هاشمي رفسنجاني.. وفاة مخزن أسرار الثورة

كانت فضحية”إيران كونترا”، كما يصفها المعارضون لرفسنجاني، التي زُوّدت بموجبها إيران بالأسلحة الأمريكية التي كان يصفها النظام الجديد بالشيطان الأعظم، من إسرائيل إلى طهران في أثناء الحرب الإيرانية-العراقية، هي النقطة الأبرز في تاريخ رفسنجاني الطويل، الذي وصل إلى نهايته مساء اليوم، الأحد، إذ توُفِّي علي أكبر هاشمي بهرماني، المعروف برفسنجاني، المولود في سبتمبر 1934، الشخصية التي تَوَلّت جميع المناصب القيادية في النظام الإيراني ما بعد الثورة في 1979 مرورًا برئاسة الجمهورية والبرلمان نهايةً برئاسة مجلس تشخيص مصلحة النظام، ولم يكُن ينقصه سوى قيادة الجمهورية فعليًّا بعدما ظلّ لعقود يقودها من وراء حجاب.

» رفسنجاني ما قبل الثورة


علي أكبر رفسنجاني، الصديق المقرَّب من القائد الحالي علي خامنئي، وأحد طلاب مؤسس الجمهورية روح الله الخميني، بعد انتصار الثورة في إيران أصبح أكثر السياسيين نفوذًا في إيران بعد قائد الجمهورية خلال الخمسة عشر عامًا الأولى من الثورة. رفسنجاني أعلن دعمه لرؤى الخميني السياسية في مواجهته ضدّ الشاه البهلوي محمد رضا، وأُلقِيَ القبض عليه 7 مرات حتى انتصار الثورة بسبب تحرُّكاته ضدّ حكومة الشاه البهلوي.

» رفسنجاني الثورة


يُعَدّ رفسنجاني أحد مؤسِّسي مجمع رجال الدين المناضلين في 1978 الذي تَحوَّل بعد انتصار الثورة إلى أكثر التشكيلات السياسية لرجال الدين تأثيرًا المحافظين في إيران، وظلّ عضوًا فيه حتى وفاته. واختاره الخميني على اعتاب انتصار الثورة عضوًا في مجلس الثورة، وإلى الوقت الذي حُلّ فيه هذا المجلس في 1981، كان أحد أكثر الأعضاء تأثيرًا فيه.
كذلك لعب رفسنجاني دورا مهمًّا في تأسيس حزب “الجمهورية الإسلامية”، أكثر الأحزاب السياسية دعمًا للحكومة، وإلى وقت حلّ هذا الحزب في 1988 كان أحد أعضائه المعيَّنين.
كان أول المناصب التي تولاها رفسنجاني بعد الثورة رئاسة مجلس الشورى بعدما أُسِّسَ في 1981، وظلّ في هذا المنصب حتى توَلِّيه رئاسة الجمهورية بعدما اختير علي خامنئي رئيس الجمهورية آنذاك خلفًا للخميني الذي توُفِّي في 1988.
وكان ممثلًا للخميني في المجلس الأعلى للدفاع منذ عام 1982 طوال فترة الحرب العراقية-الإيرانية، إلى حين تشكيل المجلس الأعلى للأمن القومي في 1990، أعلى مجلس لاتخاذ القرار في الشؤون العسكرية. في 1988 عيَّنه القائد آنذاك في منصب نائب قائد كل القوى الذي يعمل كل قادة الجيش والحرس الكبار تحت قيادته، وهو الذي أقنع القائد بعد شهر ونصف من تعيينه في هذا المنصب بقبول قرار 598 لمجلس الأمن الذي أدَّى إلى إنهاء حرب السنوات الثماني.
الدور الأبرز لرفسنجاني كان بعد وفاة الخميني في 1988، حين لعب دورًا مؤثِّرًا في انتخاب خامنئي في منصب خليفة القائد في جلسة مجلس الخبراء, رفسنجاني على الرغم من جميع خلافاته مع خامنئي بعد تعيينه في منصب القائد، احتفظ لنفسه برئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام منذ تأسيسه بقرار من الخميني في 1987 حتى وفاته.

» رئاسة الجمهورية


تَوَلَّى رفسنجاني رئاسة الجمهورية خلفًا لخامنئي في 1988، وأعلن أن أولوية حكومته الرئيسية إعادة بناء الاقتصاد الإيراني بعد الحرب مع العراق، وتولَّى رئاسة الحكومة لدورتين رئاسيتين، وخلال تلك الفترة تَقدَّم بالاقتصاد الإيراني نحو التحرير وتخفيض دور الحكومة نسبيًّا، وتزايد النموّ الاقتصادي لإيران والمعاملات التجارية مع المجتمع الدولي، ووصل مستوى التضخُّم إلى معدَّل غير مسبوق في إيران الجمهورية.
وعلى صعيد العلاقات الدولية أسهم رفسنجاني في تحسين العلاقات بين إيران والخليج العربي في نهايات تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه على الرغم من ذلك هاجم “عاصفة الحزم”، إذ قال المستشار البرلماني لرئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك قدرة الله علي خاني: “لقد أدان (الشيخ) خلال لقائه بعض المسؤولين الهجومَ السعوديّ على اليمن”.
كما شهدت فترة حكمه أجواءً ثقافية أكثر انفتاحًا، وانخفضت ضغوط الحكومة على الحريات الاجتماعية بالمقارنة مع فترة الخميني، إذ دانت له الأمور خلال الفترة الانتقالية ما بين المرشد السابق والحالي، ومع هذا ظلت الأجواء السياسية، ووضع معارضي ومنتقدي الحكومة، تحت ضغوط أمنية شديدة، واغتالت وزارة الاستخبارات عشرات الأشخاص المعدودين تهديدًا أمنيًّا، ومنهم المعارضون والمنتقدون السياسيون في الداخل والخارج، وكان هدف إحدى هذه العمليات اغتيال سكرتير أول الحزب الديمقراطي الكردستاني ومرافقيه في 1992، في مطعم في برلين الألمانية، وعلى أثر هذه الحادثة تَوَتَّرَت العلاقات بين إيران وألمانيا، بعدما أدانت محكمة ألمانية كلًّا من خامنئي ورفسنجاني ووزير الاستخبارات آنذاك علي فلاحيان، وعلي أكبر ولايتي، ثم سحبت كل دول الاتحاد الأوربي سفراءها من طهران.

» ما بعد رئاسة الجمهورية


وعلى الرغم من دعم رفسنجاني لمحمد خاتمي في انتخابات 1996 الرئاسية والعلاقات الجيدة بين رفسنجاني وخاتمي، اندفع كثير من الإصلاحيين إلى انتقاد سياسات حكومة رفسنجاني السابقة، ووصلت تلك الانتقادات إلى أوجها قبل انتخابات مجلس الشورى في دورته السادسة في 1999 بعدما هاجم تيَّار من النشطاء والمجلات الإصلاحية أداء وزارة الاستخبارات بحكومة رفسنجاني في قتل المعارضين ومنتقدي الحكومة، تلك الانتخابات التي حلّ فيها رفسنجاني بالمرتبة الثلاثين على محافظة طهران، مما جعله ينسحب من في هذا المجلس.

» محاولات العودة


لم يكتفِ رفسنجاني بدورتين رئاسيتين، بل عاد ورشَّح نفسه منافسًا في انتخابات 2005 الرئاسية، إلى أن وصل إلى المرحلة الثانية في المنافسات مع محمود أحمدي نجاد، الذي انتصر في النهاية على شيخ إيران، وفاز برئاسة الجمهورية.
وفي أعقاب فوز أحمدي نجاد، انتقد هاشمي التدخُّل المنظَّم في توجيه الأصوات، واتهم المرشَّحون الآخرون أمثال مهدي كروبي مصطفى معين، المؤسَّسات العسكرية بالتدخُّل في الانتخابات.

» رئاسته لمجلس الخبراء


وصل في انتخابات مجلس خبراء القيادة في 2006 إلى المرتبة الأولى في تلك الانتخابات عن العاصمة، وحلّ أشدّ منافسيه والداعم الرئيسي لحكومة أحمدي نجاد، محمد تقي مصباح يزدي، في المرتبة السادسة، وفي أعقاب وفاة رئيس الخبراء آية الله علي مشكيني، وصل رفسنجاني إلى رئاسة هذا المجلس أيضًا، وظلّ في هذا المنصب إلى بدايات 2011.

» دعمه للحركة الخضراء


في انتخابات 2009 الرئاسية اندفع رفسنجاني لدعم مير حسين موسوي أمام محمود أحمدي نجاد، الذي تَرَكَّزَ داعموه في قطاع مهمّ من دعاية موسوي الانتخابية على الهجوم على نشاط رفسنجاني السياسي والاقتصادي هو وأسرته.
ولم ينتهِ الأمر بفوز أحمدي نجاد بالانتخابات رئاسة الجمهورية، إذ اتهم مهدي كروبي ومير حسين موسوي بتزوير الانتخابات، ثم اندفع المتظاهرون المعترضون بشكل واسع على انتخابات الرئاسة إلى الشوارع، في مظاهرات صاحبها ردّ فعل حادّ من خامنئي وتعامُل شديد من القوات الأمنية.
وخلال هذه الفترة اهتمّ رفسنجاني في تصريحات منفصلة بالتشكيك في العملية الانتخابية وانتقاد نهج التعامل مع المعترضين، كما تلاها بخطابات في خُطَب الجمعة، مِمَّا نتج عنه حرمانه من إمامة صلاة الجمعة التي لم يغِب عنها منذ بداية الثورة.
ولم يقتصر الردّ على تصرُّفات هاشمي هذه بحرمانه من خطب الجمعة التي يتولى تعيين أئمتها خامنئي، فقد سُجن اثنان من أبنائه، فائزة ومهدي، بتهم مختلفة، منها الضلوع في الفوضى التي تَلَت انتخابات رئاسة الجمهورية في 2009.
كما تراجع رفنسجاني عن الترشُّح في الانتخابات الداخلية لمجلس الخبراء على منصب الرئيس، مع تزايُد الضغط عليه، لكنه احتفظ بعضويته في المجلس حتى انتهاء فترته القانونية، ولم ينجح في الوصول إلى هذا المنصب مرة أخرى.

» دعمه لروحاني


ومع رفض مجلس صيانة الدستور أهليَّة رفسنجاني للترشُّح في انتخابات رئاسة الجمهورية 2013، اندفع رفسنجاني لدعم روحاني، الدعم الذي وصل بروحاني في النهاية إلى منصب رئاسة الجمهورية، الذي ردّ الدين لرفسنجاني بتعيين كثيرين من المقربين منه في المناصب الحكومية، فتزايد نفوذ رفسنجاني في السياسة الإيرانية من جديد نسبيًّا، ونال المرتبة الأولى في انتخابات مجلس خبراء القيادة في 2016 عن طهران، بعدما رُفضت أهلية جميع مرشَّحي داعمي الحكومة، وكانت المنافسة بينه وبين متشددين للسياسات المحافظة: أحمد جنتي الرئيس الحالي للمجلس، ورئيس المجلس آنذاك محمد يزدي، ومنظِّر التيَّار الأصولي محمد تقي مصباح يزدي، ولم يحصل الأخيران منهم على التصويت اللازم لدخول المجلس، مِمَّا أدَّى إلى وصول جنتي بعد دعم التيَّار الموالي لخامنئي إلى رئاسة المجلس في انتخابات الخبراء الداخلية.
الاتهامات الدولية
على الجانب الآخر تَوَرَّط رفسنجاني في عديد من العمليات الإرهابية التي نفّذتها إيران في الخارج، وكان على رأسها حادثة مركز آميا للطائفة اليهودية في العاصمة الأرجنتينية بيونس إيرس عام 1994، الذي أدَّى إلى مقتل 85 شخصًا وإصابة مئات، ففي 25 أكتوبر 2006 اتّهم المدّعون العامّون بالأرجنتين رسميًّا حكومة إيران لأنها أمرت بتنفيذ هذا التفجير، متهمة خامنئي ورفسنجاني وعلي أكبر ولايتي.
ومؤخَّرًا قضت محكمة استئناف في الأرجنتين بإعادة فتح التحقيق في اتهام رئيسة البلاد السابقة كريستينا فرنانديز بمحاولة التستُّر على دور إيران في تفجير مركز يهودي في بيونس أيرس عام 1994.
كما شهدت فترة رئاسته توتُّرًا في علاقات إيران بألمانيا خصوصًا والاتحاد الأوربي عمومًا، إذ اغتالت وزارة الاستخبارات عشرات الأشخاص الذين تعدُّهم تهديدًا أمنيًّا، كما سبق وذكرنا.

» ردود أفعال شعبية


بمجرَّد انتشار خبر وفاة أحد المشاركين في تأسيس الجمهورية في إيران، توالت ردود الأفعال الشعبية، التي لم تجد لها حيِّزًا سوى صفحات موقع التدوينات القصيرة “تويتر”، التي تدلّ على مدى شعبية رفسنجاني، إيجابًا أو سلبًا، إضافة إلى مخاوف الإصلاحيين حول مستقبل هذا التيَّار بعد رحيل رفسنجاني.
كتب أحد النشطاء، يُدعىَ أمير هادي: “ستدخل البلاد في فترة حساسة بموت هاشمي رفسنجاني”، فيما اعتبر فرهاد أن “ظهر روحاني قد انقصم بموت رفسنجاني”، وعبرت أميد عن موت رفسنجاني بقولها: “حزينة بشدة لموته؛ كان يفعل كل ما يجب فعله… فقدانه سيكون ملموسًا للغاية في مستقبل إيران”.
وكانت مجموعة أخرى من التغريدات التي يغلب عليها الطابع المحافظ فرحةً بوفاة أحد داعمي “فتنة 2009″، إذ قال شاسمك: “لو كان أحد يقول يوم وفاة رفسنجاني سوف تمتلئ عيوني بالدموع وسط الشارع، لكنت تشاجرت معه”.

» إيران ما بعد رفسنجاني


يصف أحد المحلِّلين السياسيين وفاة هاشمي رفسنجاني بأنها تعني فقدان إحدى أهمّ قنوات التأثير على قرارات علي خامنئي، وأحد أكبر الداعمين للرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، كما يزيد المتشدِّدون والأصوليون حصار خامنئي، كذلك ستنتهي الثنائية التقليدية في السياسية الإيرانية بوفاة رفسنجاني، إذ وصلت ثنائية رفسنجاني-خامنئي، ورفسنجاني-أحمدي نجاد، ورفسنجاني-محمد يزدي، إلى نهايتها.
من جهة أخرى، من الممكن أن تكون وفاة رفسنجاني فرصة لروحاني للخروج من عباءة أستاذه، وملء الفراغ الناجم عن وفاته، فمن الممكن اعتبار روحاني أهمّ تلاميذ رئيس إيران الأسبق، وحاليًّا حلّت أكثر تجارب حسن روحاني صعوبة، في ظلّ الغياب الإجباري لمحمد خاتمي ومهدي كروبي ومير حسين موسوي، وعلى عاتق روحاني مَهَمَّة الحفاظ على ميراث هاشمي السياسي، ومانع اندثار تيَّاره، كذلك من الممكن أن يكون لروحاني نفس التأثير الإيجابي على الرأي العامّ والمعاملات السياسية.
جدير بالذكر أن الحكومة الإيرانية أعلنت الحداد العامّ في البلاد 3 أيام، واعتبار يوم الثلاثاء، يوم تشييع جثمان رفنسجاني، إجازة عامَّة، فيما أشار محمد شقيق رفسنجاني إلى أنه سيُدفَن جثمان رئيس إيران الأسبق في مدينة قم، ويُشيَّع من مدينة طهران في مراسم رسمية.

 

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير