البرلمان وإصلاح معدل نمو السكان.. التشجيع بعيون مغمضة

يخطو المجتمع الإيراني فوق أعتاب الشيخوخة، ويُخشَى أن تتفوق نسبة العَجَزة ومتوسطي الأعمار على نسبة الشباب في الدولة، وأدّت هذه الحقيقة المرّة إلى أن يهتمّ المسؤولون بموضوع زواج الشباب والإنجاب، وأخذت المؤسسات المعنية تبذل جهودها في هذا الاتّجاه، كما أدّى موضوع تشجيع الشباب على الزواج والإنجاب والتكاثر إلى ظهور حركة نشطة بين نواب البرلمان، فقبل بضعة أسابيع شمّر البرلمان عن ساعديه للمساعدة في زيادة معدَّلات الإنجاب بوصفه المؤسسة التشريعية، وأقرّ موادّ ضمن مشروع «السكّان والارتقاء بالأسرة»، تشجّع الفتيات على الزواج قبل سنّ العشرين، والشباب قبل سنّ الرابعة والعشرين، وبعبارة أوضح تَقرَّر أن يحصل المتزوجون دون هذه الأعمار على هدية نقدية. وواجه هذا الخبر الذي أعلن عنه المتحدث باسم اللجنة الثقافية في البرلمان أحمد آزادي خواه، انتقادات كثيرة. تجدر الإشارة إلى أن مشروع «السكّان والارتقاء بالأسرة» طُرح للنقاش في الدورة التاسعة للبرلمان بهدف التشجيع على الزواج ونموّ السكان، لكن لم يطُلْ عمر البرلمان حتى التصديق على هذا المشروع، فطرحه البرلمان الحالي من جديد. وعلى الرّغم من أن مساعي البرلمان لا تهدف إلى دعم مشروع زواج الأطفال، فإن خبراء المجال الاجتماعي يعتقدون أن هذه الإجراءات من حيث التشجيع على الزواج ضرورية، لكنها غير كافية، ففضلًا عن أنها لا تنسجم والعدالة الاجتماعية، فمن الممكن أن تؤدِّي في بعض الحالات إلى التأصيل لثقافة الزواج المبكّر في سنّ الطفولة، وفي الحقيقة من الممكن أن ينتقل الدافع المالي للزواج إلى المراحل العمرية الأدنى، خاصة بين الأسر التي لا تعرف شيئًا عن حقوق الفتيات، وبهذا سنواجه قريبًا موجة جديدة من زواج الأطفال بدافع الحصول على هدية نقدية فقط.
على أي حال، وضع البرلمان هدية نقدية من أجل تحفيز زواج الفتيات دون سنّ العشرين والشبّان دون سنّ الرابعة والعشرين، وبالنظر إلى إحصائيات مؤسسة الأحوال المدنية، فإن مشكلة عدم الزواج، وتبعًا لها تراجع الإنجاب، تخصّ شريحة الشباب الذين تزيد أعمارهم على 30 عامًا، وما زالت أمامهم الفرصة للإنجاب، والحقيقة أن شريحة مَن تزيد سنّهم على 30 عامًا ولم يتزوجوا هي شريحة كبيرة تسوق المجتمع نحو الشيخوخة، في حين أن البرلمانيين غافلون عن هذه الشريحة.
وبحسب آخر المعلومات التي كشف عنها مركز الإحصاء الإيراني في عام 2016 كان متوسّط أعمار شريحة الرجال 30.9 عام، والنساء 31.3 عام، في حين كان متوسط أعمار المجتمع الإيراني في عام 2016 يعادل 30 عامًا، أي بزيادة مقدارها 3 سنوات مقارنة بعام 2011، وهذا يعني أن أعمار السكان في إيران آخذة في الارتفاع بسرعة، بحيث أن متوسط عمر السكان الذي كان 26.7 عامًا في 2010 سيصل في 2030 إلى 37.5 عامًا، في حين أن متوسّط أعمار الإيرانيين في 1997 كان أقل من 20 عامًا.
يُطرح هذا المشروع في البرلمان بالتزامن مع طرح النواب مشروعَ زيادة السنّ القانونية للزواج بهدف محاربة زواج الأطفال، ومع أن هذا المشروع لم يحصل على الأصوات اللازمة حتى الآن، فإنه كان يسعى لمنع زواج الأطفال، وقد واجه معارضة من بعض النواب مما جعله يتوقف في منتصف الطريق، وفي المقابل طُرح مشروع تقديم الهدايا النقدية للفتيات اللاتي يتزوجن دون سنّ عشرين عامًا والشبّان الذين يُقدِمون على الزواج دون أربعة وعشرين عامًا.
من المثير للاهتمام أن نلاحظ، بناءً على آخر إحصائيات دائرة الأحوال المدنية، أن أعلى نسبة للزيجات المسجلة في عامَي ٢٠١٤ و٢٠١٥ هي للفتيات دون سن ٢٠ عامًا والشباب دون٢٤ عامًا، وذلك يعني أن الشريحة المستهدفة من البرلمان بغرض تلقِّي حوافز الزواج لم تعُد هي الهدف، إذ إن نسبة العزاب من الفتيات والرجال فوق ٢٤ عامًا هم من يشكِّل النسبة الكبرى من المجتمع. تشير هذه الأرقام وحدها إلى أن هذا المشروع فشل رغم تكلفته الباهظة، وذلك بسبب الإحصائية غير الدقيقة وغير المتخصصة، ووفقًا لعديد من الخبراء الاجتماعيين فهذا المشروع لا يمكن تطبيقه. واجهت محاولات البرلمان إهداء الزواج للفتيات دون سن ٢٠ عامًا، اللاتي يُعتبرن وفقًا للقواعد والقوانين الدولية ضمن فئة الأطفال، وأيضًا الشبان دون ٢٤ عامًا الذين لا تُتاح لهم الفرصة لإكمال التعليم والدراسة وأداء الخدمة العسكرية، كثيرًا من الانتقادات.
ذكر أحد علماء الاجتماع أنه لا يمكن تفسير انخفاض نسبة الزواج في حالة أو حالتين فحسب، واعتبر أن هذا المشروع متسرع وناقص وغير مدروس، وحذّر من تَحوُّل الزواج إلى «صفقة» بسبب زيادة الحوافز المالية.
وقالت فرناز آزادي لصحيفة «همدلي»: لا يمكن حل أو رفع أي مشكلة من خلال تقديم الهدايا للأزواج الشباب، لأن جزءًا كبيرًا من مشكلات الزواج يكمن في العوامل البيئية من قبيل البطالة والتضخُّم وانعدام فرص العمل وغيرها، ويعود جزء آخر إلى تَهرُّب الشباب من تقبُّل مسؤوليات الحياة. لا بد أن نعلم أن الزواج لا يقتصر على عقد زواج، أو توقيعات على الورق، أو حفل زفاف، وارتداء العروس والعريس ملابس العرس فحسب، الزواج هو عقد اجتماعي لتشكيل حياة مشتركة مع مراعاة متطلبات خاصة.
وأضافت: حان الوقت للمسؤولين الذين يُصِرُّون على تقديم حوافز الزواج ومن ثم زيادة معدَّلات الزواج ومِن ثَمَّ زيادة معدَّلات الخصوبة والإنجاب، ولو لمرة واحدة، أن يسألوا أنفسهم حول ما إذا كان للرجال دون سن ٢٤ عامًا فرص عمل وتوظيف في البلاد، بحيث يتمكن هؤلاء الشباب من كسب العيش من أجل حياة مشتركة، ولو وفّروا فرص العمل والسكن بدلًا من توفير الحوافز المالية، فهم دون أدنى شك يكونون قد اتخذوا خطوات أكثر فاعلية نحو تحقيق هذه الأهداف. وأكدت: لا شكّ أن هذا المشروع، بالنظر إلى العبء المالي الثقيل الذي يفرضه على الحكومة، ونظرًا إلى ما يكتنفه من ضعف، فليس غير عملي فحسب، بل حتى إذا ما نُفّذ فسوف يفشل في تحقيق الهدف. ستنجح برامج تشجيع الزواج والإنجاب في زيادة نسبة السكان إذا ما دُعِمَت جميع الفئات العمرية ضمن برنامج تشجيع الزواج في المجتمع، لا بالتركيز على فئة معيَّنة فحسب.

مادة مترجمة عن صحيفة «همدلي»

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير