إلى أين سيؤدِّي «الأمل من أجل الطبيعة»؟

تَحوَّلَت تُهَم خمسة من النشطاء البيئيين في إيران إلى تهمة «الإفساد في الأرض»، بينما كانت التهمة الموجهة إلى هؤلاء المعتقلين في السابق «التجسُّس»، على الرغم من إصرار وزارة الاستخبارات ومؤسسة البيئة على براءتهم. والآن بخصوص آخر تطورات هذا الملف، يقول محمد حسين آقاسي، محامي الدفاع عن بعض هؤلاء النشطاء: «الحقيقة أن المدّعي العامّ طالب القاضي المسؤول عن هذه القضية بإحاطة المتّهمين بتهمة الإفساد في الأرض الموجَّهة إليهم، وقبِلَ القاضي هذا الأمر».
يقبع مراد طاهباز، وسام رجبي، وأمير حسين خالقي، وهومن جوكار، وسبيده كاشاني، ونيلوفر بياني، وطاهر قديريان، وعبد الرضا كوهبايه، منذ تسعة أشهر في الاعتقال المؤقَّت، أما رفيقهم الآخر كاووس إمامي فقد اعتقلته استخبارات الحرس الثوري منذ الأيام الأولى، ومات بين أيديهم، في حين أعلن المسؤولون أنه انتحر، الأمر الذي لم تقبله عائلة إمامي إطلاقًا. والآن، بحسب التقارير الواردة، فقد أُحيط مراد طاهباز ونيلوفر بياني وهومن جوكار وسبيده كاشاني وطاهر قديريان بتهمتهم الجديدة، الإفساد في الأرض.

 

محامون حكوميون وتُهَم خيالية
حسبما قال آقاسي، فعلى الرغم من أن المتّهمين وكّلوا محامين، فإن السلطة القضائية رفضتهم وعيَّنَت محاميًا عنهم، وأعلنت وكالة «إيرنا» قبل أيام أن رضا جعفري، مساعد سعيد مرتضوي مدَّعي عامّ طهران الأسبق، الذي حصل على رخصة مزاولة لمهنة المحاماة، وأحد المحامين الذين يثق بهم رئيس السلطة القضائية، عُيِّن محاميًا عن معتقلي قضية البيئة.
وكتب موقع «كلمة» موضحًا تغيير تهمة خمسة من نشطاء البيئة: «يبدو أن الجيش بعث برسالة تحتوي على بعض القضايا على شكل تقرير إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، وأعاد الأمين العامّ للمجلس علي شمخاني، إرسالها إلى المُدّعي العامّ دون إبداء الرأي، واتّخذ المدّعي العامّ، بناء على هذه الرسالة، قرارًا بتغيير التهمة»، ويقول آقاسي محامي الدفاع عن بعض هؤلاء النشطاء، إنهم ليسوا على اطِّلاع على رسالة الجيش التي تسببت في هذا التغيير.
لقد حوّلت الطريقة التي جرى من خلالها التعامل مع نشطاء البيئة المعروفين في إيران ملفّ هذه القضية إلى أكثر ملفات الاعتقالات إثارةً للجدل على مرّ السنوات الأخيرة، واستخبارات الحرس الثوري والادِّعاء العامّ هما الجهتان المسؤولتان حتى اللحظة عن اعتقال هؤلاء النشطاء، فقد خضعوا منذ اعتقالهم في فبراير لاستجواب استخبارات الحرس الثوري حتى أغسطس من العام الحالي، وبعد 7 أشهر من الاستجواب سُلّموا للادِّعاء العامّ، وفي نفس الوقت نجد أن الجيش من بين المؤسسات التي ورد ذكرها في هذا الملفّ حتى الآن، ويُقال إنه طُلب من الجيش خلال الأيام الأولى من الاعتقال أن يقدّم بعض التوضيحات حول المعتقلين، والآن بعد 9 أشهر أجاب الجيش عن هذه الأسئلة، وأرسلها إلى المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورود اسم الجيش في الملفات الأمنية في إيران ليس له أسبقيات، ويبدو أن هذا الأمر مرتبط بمزاعم استخبارات الحرس الثوري وما نشره موقع «مشرق نيوز» الاخباري المرتبط بها، قبل بضعة أشهر، من أن هؤلاء الأشخاص التقطوا صورًا للقاعدة الصاروخية الفضائية في منطقة خارتون في محافظة سمنان، وذكرت هذه المزاعم أن نشاطات هؤلاء الأشخاص وكاميراتهم، التي لا يصل مداها حسب الخبراء إلى أكثر من خمسين مترًا في أفضل الحالات، قد سُخِّرَت لأغراض التجسُّس، وأن هذا الأمر يشير إلى نفوذ أجهزة الاستخبارات الأجنبية في مؤسسة «بارسيان للحياة البريَّة» التي ينتمي إليها هؤلاء الناشطون.
ورفض رئيس مؤسسة الحفاظ على البيئة في إيران عيسى كلانتري، هذه المزاعم، قائلًا إن الكاميرات المخصصة لرصد النمر المرقَّط، والتي نُصِبَت في المناطق المحميَّة، لا يمكنها حتى التمييز بين النمر المرقّط والجمل من مسافة 20 مترًا.
إن المزاعم الأولية التي بُنيت عليها تهمة التجسُّس هي أن هؤلاء الأشخاص سلّموا أمريكا «معلومات حول المصادر المائية في إيران»، الأمر الذي رفضه أيضًا عيسى كلانتري، وقال في ردّه على وزير الاستخبارات إنه حصل على معلومات دقيقة حول بحيرة أروميه في غرب إيران، من إحدى الجامعات الأمريكية، في حين أنه رئيس مؤسَّسة الحفاظ على البيئة.

 

مساعٍ بلا جدوى لرفع التُّهمة
واجه إصرار الحرس الثوري والسلطة القضائية على إلصاق تهمة التجسُّس بهؤلاء النشطاء مقاومة بعض المؤسسات الأخرى داخل النظام، فقد ذكر عيسى كلانتري نقلًا عن وزير الاستخبارات أنه قال إن هؤلاء النشطاء ليسوا جواسيس، وأضاف كلانتري أنّ «المرجع الوحيد لتحديد كون أحدهم جاسوسًا من عدمه هو وزير الاستخبارات».


وقبل ذلك قال النائب عن مدينة طهران في البرلمان، محمود صادقي، إن خبراء وزارة الاستخبارات أعلنوا أن هؤلاء النشطاء المعتقلين ليسوا جواسيس، في حين طالبت أُسر المعتقلين في أغسطس الماضي من خلال رسالة إلى السلطات الثلاث، بتشكيل هيئة من نواب البرلمان والحكومة من أجل مقابلة المعتقلين ومتابعة أوضاعهم، فشكَّل حسن روحاني هيئة من 4 أفراد لمتابعة أوضاع المعتقلين، وكانت تضمّ كلًّا من وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، ووزير الاستخبارات محمود علوي، ووزير العدل مصطفى بور محمدي، ومساعدة الرئيس للشؤون القانونية شهيندخت مولاوردي. وحسب أقوال كلانتري التي بُنيت على نتائج متابعات هذه الهيئة، فإن النشطاء المعتقلين لم يرتكبوا أي جريمة، ولا يوجد أي أدلة بخصوص ذلك.
في خضمّ هذه المساعي العقيمة لإطلاق سراح هؤلاء النشطاء، أصاب مدّعي عامّ طهران عباس جعفري دولت آبادي، الجميع بخيبة أمل، إذ وجّه انتقاده إلى عيسى كلانتري بسبب «التدخُّل» في هذه القضية، قائلًا إنه لا يملك المعلومات الكافية حول الملف القضائي للمتَّهَمين، كما قال بخصوص الهيئة التي شكَّلها روحاني إن «هذه الجماعة لا يحقّ لها إبداء الرأي والتدخُّل في هذه القضية».
أما خامنئي فقد صرح منذ الأشهر الأولى للاعتقال في ردٍّ غير رسمي على رسالة عائلات المعتقلين، بأن «هذا ملفّ استخباراتي خاصّ بالسلطة القضائية، وليس من المقرَّر أن يتدخل مكتب المرشد فيه»، وبهذا غسل يديه من هذه القضية المثيرة للجدل برجعها إلى السلطة القضائية وتلويحه بتأييد ما تقرِّره.
أغلب هؤلاء النشطاء أعضاء في مؤسسة “بارسيان” للحياة البرية التي تنشط في مجال الأحياء والحفاظ على البيئة والحيوانات، ويركّز نشاطه على الأجناس المعرَّضة للانقراض، مثل النمر الآسيوي، والنمر المرقَّط الإيرانيّ، والدب الأسود الآسيوي، ووعل مقاطعة لرستان، وليست التُّهَم الموجَّهة إلى هؤلاء النشطاء، في وقت تعاني فيه البيئة في إيران من أزمة حادَّة، إلا مؤشرًا على نية النظام الجازمة الاستمرارَ في عملية التخريب هذه.
في الوقت الذي يعاني منه النظام في إيران من أزمة انسداد داخلية في مواجهة مشكلات البيئة، سواء من الناحية التقنية أو الناحية الإدارية، يبدو أن هذه المؤسسة المدنية التي تحاول تجهيز نفسها بأحدث العلوم المعاصرة في العالم لمواجهة هذه الأزمة، بديل مناسب لمؤسَّسات النظام المعنية المتهالكة.
وخلال الأشهر التسعة الماضية كان المجتمع المدني والأشخاص الذين يتابعون أوضاع هؤلاء النشطاء ينشرون آخر أخبارهم من خلال هاشتاغ #الأمل_من_أجل_الطبيعة، والآن ينظر هؤلاء الآملون إلى المحكمة بنفس الأسلوب السابق، ويقولون إنها مجرَّد اتهامات، ولا يزال من الأمل بقية، كما يقول عيسى كلانتري، في أن التهمة الجديدة الموجَّهة إلى نشطاء البيئة المعتقلين لم تُعلَن رسميًّا، وليست نهائية، وأنه يمكن تقديم استئناف فيها.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير