رفسنجاني عن الماضي أنه كان له اهتمام خاص حيال غضّ الطرف عن حقوق المواطنين في النظام، وكان يعتقد إلى جانب ذلك أنه يجب الاهتمام بحقوق الشعب أيضًا، وأن النِّظام له وظائف ومهامّ إزاء حقوق المواطنين عليه أن يؤديها.
وتابع رجائي، حسب صحيفة “مردم سالاري”، بأن بيت القصيد في حياة هاشمي هو الاهتمام بمبدأ الاعتدال، مبينًا أنه يعتقد أيضًا أن الإصلاحيين والأصوليين توصلوا إلى هذه النتيجة، وهي أن ينحُّوا التشدد جانبًا، وشوهدت قائمة الثلاثين اسمًا في انتخابات البرلمان الأخيرة في طهران، حيث قبل الإصلاحيون وجود الأصوليين في هذه القائمة، والآن هم معًا في المجلس ويعملون متجاورين. هؤلاء جاؤوا لدى هاشمي وأخذوا صورًا معه لإعداد البوسترات والدعاية الإعلامية لحملاتهم الانتخابية، وكان ردّ الشعب بشأن هذا الدعم من رفسنجاني إيجابيًّا، وأدي ذلك إلى إنجاح التصويت الشعبي لهم كل القائمة، لدرجة أن نائب المجلس السابق لم يحصل على أصوات تؤهِّله للنجاح في هذه الانتخابات كذلك، فإن كثيرًا من الأصوليين خسروا في هذه الانتخابات.
هاشمي في نهاية حياته أظهر أن الاعتدال من الممكن أن يتحقق في العمل بين الطباع والأذواق المختلفة، وكان يرى أن كلا التيَّارين متناسب مع الدولة، وينبغي المحافظة على التوازن والمساواة بين التيَّارين.
وأضاف مستشار رفسنجاني أن أمنية رفسنجاني كانت رفع الإقامة الجبرية عن قادة الحركة الخضراء مهدي كروبي ومير حسين موسوي، مضيفًا بشأن لقاءات رفسنجاني مع علي خامنئي، في ردّ عن سؤال إن كان هاشمي يتحدث بشأن هذه اللقاءات، بأنه لم يكُن من المفترض أن يتحدث عنها، إذ كانت قضاياهم خاصَّة. وحول رفع الإقامة الجبرية قال للقائد: “إنهم مُسِنُّون، وإذا وقع لهم شيء فسيُكتَب أنها مسؤولية النظام، ويجب اتخاذ قرارا بشأنهم، وتقديم معلومات أكثر حول أوضاعهم الصحية أيضًا للقائد.
قبل شهر قال رجائي بشكل خاصّ لرفسنجاني: “استمرّت الإقامة الجبرية 7 سنوات، ألا ترغب في التفكير في حلّ لهذه القضية؟ قال: لقد تحدثت لمرات في هذا الموضوع”، مضيفًا: عام 2012 ذهبت في عطلة العيد إلى القائد خامنئي، وقلت: ألديك خبر جيد ويصبح عيدية لنا؟ قال القائد نقلًا عن هاشمي: بعد العيد سيصل خبر جيد إلى مسامعك. وبعد العطلاتُ سألت القائد، ألن تقول ما الخبر الجيد؟ قال إنه كان من المقرر أن يحدث شيء تجاه رفع الإقامة الجبرية، ولكن بعض الأفراد لم يسمحوا بهذا.
ويقول رجائي إن هاشمي كان حلقة هامَّة ورئيسية بين النظام والمجتمع والشعب، وقدّم تضحيات كثيرة في هذا السبيل، مؤكِّدًا أن عدم وجود مثل هذا الشخص في المستقبل سيجعل إيران تواجه مشكلة.
من جانب آخر أوضح محمد رضا خاتمي في حوار له أن خلال البعض يتحدث هذه الأيام عن وجود فجوة وشرخ في صفوف الإصلاحيين بعد وفاة هاشمي، لافتًا إلى أن عدم وجود هاشمي سيتم إدراكه والإحساس به لأنه كان له مكانة كبيرة في الساحة السياسية، وأنه لا يعتقد أن يستطيع شخص آخر أن يحصل على تلك المكانة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير