هل تنشب الحرب بين إيران وإسرائيل؟

ما احتماليات أن يتحول التوتر الراهن بين تل أبيب وطهران إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟ وقد شهدنا خلال الأيام الأخيرة تحوّلات من قبيل الغارة الإسرائيلية على مواقع في سوريا قيل إنّ قوات إيرانية كانت توجد فيها، الأمر الذي استدعى ردّ رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، علاء الدين بروجردي، عندما قال: “سنردّ بشكل مناسب على ذلك في الزمان والمكان المناسبين”، هذا بينما قال مسؤولون أمريكيون إنّ إسرائيل تستعدّ لمواجهة عسكرية مع إيران في سوريا.
في ظلّ التصريحات الصادرة عن رئيس وزراء إسرائيل حول سرقة حجم كبير من الملفات النووية الإيرانية من إيران، واتهام إيران بأنها مخادعة، وكذلك المصادقة على قانون في الكنيست الإسرائيلي يمنح السلطة لرئيس الوزراء ووزير الدفاع بأن يصدرا أوامر مباشرة بالهجوم على دولة أخرى، ما احتمالية المواجهة العسكرية بين البلدين؟

رأي الشارع الإيراني

جاءت ردود الإيرانيين على هذا السؤال متفاوتة، فيقول أحدهم إنه إذا وقعت أي حرب بين إيران وإسرائيل فإن الشعب الإيراني هو الذي سيدفع الثمن، وهو سيدفع على أي حال ثمن سياسات النظام الإيراني المتطرفة، سواء وقعت الحرب أم لم تقع.
أما محمد من مدينة مشهد فيقول: “كونوا على ثقة بأنه إذا اعتدت أي دولة أو شخص على وطننا فإننا سنحرق العالم بأكمله، وستلتهم هذه النيران الدول التي تدخلت في الحرب والتي لم تتدخل، لأننا نحن الإيرانيين إذا بدأنا عملًا فسنستمر فيه حتى النهاية”.
ويقول آخر: “لن تتجرأ إيران على شن حرب على إسرائيل، لأنها تعلم بأن أمريكا تدعم إسرائيل، وفي حال شنّت حربًا فسيُقضى على (الجمهورية الإسلامية) في غضون يومين كحدٍّ أقصى، لأن الشعب يشعر بالاستياء من النظام، ولأن النظام أيضًا لا يمكنه الصمود في مواجهة أمريكا”.
ويضيف أحدهم: “لن تتجرأ إيران على القيام بمواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، وهي تكتفي بمحاولة إشعال نيران الحروب في الدول المحيطة بإسرائيل”، أما فريد فيرى أنه إذا اندلعت حرب فإنها ستكون خارج الحدود الإيرانية، لأن روسيا لا تسمح بأن تقع حرب داخل إيران التي تمتلك فيها مصالح كبيرة.
ويقول بابك: “قدراتنا الجوية أضعف بكثير من الإمارات وتركيا والبحرين، ولا يمكن تخيّل نشوب حرب بين إيران وإسرائيل بسبب ضعف القوات الجوية الإيرانية، وبالتالي لن يخوض النظام الإيراني حربًا مع إسرائيل، هذا في حين تسببت ممارسات أحمدي نجاد السخيفة بأن قامت أمريكا بمضاعفة مساعداتها العسكرية لإسرائيل عشرة أضعاف”. أما علي من نيشابور فيعتقد أن إسرائيل ستقوم بتوجيه ضربات محدودة لمواقع نووية وبتروكيمياوية في شيراز وأصفهان.

أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا

يرى المحلل السياسي الإيراني حسين آرين أن نشوب حرب بين إيران وإسرائيل ليس بالأمر الجادّ، لأن إيران لم تخُض مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل حتى الآن، كما أن الأنشطة التي اعتمدتها إيران خلال الأعوام الأربعين الماضية كانت ولا تزال تقوم على أساس الحرب بالوكالة، إلا في حال أرادت إسرائيل أن تشن ضربة مباشرة، ولكن هذا كله مرهون بالتطورات التي ستحصل بشأن الاتفاق النووي وموقف أمريكا ونتائجه والرد الإيراني عليه.
ويضيف هذا المحلل خلال حواره مع إذاعة “فردا” بأن الممارسات الإيرانية المثيرة للتوتر بلغت مرحلة قامت فيها إسرائيل بغارات على مواقع قيل إنّ قوات إيرانية كانت توجد فيها، كما نشرت وسائل الإعلام الإيرانية هذا الخبر، ولكنها سرعان ما تراجعت عنه، ولكن وسائل الإعلام خارج إيران بثت هذه الأخبار.، وما يمكن فهمه من تصريحات علاء الدين بروجردي، حين قال إنّ إيران ستردّ بما يتناسب مع هذه الخطوة الإسرائيلية، أنه كان يقصد مقتل القوات الإيرانية، وفي حال استمرت هذه الحالة، واستمرت إسرائيل في توجيه ضربات إلى مواقع إيرانية خارج الحدود الإيرانية، عندها ستقع مواجهة عسكرية.
ويقول آرين: “إننا إذا أخذنا بعين الاعتبار الغارتين الإسرائيليتين الأخيرين على مواقع وجود القوات الإيرانية، فسنجد أن إيران قالت إن هناك هجومًا وقعًا، وأدى إلى مقتل عدد كبير من القوات، وتلت هذه الغارات تهديدات حادّة من قِبل الحرس الثوري، وتهديدات أكثر نعومة من قِبل الدبلوماسيين الإيرانيين، ولكن إيران لم تقدم على أي خطوة عملية للردّ على ذلك، وإذا كان النظام وأركان النظام الإيراني يتمتعون بالعقلانية والمنطق فلن تتجه الأمور إلى الحرب، ولكن إذا زادت التهديدات عن حدّها، وصار هناك نوع من التصعيد، فسيعتمد رجال الدولة نهجًا غير عقلاني وغير مدروس، خصوصًا قيادات الحرس الثوري الذين يقبعون على رأس هرم السلطة، وإذا وقعت الحرب فسيدفع الشعب الإيراني ثمنها وستتقوى أعمدة النظام.

الاتفاق النووي ودوره في اندلاع الحرب

يرى المحلل السياسي رضا تقي زاده أنّ هناك احتمالية لوقوع حرب بين إيران وإسرائيل، كما أن هناك بالفعل حروبًا بالوكالة بينهما في سوريا، لكنه يستبعد أن تكون الحرب بينهما كتلك التي اندلعت بين العراق وإيران واستمرّت ثماني سنوات، والسبب هو أن إيران لا تملك حدودًا بريّة مع إسرائيل، وليس هناك خلافات حدودية بينهما، وهي بالطبع أكبر دافع للحروب لأنها تعرض الأمن القومي للدول للخطر.
ويضيف تقي زاده لإذاعة “فردا”: “يمكن للتوتر أن يؤدي إلى الحرب، وهنا يجب أن ننتظر الموقف الأمريكي بشأن الانسحاب من الاتفاق النووي، وهل الأمريكيون سيقدمون بالفعل على هذه الخطوة أم لا؟ وما طبيعة الرد الإيراني على انسحاب أمريكا من الاتفاق؟ بالطبع لن تكون عملية انسحاب إيران من الاتفاق النووي سهلة، فإذا انسحبت إيران من الاتفاق النووي فسيرافق ذلك عمليات انتقامية من جانب إيران، وهذه العمليات الانتقامية ستؤدي دون شك إلى مواجهة عسكرية، لكن هل تملك إيران القدرة على القيام بعمليات انتقامية؟ الجواب هو أنها تملك قدرة صاروخية إلى حد ما، ومن شأن التصعيد أن يعرض الشرق الأوسط لظروف جديدة من التأزم.
ويؤكّد حسين آرين بدوره أن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي سيكون له دور في نشوب الحرب، ويرى أن الاتفاق النووي أداة تُستخدم من قِبل مختلف الأطراف للوصول إلى مآرب أخرى، ويضيف: “إذا انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي، ولا أعتقد أنها ستنسحب بشكل كامل، فسيؤدي ذلك إلى التصعيد والمواجهة، وتهديدات نتنياهو تأتي في هذا السياق بشأن الكشف عن المعلومات النووية القديمة.
ويرفض رضا تقي زاده ما أشار إليه حسين آرين من أن يكون الاتفاق النووي بالنسبة إلى إيران مثل اتفاقية تركمنجاي، التي وُقِّعت بين روسيا وإيران عام 1928 ونصّت على أن تتنازل إيران عن إقليمَي “إيروان” و”نخجوان” لصالح روسيا، فضلًا عن منح روسيا امتيازات اقتصادية وجمركيّة، “ففي تركمنجاي كانت المعاهدة تخصّ السيادة الوطنية لإيران، ولكن الاتفاق النووي هو بشأن البرنامج النووي الإيراني السخيف، الذي يضحي من أجله المسؤولون بالسيادة الوطنية والمصالح الوطنية، وكلف البلاد والشعب خسائر هائلة بمئات المليارات من الدولارات”، ويعتقد أن هذه التعديلات التي يتحدث عنها ترامب قابلة للتنفيذ، وأنّ على النظام الإيراني وقف برنامجه النووي، لو كان فعلًا نظامًا وطنيًّا، ويحظى بتأييد الشعب.
ويضيف تقي زاده: “أعتقد أن الحصول على أسلحة نووية لن يؤدي إلى زيادة الثبات في إيران، فهي ليست في ظروف حرب مع دول الجوار بحيث تحتاج إلى السلاح النووي، لكن المشكلة تكمن في أن النظام الإيراني ليس نظامًا وطنيًّا، وهناك تناقض بين مصالح النظام والمصالح الوطنية، في حين أنّ قوّتنا تكمن في الوصول إلى التنمية الاقتصادية وتحقيق الرفاه وتحسين الظروف المعيشية، وليس في الحروب بالوكالة في سوريا ولبنان واليمن والعراق. وهناك فرق بين الأمن القومي ومصالح النظام، إذ يستطيع النظام الإيراني من خلال إصراره على الاستمرار في البرنامج النووي أن يجر البلاد إلى مواجهة عسكرية مع دول أخرى كما حدث خلال الحرب بين العراق وإيران، صحيح أن هناك تيارًا يعتقد أن الشعب سيقف مع النظام في حال نشوب حرب جديدة، كما حدث خلال الحرب العراقية-الإيرانية، ولكن حساباتهم هذه المرة خاطئة”.

وثائق مسرّبة

يقول سعيد، وهو مواطن إيرانيّ، إنّ الوثائق التي كشفتها إسرائيل بشأن البرنامج النووي الإيراني ذريعة لشن حرب على إيران، وأن المسؤولين في إسرائيل وإيران يتصرفون بعناد وحدّة، ولكنْ هناك دول مثل روسيا القريبة من إيران، وأمريكا القريبة من إسرائيل، تعتمد سياسة عقلانية مبنية على المصلحة، بحيث لا تسمح روسيا ولا أمريكا بأن تتطور الأمور إلى حرب، لأن الحرب لا تؤدي إلى نتيجة.
وترى المواطنة الإيرانية، نسرين، أن جوهر القضية يكمن في الجواسيس، فالجواسيس هم من قاموا بتسريب هذه الوثائق، وهذا يُظهر أن إيران مليئة بالجواسيس، ومنهم من يعمل داخل النظام، وهذا ما اتّضح بعد إلقاء القبض على أحد أعضاء فريق المفاوضات النووية الإيراني. وتضيف: “أنا شخصيًّا وكل الشعب الإيراني لا نرغب بخوض حرب مع إسرائيل، كما أنّ الشعب الإيراني لا يدعم النظام في حال نشوب حرب، فالأوضاع الآن تختلف عما كانت عليه إبّان الحرب مع العراق”.
يقول بهزاد، مشاركًا في النقاش عبر “تلغرام”: “يسأل كثيرون كيف حصل الموساد على هذه الكمية الهائلة من المعلومات؟ أنا أعتقد أن الحرس الثوري قدم هذه المعلومات لإسرائيل ليقولوا للعالم بأننا لا يفصلنا إلا القليل حتى نصبح قوة نووية، وإذا مزقتم الاتفاق النووي سنصبح قوة نووية. هذه هي ألاعيب الحرس الثوري”.
المحلل السياسي حسين آرين يرى أنه لا يمكن فرض عقوبات للأبد على البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني، وهناك احتمالان بشأن كشف نتنياهو عن الوثائق، وهما إما أن نتنياهو يعرف مسبقًا القرار الذي سيعلن عنه ترامب، وهو بذلك يمهد الطريق لخروج ترامب من الاتفاق النووي، وإما أنه لا يعلم بشأن القرار ويريد ممارسة ضغوط أكبر على ترامب والمجتمع الدولي بشأن الاتفاق النووي. ويضيف: “أنا أعتقد أن هذه الوثائق ليست بجديدة، وأن دول مجموعة ٥+١ التي أبرمت الاتفاق النووي كانت تعلم بأن إيران لم تقدم كل المعلومات بشأن برنامجها النووي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وانتشار هذه الوثائق في الوقت الحاضر هو لأغراض دعائية”.
ويردّ المحلل رضا تقي زاده على آرين بأنّ نظام “الجمهورية الإسلامية” والشعب الإيراني ليسوا على وفاق، وأنّ هناك شريحة واسعة تريد التحرر من النظام، حتى إنها ترحب بالتدخل الخارجي، و”بغض النظر عن محتوى هذه الوثائق، فإن هناك حقيقة تقول إن بعض دول المنطقة والمجتمع الدولي بدأت بتشكيل ائتلاف ضدّ إيران، ويمكن لهذه الوثائق أن تكون جزءًا من الحرب التي تجبر إيران على الوقوف موقف المدافع، وهناك أيضًا حرب دبلوماسية ومنها قطع العلاقات مع المغرب، وبيانات الجامعة العربية ضدّ إيران، وهناك حرب مالية ستتوسع بعد الخروج الأمريكي المحتمل من الاتفاق النووي، وهذا كلّه جزء من المواجهة الشاملة مع إيران، والتي يمكن أن يكون أحد أوجهها الحرب، في حين نرى النظام الإيراني يراهن بمصالح الشعب بتدخلاته في المنطقة وملفه النووي، بينما الشعب الإيراني ليس لديه مشكلات مع الشعب الإسرائيلي”.
ويضيف تقي زاده أنّ إيران تتجه نحو حرب لا تمتلك الإمكانيات لخوضها، ولا لتلافي الدمار الذي سيلحق بها جراءها، وهو دمارٌ ستبقى آثاره لعقود كما هي الحال مع الآثار الباقية للحرب مع العراق.

مادة مفرَّغة ومترجمة ومحرَّرة عن حلقة نقاشية بموقع “راديو فردا”

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير