إيران وأفغانستان: مصالح مشتركة وقضايا عالقة

المقدمة:
تبنَّت إيران منهجًا مزدوجًا تجاه جارتها الشرقية أفغانستان، فهي تمثِّل أمامها فرصةً وتحديًا في آن واحد.
اتضح ذلك عندما سعت في عام 2018 -لأول مرةٍ- إلى استمالة جماعة طالبان في أفغانستان «عدو عدوها» (في إشارة هنا إلى أمريكا).
وعلى الرغم من أن حرص إيران على وجود حكومةٍ صديقةٍ لها في أفغانستان يبدو شرعيًّا، فإنها في الحقيقة تسعى للإضرار بمصالحها بالولايات المتحدة هناك.
وإلى جانب إجبار الولايات المتحدة على الخروج من أفغانستان دون إحلال بديل، ستعمل طهران على الاستثمار في الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي من المقرر إجراؤها في شهر أبريل إلا أنها قد تُجرى في شهر يوليو.
كذلك يُعَدّ تطوير الهند لميناء تشابهار، ومدّ إيران خطًا للسكك الحديدية إلى أفغانستان، حدثين مهمَّين في عام 2018، خصوصًا أنها ستُلقِي بظلالها على السياسة الإيرانية تجاه جارتها أفغانستان مستقبلًا.
ومع عجز إيران المالي الذي رافق خروج الولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) وفرض عقوبات جديدة عليها، فقد عملت على طرد آلاف اللاجئين الأفغان غير المسجلين إلى خارج أراضيها.

أولاً: إيران تلعب بورقة طالبان:
دفع خروج واشنطن من الاتفاق النووي إيران إلى استئناف سياسة الفوضى الخلَّاقة باستخدام طالبان الميليشيا المكوّنة من الطلاب السنة، التي نشأت بوصفها ردَّ فعلٍ للحرب الأهلية الدموية خلال التسعينيات من القرن الماضي، وكانت مسؤولة عن مذبحة عرقية الهزارة الشيعية، وإعدام تسعة دبلوماسيين إيرانيين في القنصلية الإيرانية في مزار شريف عام 1998.
وعلى الرغم من إلقاء المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، باللوم على باكستان في اعتداءات طالبان، ونشر 70 ألف جنديًا على طول الحدود الإيرانية-الأفغانية، عاودت إيران إمداد حركة طالبان بالمال والسلاح منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة.
ومن المحتمل أن إدارة أوباما كانت قد توقعت أن التعاون مع إيران في أفغانستان-ولا سيما بعد اللقاءات التي جرت بين كيري وظريف-سيفضي إلى اتفاق نووي ناجح، غير أنه بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تبنّت الإدارة الجديدة سياسة العداء بدل الوفاق تجاه طهران.
من جهتها تعمل إيران على تكرار ألاعيبها التي مارستها عام 2014، عندما برزت علاقاتها مع حركة طالبان بعد مغادرة قوات الناتو أفعانستان، لدرجة أنها افتتحت مكتبًا للحركة في مدينة مشهد الإيرانية كما كان المكتب السياسي في قطر على تواصل مع المكتب الموجود في إيران .
وفي أثناء سير المحادثات النووية في سويسرا عام 2015، عملت إيران على تزويد طالبان بكمية من الأسلحة، شملت: قذائف الهاون عيار 82 ملم، مدافع رشاشة خفيفة، بنادق كلاشنكوف من طراز AK-47، قذائف صاروخية ومواد C4 المتفجرة.
وفي عام 2016 أرسلت طائرة مسيرة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية تحذيرًا حادّ اللهجة إلى طهران وإسلام آباد، عندما قصفت عربة أحد أبرز قادة طالبان، أخطر منصور، في أثناء عودته من إيران بعد قضاء عدة أسابيع هناك.
وبدأ مجلس الشيوخ الأفغاني تحقيقًا في دعم إيران العسكري لحركة طالبان في شهر ديسمبر 2016، وكان مركز «استهداف تمويل الإرهاب» المكوَّن من سبع دول قد فرض عقوبات على اثنين من ضباط فيلق القدس الإيراني في 23 أكتوبر من العام نفسه، لتقديمهم الدعم المالي والعسكري لحركة طالبان.
ولعل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي أدَّى إلى اتجاه إيران إلى تدعيم علاقاتها بحركة طالبان، لتستخدمها كورقة لزعزعة النفوذ الأمريكي في أفغانستان، والقيام بعمليات ضدّ القوات الأمريكية الموجودة على الأراضي الأفغانية.
وبما أن إيران لا يمكن أن تكون جزءًا من محادثات السلام الأفغانية الحالية، فإنها تُحاول من خلال عديد من المنتديات، تحت رعاية دول صديقة مثل الصين وروسيا، أو تحت رعايتها، أن تكون جزءًا من المحادثات.

ثانيًا: إيران ومباحثات السلام الأفغانية:
كانت إيران جزءًا من المحادثات الرباعية بقيادة روسيا بشأن أفغانستان في ديسمبر 2016، إذ شارك كل من الصين والهند وباكستان أيضًا في تلك المحادثات.
وفي 11 يوليو 2018م، التقى رؤساء استخبارات كلٍّ من الصين وإيران وباكستان وروسيا في إسلام آباد، للتنسيق لمواجهة قيام تنظيم داعش في شرق أفغانستان، وأوضح البيان الحاجة إلى ضم قوى إقليمية في جهود إنهاء الحرب في أفغانستان.
ومن اللافت أن هذا الاجتماع الاستخباراتي، الذي ضم إيران بالإضافة إلى كل من روسيا والصين وباكستان، لم تشارك فيه الحكومة الأفغانية، بمعنى السعي من هذا الاجتماع الاستخباراتي لممارسة دور ينتهك حقوق السيادة الأفغانية على أراضيها، في حين تخوض الحكومة الأفغانية مفاوضات مع حركة طالبان للوصول إلى حل سياسي قد يؤدي إلى إشراكها في الحكومة مقابل التوقف عن العمليات المسلحة، وإعادة بسط سلطة الدولة على الإقليم التي تسيطر عليها طالبان، من خلال وساطة سعودية-إماراتية.
في الوقت نفسه، نجد الدور الإيراني يشوبه نوع من التضارب، فمع إعلان إيران حرصها على أمن واستقرار أفغانستان تواصل دعمها العسكري لحركة طالبان، لكي تتحول إلى شريك أساسٍ في المباحثات، وتضمن دورًا فاعلًا داخل أفغانستان، وتحقق هدف امتلاك ورقة ضغط على الولايات المتحدة.
وكذلك، تحتاج إيران إلى أفغانستان؛ لاستكمال مشروعاتها الاقتصادية الداخلية في ميناء تشابهار، الذي تعتمد فيه على الهند الراغبة في الوصول إلى أسواق أفغانستان وآسيا الوسطي خلال إيران، كما تشكل أفغانستان أهمية اقتصادية لإيران؛ لاستكمال خط الغاز الواصل من أراضيها لباكستان والهند، لكن مع كل هذه المكاسب الإيرانية المتحققة من وراء استقرار أفغانستان، فإن الرغبة الإيرانية في إثارة المتاعب في وجه الوجود الأمريكي فوق الأراضي الأفغانية تحول دون تحقيق الأهداف الاقتصادية الإيرانية.
وفيما يعمل الآن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والممثل الخاص للمصالحة الأفغانية زلماي خليل، على زيادة سياسة التقارب مع طالبان، ستعمل إيران على استغلال نتائج تلك الجهود مهما كان نوعها.
ومن وجهة النظر الإيرانية، يجب إجراء المحادثات مع الولايات المتحدة بشروط صارمة حول نقطة البداية، وهي الاتفاق على مغادرة القوات الأجنبية للأراضي الأفغانية.
في غضون ذلك، لم توافق طالبان على وقف إطلاق النار، إذ ما تزال التفجيرات تعصف بالبلاد.
إن حدوث انقسام داخل طالبان سوف يخدم بلا شك أهداف إيران، مع أن الوضع سيكون مختلفًا تمامًا إذا ما تمكّنت طهران من السيطرة على المنشقِّين عن الحركة.
وبقدر ما يخدم العنف والاضطرابات في أفغانستان المصالح الإيرانية، لم تنجح طهران في الحدِّ من قيام حركة طالبان بمهاجمة الشيعة أو غيرهم من غير عرق البشتون، إذ لا تخضع الحركة لسيطرة إيران أو باكستان الكاملة، فعلى خلاف طهران التي تعد قناةً مفتوحة لتزويد طالبان بالأسلحة في عملياتها ضدّ القوات الأمريكية ومصالحها، فإنَّ إسلام آباد وظفّت الجناح السياسي للحركة في منع القوى الأجنبية من الإضرار بالمصالح الباكستانية في كابُل.
مع ذلك استطاعت إيران أن تُفلت من اللوم حول نشاطات طالبان المتعددة، بعد إلقاء الأفغان ووسائل الإعلام اللوم على باكستان في تلك النشاطات، لكن حدث تغيُّر في موقف الحكومة الأفغانية عام 2018، تمثَّل في تكرار توجيه الحكومة الأفغانية اللوم إلى إيران؛ بسبب دعمها العسكري المتواصل لحركة طالبان، وأعرب مسؤولون أمنيون في الحكومة الأفغانية عن مخاوفهم من أن تسعى إيران إلى أن تحوُّل الأراضي الأفغانية إلى ساحة حرب بالوكالة بينها وبين الولايات المتحدة عن طريق دعمها المتزايد لحركة طالبان المسلحة.

ثالثًا: العمالة الأفغانية والأزمة الاقتصادية الإيرانية:
يشكّل وجود العمالة الأفغانية في إيران مرتكزًا هامًّا في العلاقات الأفغانية الإيرانية، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران بدأت العمالة الأفغانية بالخروج من إيران.
إنَّ خروج الأفغان من إيران لا يؤثر فحسب على تدفق التحويلات المالية إلى أفغانستان، بل ويعوق قدرة الحكومة الأفغانية على فرض إجراءاتها وتقديم خدماتها.
في الوقت نفسه، تشتكي الحكومة الأفغانية من سوء معاملة رعاياها في مخيمات إيران، وكذلك تجنيدهم الإجباري في لواء فاطميون للقتال في سوريا والدفاع عن بشار الأسد.
وفي أحيانٍ كثيرة، يُشار إلى إيران وأفغانستان على أنهما دولتان تجمعهما لغة مشتركة هي الفارسية التي يتحدثها تقريبًا 50% من عدد السكان، إلا أن داخل المجتمع الإيراني حالة من العداء للأفغان، إذ تشيع تصورات مسبقة لدي الإيرانيين عن الأفغان بأنهم عمال فقراء، ينتشر بينهم تعاطي الأفيون ويتاجرون فيه، وترتفع بينهم معدَّلات الجريمة، ومن الممكن أن يعتدوا على النساء في حالة عدم توافر الرقابة الأمنية.
وتوجد شكوى دائمة للعمال الإيرانيين، من تسبُّب العمالة الأفغانية في تفاقم أزمة البطالة في إيران، في حين يرى أصحاب العمل الإيرانيون أن الأفغان يؤدُّون الأعمال الشاقة التي لا يُقبل عليها الإيرانيون، ويتقاضون أجورًا أقل بكثير من الإيرانيين، وأنَّ انخفاض سعر العملة الإيرانية مقابل الدولار أدَّى فعليًّا إلى خروج العمالة الأفغانية من إيران، لعدم حصول العامل الأفغاني على دخلٍ جيدٍ بعد تحويل ما يحصل عليه في إيران إلى الدولار، ففضّل كثير منهم العودة إلى أفغانستان أو البحث عن دولة أخرى للعمل فيها.
ووَفْقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فقد أُجبر أكثر من 700 ألف لاجئ أفغاني غير مسجلٍ على مغادرة الأراضي الإيرانية في العام الماضي، إلا أن العدد كان يزيد على ثلاثة أضعاف من غادروا في 2017، إذ بلغ عددهم 187 ألف شخص.
ويعيش في إيران أكثر من 1.5 مليون لاجئ أفغاني غير مسجلٍ، إلى جانب نحو مليون شخص من المسجلين، وحسب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي، فإنَّ إيران بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الدعم لاستضافتها أحد أكثر الشعوب لجوءًا في العالم.

رابعًا: إيران والتوازنات العرقية في أفغانستان:
تسعى إيران إلى ممارسة دورٍ في توازن العرقيات داخل أفغانستان، من خلال علاقتها المتميزة حضاريًّا وثقافيًّا مع العرقية الطاجيكية المتحدثة بالفارسية، وفي الوقت نفسه تدعم علاقاتها بالهيئة الحاكمة في أفغانستان، التي يشكّل البشتون أغلبيتها، لكن التطور النوعي في التدخل الإيراني في توازن العرقيات في أفغانستان حدث من خلال تدعيم الصِّلات مع أقلية الهزارة الشيعية، التي تغدق إيران على أبنائها المنح الدراسية داخل إيران، وترحب بهم في أراضيها، وتقدم لهم كل أشكال الدعم المالي والسياسي، وقد نجحت بالفعل في تدعيم مشاركة الهزارة في الحياة السياسية الأفغانية، وزاد التمثيل البرلماني للهزارة إلى 61 عضوًا في البرلمان الحالي من إجمالي عدد مقاعد البرلمان البالغ عددها 249 مقعدًا، أي بنسبة تفوق 24% من إجمالي عدد المقاعد، في حين أن عدد الهزارة لا يزيد على 65 على أقصى تقدير من عدد سكان أفغانستان.
وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2019، سيدخل قلب الدين حكمتيار البشتوني، المدعوم إيرانيًّا في السباق، وهو منافس قوي وجديد.
ممَّا يجدر ذكره أن إيران منحت هذا القائد السني، الذي ينتمي إلى البشتون، وتحول إلى السياسة، حق اللجوء بعد أن وصلت حركة طالبان للسلطة عام 1996، واستمرت العلاقة معه رغم إلقائه السلاح، وإعلانهِ الولاء للدستور الأفغاني.
وبفضل التشابه الثقافي والعِرقي، الذي يجمع بين إيران والمناطق الغربية والشمالية في أفغانستان، تستخدم إيران القوة الناعمة والعلاقات الودية على الساحة السياسية، وكذلك في وسائل الإعلام.
مع ذلك فإن عِرقَي الطاجيك (أفغان سُنة متحدثون باللغة الفارسية) والهزارة (أفغان ذوو أصول مغولية، يعتنقون المذهب الشيعي الاثني عشري) ما بين شدّ وجذب من واشنطن وطهران.
وعلى الرغم من علاقات إيران التجارية والثقافية الممتدة منذ قرون مع الطاجيك الأفغان والرابطة الشيعية مع عرق الهزارة، فإنها لا تنجح دائمًا في مساعيها في العاصمة الأفغانية كابُل.
وعلى مدار العقد الماضي، نأى الطاجيك -الذين يتوافقون ثقافيًّا مع إيران- بأنفسهم عن الحكومة الإيرانية، إثر خطابها الطائفي، وحروبها في سوريا والعراق، وتحولوا إلى تركيا، إلا أن إيران ما زالت تسعى لاحتواء الهزارة، وتحقق نجاحات نسبية معهم.
لقد تزايد نفوذُ إيران في وسائل الإعلام الأفغانية، فبدلًا من التركيز على مجموعة إعلامية أو وكالة أنباء بعينها، تعملُ طهران على التركيز على صُناع القرار والشخصيات الحاضرة إعلاميًّا، للتأثير على الشارع.
فإلى جانب تمويل وكالة «صوت الأفغان» تدعم أربع محطات تليفزيونية إيران، مثل «تمدن».
وقد تؤثر أذرع إيران الإعلامية في الانتخابات الأفغانية المقبلة، فعادةً ما تتبعُ طهران النموذج الروسي في نشر الأخبار، المتمثل في خلقِ حالةٍ من التشتيت الإعلامي بنشر أخبارٍ منقوصةٍ أو مغلوطةٍ تمامًا.
وستتأثر العلاقات الثنائية بين إيران وأفغانستان بنتائج المحادثات ما بين الولايات المتحدة وأفغانستان وطالبان، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي والسياسي لطهران، إذ ستستخدم إيران جميع أوراقها لوصول مرشَّحها المفضل إلى الرئاسة الأفغانية في انتخابات عام 2019.

إجمالًا، سيكون بين الجارتين ثلاث قضايا عالقة: تقاسم المياه، وزراعة الخشخاش في أفغانستان، وعودة اللاجئين.
إنَّ السعي من أجل استمرار التجارة الهندية-الأفغانية، والهندية مع وسط آسيا، خلال ميناء تشابهار، يمكن أن يقوّض ويحقق في الوقت نفسه نهج إيران تجاه أفغانستان؛ إذ أثبت الميناء أنه ورقةٌ إيرانيةٌ رابحة ضدّ باكستان والصين، إلى جانب مساعدته الهند في الحصول على استثناء من العقوبات، إلا أنَّ السياسة الإيرانية في مياه الخليج وفي اليمن وسوريا والعراق ستحدّد كيفية تعامل أمريكا وحلفائها معها إلى حدٍّ كبيرٍ، إذ لا يمكن لتشابهار أن يجعل إيران وأفغانستان بمعزل عن التطورات المحلِّيَّة والإقليميًّة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير