هل يُنهي البنك المركزي الإيراني أزمة المؤسسات المالية؟

في أربعينيات القرن الماضيّ شهد الاقتصاد الإيرانيّ أفضل حالاته، إذ خُصصت برامج عِدة للنهوض به. ومع قيام الثورة عام 1979 والتغيرات التي حدثت في البنية السياسية والاقتصاديَّة، بجانب تأميم جميع البنوك، ووضع أسس ماليَّة جديدة -تزامنت مع انتهاء الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة- وحدوث بعض العقوبات الدوليَّة، بدأت المؤسَّسات الماليَّة في الظهور على سطح الاقتصاد الإيرانيّ بطريقة متعثرة نظرًا إلى قلة الخبرة، وعدم القدرة على جذب الإيرانيّين وتقديم عائدات أفضل من عائدات البنوك، وهو ما تَسبَّب في حالة من الانكماش، إلا أن تلك المؤسَّسات عادت للعمل مرة أخرى في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، وبدأت تظهر مؤسَّسات غير قانونية تعمل بعيدًا عن اللوائح والقوانين التي أقرها البنك المركزي الإيرانيّ، وبهدف جذب الشعب بأكبر عدد ممكن قدمت تلك المؤسَّسات غير القانونيَّة عائدات أعلى، وتِباعًا زاد الطلب عليها، ورغم ذلك ظلت متمسكةً ببعدها غير القانونيّ، وبدلًا من أن تؤثّر تلك المؤسَّسات في المشروعات الاستثمارية وزيادة النمو الاقتصادي استحوذت على أموال الإيرانيّين مستثمرةً إياها في قطاع اقتصادي واحد هو القطاع العقاري، وهو ما تسبب في إحداث خلل بباقي القطاعات التي تحتاج إلى رؤوس الأموال. وما لم يكُن في الحسبان أن ذلك القطاع شهد ركودًا حادًّا في فترةٍ من الفترات، وهو ما جعل تلك المؤسَّسات تقدِّم قروضًا مالية مرتفعة القيمة لمسؤولين كِبار في النِّظام دون أخذ ضمانات، بهدف حمايتها سياسيًّا، إلا أنها في الوقت نفسه لم تُعطِ المواطنين الذين أودعوا أموالهم عائدات، ولا حتى أصولهم الماليَّة، وبمرور الوقت أعلن عدد من تلك المؤسَّسات إفلاسه، وفي الشهر الماضي نشرت صحيفة «شــرق» تقريرًا عن فساد مؤسَّسة «ثامن الحجج» الائتمانية، وتناول التقرير تَوَرُّط بعض المشاهير والشخصيات المهمَّة في ذلك، دون أن يُفصح التقرير عن أي أسماء، مكتفيةً بالإشارة إلى تلك الأسماء بالأحرف الأولى فقط، إلا أن هذا التقرير فتح النقاش مرة أخرى حول مسألة المؤسَّسات المالية المنتشرة في إيران ما بعد الثورة، وما فعلته ببنية البلاد الاقتصاديَّة.

مؤسَّسة «كاسبين» نموذجًا
عندما بدأت مؤسَّسة «كاسبين» للتمويل المالي والائتمان بالعمل كانت تُقدِّم أعلى فائدة بين المؤسَّسات، إذ بلغت تلك الفائدة إبان تلك الفترة نحو 25 بالمئة، وهو ما اعتُبر عاملًا جذب لكثير من الإيرانيّين، وكأغلب المؤسَّسات كانت مؤسَّسة «كاسبين» تستثمر أموال المودعين في سوق العقارات، ولكن من بداية 2017 توقفت المؤسَّسة عن دفع العائدات للمُودِعين، وأخذ المسؤولون يقدمون كل يوم أعذارًا، وعندما فشلوا في إقناع المواطنين، أعلنت إفلاسها في شهر مايو من نفس العام، وهو ما تسبب في احتجاج المودعين واعتصامهم أيامًا طويلة أمام المحكمة في طهران، دون أن يحصلوا على أي شيء من تلك الأموال التي أودعوها.

بعد كاسبين بدأ عدد من المؤسَّسات رويدًا رويدًا في الامتناع عن دفع العائدات، ومن ثم إعلان إفلاس المؤسَّسة، وفي هذا الصدد يقول بعض المحللين الاقتصاديين إن «تلك الأزمة التي خلقتها المؤسَّسات المالية كانت الشرارة الأولى للمظاهرات التي اندلعت في أغلب المدن الإيرانيَّة نهاية عام 2017». وكان صندوق النقد الدولي حذَّر الحكومة الإيرانيَّة من أن تلك المؤسَّسات ستخلق أزمة كبيرة، مؤكّدًا في الوقت ذاته أن «القطاع المركزي في حاجة إلى إعادة هيكلة بشكل عاجل».


«ثامن الحجج» ومحاولات للإنقاذ

عندما زادت خطورة تلك المؤسَّسات على الاقتصاد الإيرانيّ، وفقد كثير من الإيرانيّين أموالهم فيها، كانت هناك مؤسَّسة «ثامن الحجج» التي عملت على تقديم دعاية كبيرة لها بجانب عائدات تصل إلى 40 في المئة من الأصول. ولسوء الحَظّ نجحت تلك المؤسَّسة في جذب عدد كبير من الإيرانيّين بعد أن انتشرت في مدن كثيرة، لكنها شرعت في عملها دون أن تنهي وضعها القانوني بالشكل المفروض، وهو ما جعل البنك المركزي الإيرانيّ الذي حاول جاهدًا في العامين الماضيين أن يحدّ من عمل المؤسَّسات غير القانونية، يتعامل مع ثامن الحجج سريعًا قبل أن تقع الكارثة وتعلن إفلاسها وتضيع مدَّخَرات المواطنين.

في البداية طلب البنك المركزي من مؤسَّسة ثامن الحجج أن تُقدِم على طلب تصاريح للعمل بشكل قانوني، بجانب تقديم ملف كامل عن الأموال التي أودعها بها المؤسِّسون، والنشاط الذي تنوي المؤسَّسة الاستثمار به، إلا أن ثامن الحجج رفضت تقديم أي معلومات للبنك المركزي، وحاولت أن تُخفِي نشاطها أو أي معلومات عن المؤسَّسات التي تندرج تحتها، وعلى الرغم من إرسال البنك المركزي فريقًا من المفتشين للتوصل إلى أي معلومات عن نشاطات المؤسَّسة أو حجم عملها، فإنه لم يتوصل إلى شيء.

ما الشروط التي وضعها البنك المركزي لعمل المؤسَّسات المالية؟
لكي يصبح عمل أي مؤسَّسة مالية قانونيًّا، ويضمن المواطنون عدم تَعرُّض أموالهم للنهب، يجب أن تستخرج المؤسَّسة تصريحًا من البنك المركزي، وتتمثل في البداية أن تقدِّم تلك المؤسَّسة طلبًا رسميًّا، وذكر رأسمال المؤسَّسة الذي يجب أن يكون من المساهمين لا من أموال المودعين، بجانب ضرورة أن يكون رأس المال خارجًا عن أي شبهات، وعندما يُعطِي البنك المركزي التصريح الأول للمؤسَّسة يُستخرَج ترخيص الإنشاء، وترخيص آخر للعمل في البورصة من مجلس النقد والائتمان، وفي نهاية الأمر يُصدِر البنك المركزي التصريح الأخير بموافقة أعضاء مجلس الإدارة بمزاولة المؤسَّسة للعمل، مع السماح لمفتشي البنك بزيارة المؤسَّسة من حين إلى آخر للتأكُّد من اتباعها اللوائح والقوانين.
لم تَتبع «كاسبين» و«ثامن الحجج» وغيرهما كل تلك التعليمات، وقدمت عائدات عالية واستثمرت في مجال واحد، فكان لا بد من انهيار كل تلك المؤسَّسات التي لا يوجد إلى الآن إحصاءات محددة بأعدادها، وكان المتحدث باسم الحكومة محمد باقر نوبخت، المستقيل، قد صرَّح مؤخَّرًا بقوله: «إنّ المسؤولين قد حذرَّوا الناس كثيرًا من تلك المؤسَّسات، لكنهم ما زالوا يستثمرون أموالهم بها»، وأضاف: «إننا نعلم مدى فداحة خسارتهم، ولكنهم لا يجب أن ينتظروا من الدولة أن تعوِّضهم تلك الخسارة»، في حين أعلن المرشد علي خامنئي أن الأمر قد وصل إلى ذروته، وعلى المسؤولين سماع شكاوى الناس، مصرِّحًا بقوله: «أنا نفسي مسؤول عن تلك الأزمة، وعلى الجميع حلّ تلك المشكلة».

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير