إيران: استمرار الانقسام حول الانضمام إلى مجموعة العمل المالي «FATF»

لا يزال الخلاف الدائر بين مؤسسات النظام الإيراني حول تطبيق معايير مجموعة العمل المالي «FATF»، يراوح مكانه على الرغم من الآثارِ الخطيرة التي قد تتعرّض لها البنوك والمؤسسات المالية الإيرانية المختلفة في حالِ استمرار رفض النظام الإيراني المصادقة على اللائحتين المتعلّقتين بمكافحةِ تمويل الإرهاب وغسيل الأموال. وكانت المجموعة في نهايةِ اجتماعها في باريس (22 فبراير 2019م) قد أمهلت إيران أربعة أشهرٍ أخرى لتمريرِ تشريعات مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، بعد انقضاء مهلةٍ أُعطيت لطهران في أكتوبر 2018م، وهو ما تسبّب في انتقاداتٍ وُجّهت لإيران بالمماطلة في الامتثال للقوانين الدولية.
وقبل أيامٍ من انتهاء المدّة التي حدّدتها مجموعة العمل، حذّر الرئيس الإيراني حسن روحاني من عدم المصادقة على اللائحتين ورهن تنمية العلاقات البنكية مع دولِ العالم بمصادقةِ مجمع تشخيص مصلحة النظام عليهما، رافضًا تحميل حكومته أو البرلمان أيّ مسؤولية عما ستؤول إليه الأوضاع الاقتصادية أو أي عقوباتٍ مستقبلية قد تطال البنوك الإيرانية.
يُرجّح أنّ مشروع القرار قد وجد معارضةً مشدّدةً من مجمع تشخيص مصلحة النظام بالإضافة إلى الحرس الثوري الإيراني ومجلس صيانة الدستور. ترى الأطراف الرافضة أنّ لوائح المجموعة تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية والدستور الإيراني، وتخشى من أن تؤدّي المصادقة عليها إلى فتح الباب أمام إمكانية محاسبة إيران دوليًّا بسبب دعمها لعددٍ من الجماعات التي تمّ تصنيفها كمنظماتٍ إرهابية مثل حزب الله اللبناني والحوثيين في اليمن. ومن جهةٍ أخرى يخشى النظام الإيراني من تحوّل موقف المتشدّدين الرافض للمصادقةِ على اللائحتين، إلى ذريعةٍ جديدةٍ لتعرّض إيران لمزيدٍ من العقوبات والضغوط الخارجية، خاصةً في ظلِّ استمرار تدهور الوضع الاقتصادي.
وفي خضمّ هذا الخلاف بدأت بالفعل ضغوطٌ دولية على إيران لحثّها على تطبيق لوائح مجموعة العمل المالي. فبالإضافة إلى التحذير الذي وجّهه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مطلع يونيو الجاري للحكومةِ الإيرانية بقوله: «إنّه يتعيّن على إيران التصديق على المعاهداتِ دون تأخيرٍ وبدون تحفّظ»؛ هناك الاشتراطات الأوروبية على إيران للتوقيع على هذه المعاهدات وإقرار تلك القوانين داخليًّا لكي يتم شطب اسمها من القائمة السوداء لمجموعة «FATF». وفي هذا الصدد يتصاعد قلق الحكومة الإيرانية من احتمالية تعرّضها لعقوباتٍ من الدول الأوروبية التي ظلّت خلال الفترة الأخيرة تربط بين تفعيلِ القنوات المالية مع إيران بالمصادقةِ على اتفاقيةِ مجموعة العمل المالي وتؤكّد مرارًا لبنوكها على ضرورةِ تطبيق المعايير والقوانين الخاصة بهذه المجموعة، ما يعني أنّ إيران ستكون مهدّدة بعدم حصولها على الموادِ الخام والسلع ووقف التبادل المالي بين بنوكها والبنوك الأوروبية.
بينما تواصل طهران تعنّتها، انتهت المهلة الممنوحة دون أن تحقّق أيّ خطوةٍ في هذا الاتجاه، وفي الاجتماع الدوري الذي عُقد يوم الجمعة (21 يونيو 2019م) في أورلاندو بولاية فلوريدا الأمیركية؛ قرّرت دول المجموعة تمديد الإجراءات العقابية ضدّ إيران ووافقت على شرطِ زيادة الرقابة على المؤسسات والقطاعات الفرعية المالية الإيرانية والتي نصّ عليها البيان العام الصادر في اجتماع (فبراير 2019م). كما حذّرت المجموعة من أنّها ستعيد فرض تدابير مضادّة على إيران مثل «تعزيز آليات الإبلاغ المنتظم عن المعاملات المالية، وزيادة التدقيق والفحص لفروع المؤسسات المالية الأجنبية الموجودة على الأراضي الإيرانية، إبقاء ايران في القائمة السوداء، تضرّر الأرصدة المالية الإيرانية في البنوك الأجنبية وتوقف هذه البنوك عن التعامل المالي مع البنوك والمؤسسات المالية الإيرانية»، إذا لم تُسن اللوائح المتعلّقة بمكافحةِ تمويل الإرهاب وغسيل الأموال بحلول أكتوبر القادم.
يظلُّ من غير الواضح أنّه في ظلّ استمرار حالة الانقسام الدائرة منذ شهورٍ بين مؤسسات النظام الإيراني حول معاهدةِ مجموعة العمل المالي «FATF»، ما إذا كانت ستفضي إلى رفضها بالكامل. بيد أنّ المؤشرات ترجّح أنّه في حالِ انقضاء المهلة الجديدة التي منحتها مجموعة العمل المالي إلى إيران، في شهر أكتوبر القادم دون الالتزام بمعايير المجموعة، فإنّ ذلك يعني أنّ إجراءاتٍ اقتصاديةٍ صارمةٍ ستقع على إيران في المستقبل القريب.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير