الإيرانيون يتظاهرون أمام حوزة رجال الدين… قراءة في السياقات والدلالات

تواردت الأنباء الواردة من إيران عن قيام متظاهرين بمهاجمة حوزة علمية في مدينة الكرج بالقرب من العاصمة طهران، في موجة من أمواج المظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ شهور عديدة. وقد حاول المحتجون كسر أبواب الحوزة وإحراقها، وألقوا الحجارة على نوافذها، ورددوا شعارات «الموت للديكتاتور»، قاصدين المرشد علي خامنئي[1]. وقال مدير حوزة اشتهارد العلمية بمدينة كرج هندياني: «وفقًا لدعوات الجماعات المعارضة والمعادية للنظام للاضطراب والفوضى، كان مقررًا أن يتجمهر عدد من المغرَّر بهم الساعة 6 مساءً أمام المقر المركزي لاشتهارد، ويتابعون مخططات أربابهم المشؤومة في تجمع احتجاجي ظاهريًّا. وقد تحركوا نحو الحوزة العلمية الساعة 9 مساءً، وكانوا بصدد الدخول إلى الحوزة لكسر الأبواب وإضرام النيران، إذ لم تتحقق مخططاتهم عبر التدابير التي اتخذت. واستهدف الفوضويون شعار حوزة ماهدشت العلمية بالحجارة، وكسروا زجاج المصلى، في حين كانوا يهتفون بشعارات هدّامة في أثناء ذلك، وقد غادر الفوضويون المكان بعد كسر الزجاج، وحلّ الهدوء في المكان حتى وقت أذان المغرب الذي بدأ بعده ثانية تجمهر المحتجين أمام الحوزة العلمية، وحضر هذه المرة أكثر من 500 شخص، وكانوا يرفعون شعارات هدّامة ومعارضة، إذ قامت قوات مكافحة الشغب بتفريقهم وجمعهم، وتتعرف الشرطة حاليًّا على منازلهم لتلقي القبض عليهم، إذ تم القبض على عدد منهم حتى الآن، ولا تزال عمليات البحث عنهم مستمرة»[2].

وليست هذه هي المرة الأولى التي هاجم فيها محتجون حوزة علمية، ففي مظاهرات يناير الماضي هاجم المتظاهرون حوزة علمية في مدينة تركستان بمحافظة قزوين، وقاموا بحرقها[3]. كذلك قال الملا دري نجف عبادي، خطيب صلاة الجمعة وإمام أراك وعضو آخر في مجلس إدارة جمعية الخبراء ووزير المخابرات السابق، في 17 يناير 2018 في سياق الانتفاضة في أراك: «تعرض منزلنا للهجوم عندما كنت فيه، وفي الأحداث الأخيرة كان عمر المتظاهرين منخفضًا للغاية، فالأشخاص الذين هاجموا منزلنا رغم أنهم كانوا قد غطوا وجوههم فقد كانوا دون الثلاثين من العمر وحتى تحت سن 18 عامًا. وكان من الواضح أن النظام والخادم يعطون صوتًا للخوف المتزايد الذي يشعر به هو ورفاقه من الشباب الإيراني». وفي 12 يناير 2018 قال آية الله غياض الدين طه محمدي، زعيم صلاة الجمعة في همدان، في إشارة إلى الغضب والاشمئزاز من الناس بشأن القمع والفساد والسرقة، إنه خلال الانتفاضة «تعرض 60 مكتبًا من أئمة الجمعة للهجوم في معظم المدن الإيرانية»[4].

وهذا النوع من التعبير عن الرفض وتكراره يُعَدّ جديدًا على إيران ما بعد الثورة، إذ إنّ الحوزة ورجال الدين رموز مقدسة لا يُمكن المساس بها في أدبيات ما بعد الثورة، وما بعد دسترة ولاية الفقيه المطلقة، وهو ما يشير إلى مدى الغضب الذي بلغ بالمواطن الإيراني تجاه نخبة رجال الدين والنخبة الحاكمة.

 سياقات الحدث
لا ينفصل هذا الحدث الأخير مع ما تشهده إيران منذ ديسمبر 2017م الماضي من احتجاجات مستمرة، بل ربما قبل هذا التاريخ بكثير، إذ ترصد بعض الإحصائيات أنّ إيران شهدت في عام 2017م ما يقارب 150 حركة احتجاجية يوميًّا، أي ما يقرب من 54 ألف حركة احتجاجية طوال العام على فرض أنّ الاحتجاجات يومية، أمّا على فرض أنها شبه يومية أو أسبوعية فنحن إزاء آلاف الحركات الاحتجاجية سنويًّا أيضًا[5].

والسبب الرئيسي في معظم تلك الاحتجاجات هو الحالة الاقتصادية المتدهورة التي تمر بها الدولة، بدءًا من إلغاء الدعم الاقتصادي للمواطنين، وانهيار العملة الإيرانية أمام الدولار، ومشكلات مكاتب الصرافة، وأزمة البازار، وسائقي الشاحنات، كذلك توازى مع ذلك طيلة العام الماضي والحالي مظاهرات محدودة تارة وكبيرة أخرى بسبب أزمة المياه، وأخرى فئوية كمظاهرات الأحوازيين بسبب مظالم اقتصادية وسياسية، ومظاهرات الدراويش التي اندلعت في فبراير الماضي ولا تزال ارتداداتها مستمرة حتى اليوم بسبب التعامل الأمني الصارم والحكم بالإعدام على بعض منسوبي الجماعة. كذلك جاءت إعادة العقوبات الأمريكية على إيران لتزيد المشهد ضبابية وسوءًا بالنسبة إلى السلطة الإيرانية. فيبدو جليًّا أنّ الأمور معقدة ومتداخلة والأسباب متشابكة إلى أقصى الحدود. ومن المؤكد أنّ الأزمة وصلت بالبلاد إلى مستوى غير مسبوق في السنوات العشر الأخيرة أو منذ الثورة الخضراء في 2009م، لدرجة أنّ بعض رجال الدين المحسوبين على النظام بدؤوا يقلقون من تعامل النظام الأمني مع الأزمات السياسية والاقتصادية، وأبدوا قلقهم تجاه هذا الارتفاع في مؤشرات الاحتجاجات كما سيأتي.
هذا الفضاء العام المشحون بالقلاقل والإخفاقات أدى إلى ازدياد شحنة الغضب لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين، وأسهم في توتر المناخ العام، وزيادة الفجوة والثقة بين الجماهير والقيادة السياسة، بحيث صارت الجماهير لا تؤمن بقدرة هذا النظام السياسي على الحلّ، سواء كان حلًّا سياسيًّا مع القوى الإقليمية والدولية ومع معارضة الداخل كذلك، أو كان حلًّا اقتصاديًّا يُخرج الدولة من المأزق الاقتصادي الراهن الذي يدفع ثمنه الطبقة المتوسطة والفقيرة، وأبدت غضبها تجاه النظام في صورة مظاهرات عامة وفئوية مستمرة منذ ديسمبر 2017م.

دلالات الحدث
قد يكون جل المحتجين من فئة الشباب ممن وُلدوا بعد الثورة أو نشؤوا في ظلالها، ومن ثمّ لم يروا سوى ما يسمونه الإخفاقات المتتالية والمتسلسلة من السلطة السياسية، ويشعرون بفجوة واسعة ثقافية وعقلية، بل وفلسفية، بينهم وبين آباء الثورة من النخبة الحاكمة، إذ إنّ هذا الجيل من الشباب لا يقبل إجباره على طرحٍ دينيّ بعينه، أو نمط تديّن مقولب، وكأنه انعكاس لجيل وُلد في عشرينيات القرن العشرين! ولذا فإن الفتيات الإيرانيات يتمردن على الحجاب تمردًا كليًّا بإزالته تمامًا، أو جزئيًّا عن طريق ارتدائه بصورة سيئة على حد وصف بعض رجال الدين الإيرانيين[6]. هذه الفجوة الواسعة جعلت بعض رجال الدين «يتهمون الشباب بالتعلمن والاستجابة للقيم الغربية والعلمانية، بل وراح بعضهم يتهم جناحًا في الحوزة الدينية بالتعلمن أو السكوت عن كلّ ما هو سياسيّ ومن ثمّ فصل الديني عن السياسي»[7].

هؤلاء المحتجون لم يروا في الحوزة الدينية تلك القدسية التي كان الإيرانيون ينظرون إليها قبيل الثورة ضد الشاه، بل نشؤوا ولم يروا منها سوى ما يعتبرونه فشلًا في تلبية الاحتياجات الرئيسية للناس، وصاروا يرون فيها أداة للقمع والإقصاء والحيلولة دون رقيّ الدولة الإيرانية ولحاقها بركب العالم المتقدم. ومن ثمّ فإنّ الهجوم على الحوزة ومهاجمتها بالحجارة، وحرق أخرى قبل أشهر، وربما مهاجمة حوزات أخرى في المستقبل، يمكن قراءته بناءً على مستويين: الأول هو انعدام القدسية المعهودة للحوزة في الذهنية الإيرانية والعقل الجمعي. والثاني هو تعمد كسر هيبة الحوزة وقدسيتها من المتظاهرين، في محاولة حثيثة لصعق فئات من الإيرانيين المترقبين أو الذين لا يزالون يحتفظون باحترام وتبجيل تجاه الحوزة.
الأمر الأهمّ هنا والذي لا يُمكن تجاوزه هو كيف كانت الحوزة في رؤية الإيرانيين والشيعة عمومًا قبل الخميني وكيف صاروا ينظرون إليها اليوم؟! يمكن القول إن سياسات النظام قضت على أي أمل في قبول الإيرانيين للحوزة كوسيط أو طرف في أي صراع سياسي إذا ما أُتيحت لهم حرية الاختيار. فمحاولات النظام لتلجيم الحوزة أو الجناح المعارض للسياسي/ الجناح الانتظاري في الحوزة، والزجّ بالدين والفتوى في كلّ ما هو سياسيّ، حتى صار الذهاب إلى سوريا بأمر من المهديّ وتمهيدًا لظهوره، والتدخل في اليمن والبحرين وبغداد ودمشق كل ذلك أصبح طريقًا للمرور نحو القدس، هذه المحاولات صارت تغذي التيارات العلمانية والحداثية وبصورة ما الإصلاحية كذلك من جانب، والهدر من قيمة الحوزة من جانب آخر، في حين أن النظام لم يحاول مجابهة الفكر بالفكر بقدر ما واجه الفكر بالأدوات الأمنية المعهودة، حتى ولو فكرا من داخل الحوزة. فأدت سياسات النظام الاحتكارية أو التأميمية للحوزة إلى انهيار سمعتها في أوساط الإيرانيين، وتحويلها إلى هدفٍ من أهدافهم في أيّ احتجاجات، إذ زال المُقدّس، تمامًا كما حدث مع شخص المرشد الذي كانت مهاجمته شبه مستحيلة من قبل، أمّا اليوم فلا يُوصف إلا بالديكتاتور من قبل المتظاهرين، ووفقًا لشعاراتهم.

هذا التحول في مزاج الشعب الإيرانيّ فَرَّغ النخبة الحاكمة في إيران من الهالة الدينية والقدسية التي كانوا محاطين بها.

 انشقاقات في الحوزة أم محاولات امتصاص؟
منذ أيام قليلة صرّح رجل الدين البارز آية الله جواد آملي، وهو أحد صقور النظام، قائلًا: «إن مهمة قوات الأمن هي تأمين البلاد، وإنّ إسكات الشعب في البلاد عبر الضغوط سيكون له نتائج مريرة»[8]. ومنذ أسابيع قال آملي أيضًا: «إنّ كثيرين هربوا من الدولة أو هيّؤوا مكانًا للهروب، لكننا ليس لدينا مكان للفرار». وأوضح آملي عبر الإشارة إلى المشكلات الاقتصادية لمسؤولي الدولة والتي سماها بــالعقيمة، بعد أن خاطب مسؤولي إيران قائلًا: «هناك قضايا لا يمكن تحملها مثل الجنسية المزدوجة للمسؤولين، وامتلاء جيوب بعض الأفراد، وإذا هبّ الشعبُ بسبب هذه القضايا فسوف يثورون على الجميع وينحونهم جانبًا، الشعب إذا ثار سيُلقي الجميع في البحر، المسؤولين ومراجع التقليد. إنّ عدم عدالة ونزاهة بعض المسؤولين لا يمكن تحملها»[9].
وقد طالب إمام جمعة همدان بالقضاء على الغلاء المعيشي الذي يجتاح البلاد، وإيجاد حلول فعلية لهذه الأزمة الاقتصادية، كي لا يستغل البعض تلك المطالب لمآربهم الشخصية[10].
ولم تمرّ سوى أسابيع قليلة وقد تحققت نبوءة جواد آملي، إذ بدأ الشعب في مهاجمة الحوزة الدينية، وهو ما حذر منه الرجل منذ قليل. وهذا مؤشر خطير لم يتلقفه النظام، ربما اطمئنانًا للحل الأمنيّ وجدواه.
أتت هذه التصريحات المتوالية من محسوبين على النظام، في حين أنّ محمد خاتمي الرئيس الإيراني الأسبق المحسوب على المعارضة الإصلاحية صرّح أيضًا منذ أسابيع بأنّ إيران تراجعت مائة عام في مجال الديمقراطية والعدالة، إذ قال: «لقد دافع رجل الدين آية الله النائيني منذ مئة سنة مضت عن حقوق ووجود المسيحيين والزرادشتيين واليهود في البرلمان، في حين أن إيران اليوم متخلفة وتمنع وجود غير المسلمين حتى في مجلس المدينة». وشدد أيضًا على أن الفساد مثل «الطوفان الذي يهدد إيران والثورة الإيرانية»[11].
إذًا نحن أمام انتقادات للنظام ولسياساته من الجناحين المحافظ والإصلاحي، ومن داخل الحوزة ومن خارجها. وعدم استجابة النظام لهذه النداءات المتوالية يضع علامات استفهام حول قراءة النظام لقدرة الجماهير لتنظيم صفوفها، فهل هو استخفاف من النظام بالجمهور أم اعتقاد في قوته وأجهزته ومؤسساته؟
ربما هو لا استخفاف ولا هي ثقة بقوة الأجهزة بقدر ما هو تشوّه في الإدراك وانعدام رؤية حقيقية على صعيد الفكر والفلسفة والإدارة وقراءة المتغيرات الإقليمية والدولية وتحولات المشهد الديني والثقافي داخل إيران نفسها.
على كل حال، إنّ تلك التصريحات لرجال الدين الحوزويين المحسوبين على النظام هي في الأغلب ليست انشقاقًا عن النظام بقدر ما هي محاولة لامتصاص موجات الاحتجاجات المستمرة وخوفًا من ارتفاع وتيرتها بصورة تخرج عن سيطرة الدولة والأجهزة الأمنية. كذلك تشير تلك التصريحات إلى نصائح حثيثة وحقيقية من رجال الدين تجاه الدولة، وعلى صحة هذه الفرضية فنحن أمام مركزية شديدة وضيقة جدًّا في دوائر الحكم بطهران، وتثبت صوابية ما يُقال عن تحالف وثيق بين بيت المرشد والحرس الثوري تُدار الدولة من خلاله، في حين أنّ بقية رجال الدين حتى المحسوبين على النظام وفلاسفته لا علاقة لهم بالقرارات المصيرية في الدولة.

 السلطة وفقدان السيطرة
من المهمّ أن نلاحظ في السنوات الأخيرة أنّه على الرغم من تعامل النظام مع الاحتجاجات بقسوة أمنية فإنها لم تختف ولم تهدأ، فسرعان ما تهدأ ثم تعاود في الظهور والانتشار بصورة أوسع من سابقتها، وهذا يشير إلى الإفلاس السياسي للنظام، فلا هو قادر على جمع شمل الداخل وصهر واستدماج المعارضة الداخلية، أو حتى طمأنتها على أقل تقدير، ولا هو قادر على حلّ مشكلاته الخارجية وإنهاء النزيف المستمر في المال والعتاد والسمعة المذهبية في سوريا والعراق والإقليم عمومًا.
نحن هنا أمام إفلاس حقيقي للنظام الإيراني، وهو في الحقيقة يرجع إلى شيخوخة أفراد النظام، فالمرشد الأعلى على مشارف الثمانين من العمر، وأفراد الجيل الأول من الثورة من تلامذة ورفاق الخميني كذلك.
هذا التقدم اللافت في أعمار قادة النظام الإيراني ورجال الدين جعلتهم غير قادرين على الديناميكية والمناورة، والتفكير الحداثي، وقراءة خرائط الصراع السياسي في الداخل والخارج ببديهة أسرع قبل تفاقم الأحداث، وصاروا يعتمدون بصورة شبه كلية على الأدوات الأمنية والحرس الثوري، لا على شرعية الإنجاز والواقع على الأرض.
كذلك فإنّ الجيل الأول من آباء الثورة لم يؤسسوا مؤسسات قادرة على الإحلال والتجديد، والتسليم والتسلم بصورة سلسة سلمية، بسبب طبيعة النظرية الآيديولوجية التي أسسها الخميني، وطبيعة بناءاتهم الشخصية والدينية الراديكالية والمحافظة، ولطبيعة الدستور كذلك الذي يتمسك به النظام، من ثمّ فليس هناك جيل ثانٍ يمكنه أن يسير على نفس النمط الذي يسير عليه الجيل الأول، بكل بساطة لأنه لم تُتَح له الفرصة، ولأنّ الجيل الأول عَقَّم الحياة السياسية والدينية بالاستبداد الممنهج، وبتجريف البيئة الحاضنة لأي حركات إصلاحية أو تجديدية، كما حصل مع عبد الكريم سروش ومحسن كديفر والصانعي، ومن قبلهم حسين منتظري، وغيرهم، مما أسهم في تعزيز علمانية المجتمع وعلمانية الحوزة التي صار يشكو منها رجال الدين، لكن بصورة فردية لا مؤسسية بمعنى أنها علمانية من دون مركز، إذ إنّ التيار العلماني ارتأى أن في وجود المركز يسهل توجيه ضربات مؤلمة تُبعثر الأوراق وتُهدد الكيان.
إذًا فقدَ النظام القدرة على التعامل مع مشكلات الداخل والخارج، وأصبح ليس بمقدرته الحشد والتثوير كما كان في الماضي، حتى تلك العبارات الثورية التي كان يحشد النظامُ بها الإيرانيين فقدت بريقها في العقل الجمعي والذاكرة التراكمية الإيرانية جراء الفشل المستمر. وهذا ما دعا آية الله مصباح يزدي لأن يقول بأنّ المرشد الأعلى قلق من خفوت الأدبيات الثورية، واندثار الفقه الثوريّ، ومن ثمّ الارتكاز على الآلة الأمنية.
نحن إذًا أمام شيخوختين: شيخوخة فكرية، وشيخوخة عمرية. فالشيخوخة الفكرية أسهمت في زيادة الفجوة بين جيل الشباب وجيل الشيوخ في إيران، مما أسهم في ازدياد الاحتقان المجتمعي، وانعدام المرجعيات السياسية والفكرية لدى قطاع شبابي واسع. والشيخوخة العمرية عززت إفلاس النظام السياسي وعجزه عن مواكبة التطورات والأحداث، وقراءة الخرائط بشكل جيّد، وتكريس جماعات المصالح وتكوّن شبكات الفساد الصلبة.

رؤية مستقبلية: موقع الحوزة
نحن إزاء سيناريوهين بالنسبة إلى موقع الحوزة في ظلّ سياسات النظام الإيراني الراهن:

السيناريو الأول: أن تستمر الحوزة في هدر رصيدها الشعبيّ جراء تسييسها ودعمها المطلق لسياسة النظام، واحتكار النظام للخطاب الديني، لشرعنة وجوده وديمومته. وهذا وإن أبقى على الحوزة في سدة السلطة فإنه يخصم من رصيدها ومن شعبيتها وقدسيتها، ونظرة الإيرانيين والشيعة لها. ويؤول الأمر في نهاية المطاف إلى الحكم التعسفيّ الخالص، أو حكم المتغلب المرتكز على القوة وحدها دون مقبولية المؤمنين ورضا الناس، بعبارة السياسة الشرعية، وهو ما كان الخمينيّ نفسه يحذر من نموذجه قبل الثورة، لكن هذه المرة بمساعدة الحوزة، وباسمها، وبتوظيفها، وهذا يُعرّض الحوزة على المدى البعيد لأن توجه لها سهامًا أو موجات ثورية ضخمة تؤثر على مستقبلها وصورتها.

السيناريو الثاني: أن يحدث انفكاك وفصام واضح بين الحوزة ومؤسسة السلطة، بحيث يتم الفصل بين الديني والسياسي، أو أن يستمر تسييس الدينيّ لكن بأدوات السياسيين لا بإدخال الحوزة في ذلك المعترك. وهذا السيناريو يطالب به عدد من المفكرين أمثال عبد الكريم سروش وغيره من تيار العلمانية المؤمنة. كذلك فإنّ تيار الانتظار يرى في هذا السيناريو عودة إلى المتعارَف عليه شيعيًّا وحوزويًّا، على خلاف الأسباب والمخرجات بين تلك التيارات. وتحقق هذا السيناريو شبه مستحيل في ظل بقاء النظام الحالي، إذ إنه بمثابة تدمير كامل للأسس التي ارتكزت عليها إيران ما بعد الثورة، وانهيار كامل لمبادئ الخمينيّ ورجالات الحكم المؤسَّسين في طهران، ومن ثمّ فتحقق هذا السيناريو هو بمثابة انقلاب حقيقي على نمط نظام الحكم الراهن وطروحاته الفقهية والفلسفية وبالتبع سياساته واستراتيجياته وأولوياته، سنكون بعبارة أوضح أمام إيران جديدة بغض النظر عن ماهيتها وفلسفتها وشعاراتها. ولذا فمثل هذا السيناريو لا يتحقق إلا بانقلاب على نظام الحكم الحالي، أو ثورة شعبية كبيرة، أمّا تلك التوقعات التي تراهن على تغير سلوك النظام فهي وإن أمكن قبولها من الناحية السياسية والاقتصادية وتفاعله مع المحيط الإقليمي والدولي إلا أنه أشبه بالمحال في بنائه الآيديولوجي، إذ إنه سيكون بمثابة إعلان الفشل التام لنظرية ولاية الفقيه ولأربعين عامًا من الحكم بها. بالإضافة إلى أنّ النظام يتحصل على شرعيته من خلال هذا النمط من الدين والفقه، ويستطيع حشد أنصاره كذلك بهذا النوع من الخطاب، وخلق عدوّ وتسويق شرعيّة.

 الخلاصة
أنّ مثل تلك الاحتجاجات والهجوم على الحوزات والمدارس الدينية وبيوت رجال الدين تتضمن رسائل أبلغ من أي مظاهرات في الساحات المفتوحة الأخرى، لأن تلك الاحتجاجات الموجهة للحوزة وبيوت رجال الدين تركّز على جذور عوامل الفشل والإخفاق، وعلى الجوهر لا العرَض، وقد استطاعت مثل تلك الاحتجاجات أن تُنهي الصورة الوردية التي صدّرها إسلاميو إيران عن أنفسهم وعن ثورتهم منذ عام 1979م، ووضعت حدًّا نهائيًّا لأدبيات الثورة كـ”نصرة المستضعفين والمظلومين والمحرومين”، كل هذه السرديات انتهت في الواقع، إذ إنّ إيران تحولت بمرور الوقت تحت ولاية الفقيه إلى أكبر قلعة للمظلومين والمحرومين والمستضعفين، وليس على النظام سوى مواجهة الواقع بتعقيداته ومشكلاته الحقيقية دون تسويف أو تصدير.

[1]
-بي بي سي: احتجاجات إيران: متظاهرون يهاجمون حوزة علمية قرب طهران، 4 أغسطس 2018م. http://cutt.us/GulmZ.
[2]
- وكالة ركنا: حمله 500 آشوبگر به حوزه علمیه. http://bit.ly/2Obq4FJ.
[3]
- بغداد بوست: الملالي يترنّح والثوار يحرقون الحوزة الدينية في طهران، http://cutt.us/NMb2. العربية نت: بالفيديو.. حرق أول حوزة علمية في احتجاجات إيران، 1 يناير 2018م، http://cutt.us/kf6cm.
[4]
- Struan Stevenson: Iran – The Final Countdown. March 5, 2018. https://www.tondar.ca/public_html/news/9354
[5]
- نزار جاف: من أحرق الحوزة العلمية في إيران؟ 3 يناير 2018م، إيلاف. http://cutt.us/UbGwt.
[6]
- موقع جماران: سلحشوری: فاسد خواندن زنان معترض به حجاب منصفانه نیست/ زنان به خط قرمز تبدیل شده‌اند. https://bit.ly/2GpUAMQ.
[7]
- موقع راديو زمانه: مصباح یزدی: ولایت فقیه در حال افول است. https://bit.ly/2A5JhGM. موقع الحوزة نيوز: عضو مجمع تشخیص مصلت نظام در جمع اساتید بسیجی حوزه: تفکر سکولاریسم اجتماعی حوزه های علمیه را تهدید می کند/ معیار اعتدال تبعیت از ولایت فقیه است. https://bit.ly/2L2LyYp
[8]
- الأناضول: رجل دين إيراني بارز: إسكات الشعب عبر الضغوط سيكون له نتائج مريرة، 31 يوليو 2018م. http://cutt.us/yh7Yd.
[9]
- تقرير الحالة الإيرانية، مايو 2018م. المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، ص10. والعربية نت: آية الله عبد الله جواد آملي: الناس لا يتحملون السرقات وعدم كفاءة المسؤولين، http://cutt.us/uRih.
[10]
- المعهد الدولي للدراسات الإيرانية: خطيب جمعة همدان: غلاء المعيشة يجتاح البلاد، http://cutt.us/bcWGR.
[11]
- بي بي سي: خاتمي: إيران تراجعت 100 عام في مجال الديمقراطية والعدالة، 8 يوليو 2018م، http://cutt.us/SCJAM.
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير