المخاوف الإيرانية من الضغوط الأمريكية على العراق.. مؤشرات ودلالات

في زيارة هي الأولى من نوعها منذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، قام وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بزيارة إلى العراق، تستمر خمسة أيام، من 13 حتى 18 يناير الجاري من الشهر نفسه، وذلك بهدف:
• التباحث والتشاور حول سبل المبادلات المالية، والاتفاق على آلية لهذه المبادلات.
• الغاء تأشيرات الدخول لرعايا البلدين.
• بحث آلية استكمال خط سكة حديد يربط البلدين عبر الشلامجة – البصرة.
• تعزيز التعاون العراقي – الإيراني في مجال الطاقة.
تعكس زيارة الوزير الإيراني للعراق إصابة إيران بحالة من الذعر، من تكثيف واشنطن ضغوطها على الحكومة العراقية بهدف الالتزام بإستراتيجية الضغوط القصوى الأمريكية ضد إيران، في وقت تخشى فيه الأخيرة أن يصبح العراق جزءًا من التحالفات الإقليمية أو العالمية (الدعوة الأمريكية لعقد اجتماع دولي موسع في العاصمة البولندية وارسو في منتصف فبراير 2018 عنوانه الأبرز “إيران” أي: تجييش العالم ضدها) أو على أقل تقدير التزامه بالعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران في ضوء المساعي الأمريكية لإحكام منظومة الحصار ضد إيران.

• المخاوف الإيرانية من زيارة بومبيو للعراق:
تأتي زيارة الوزير الإيراني للعراق بعد مُضي أربعة أيام فقط من زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، المفاجئة للعراق يوم 9 يناير 2018، بالتزامن مع جولته الشرق أوسطية، التي شملت كافة الدول المزمع مشاركتها ضمن تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي: دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى الأردن ومصر، للتباحث حول سبل إطلاق التحالف، لمواجهة ما تسميه واشنطن تنامي النفوذ الإيراني الإقليمي من ناحية، ولطمأنة هذه الدول كحلفاء إستراتيجيِّين بشأن قرار اتخذه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في ديسمبر الماضي بسحب القوات الأمريكية من سوريا من ناحية أخرى، وقد جاءت زيارة بومبيو للعراق لما يلي:
الضغط على العراق للالتزام بمنظومة الحصار الأمريكية ضد إيران:
تدرك الولايات المتحدة مدى مركزية العراق في الإستراتيجية الإيرانية، ولذلك تأتي زيارة بومبيو للعراق بهدف الضغط على الحكومة العراقية للالتزام بإستراتيجية الضغوط القصوى الأمريكية ضد إيران، وهو ما يفسر طلب الوزير الأمريكي من عبد المهدي:
1. إعداد خارطة طريق للاستغناء عن الغاز الإيراني، والبحث عن بدائل.
2. تقليص أنشطة الشركات الإيرانية العاملة في العراق، وذلك بقوله: “المواجهة مع إيران أمر مهم يجب أن يشارك فيه الشركاء” مضيفًا: “يجب على العراق أن يحدَّ من علاقاته التجارية مع إيران، وسوف تبذل أمريكا قصارى جهدها لخفض هذه المعاملات”.
هذا وقد أشارت تقارير استخباراتية عن تقديم شركات الطاقة الأمريكية عروض كبديل عن الغاز الإيراني في مؤشر أمريكي على رفض المطالب العراقية، باستثناء العراق من العقوبات، وعلى نية إدارة ترامب عدم تمديد المهلة الثانية للعراق، ومدتها ثلاثة أشهر من تاريخ انتهاء المهلة الأولى في 20 ديسمبر 2018، ومدتها 45 يومًا، بدأت في الخامس من نوفمبر 2018، سمحت خلالها واشنطن للعراق بمواصلة استيراد الغاز الإيراني لإنتاج الكهرباء.
دفع العراق نحو تقليص الحضور العسكري للميليشيات التابعة لإيران:
أشارت معلومات متداولة في الأوساط السياسية العراقية إلى أن تقليص الحضور العسكري للميليشيات المسلحة هدفًا أمريكيًّا ثانيًا من زيارة بومبيو، بتسليمه عبد المهدي قائمة تضم أسماء معروفة من قادة الميليشيات لإبلاغهم بمغادرة العراق خلال 30 يومًا، وإلا ستكون فصائلهم مستهدفة أمريكيًا، وذلك بالتزامن مع ما أشارت إليه مصادر مقربة من رئيس الحكومة العراقية الأسبق، نوري المالكي، بأن هناك تحركات وتمركزات جديدة للقوات الأمريكية قرب مطار بغداد الدولي، كورقة ضغط أمريكية ضد الانتشار العسكري للميليشيات بالعراق، حيث تمتلك الولايات المتحدة حوالي5500 جندي أميركي في العراق.
ويفسر ذلك الاجتماع الموسع الذي عقدته هيئة الحشد الشعبي برئاسة زعيم منظمة بدر، هادي العامري، بحضور العديد من القيادات والعسكريين من الحشد، مثل: أبو مهدي المهندس، وقيس الخزعلي، وأكرم الكعبي، وأحمد الأسدي، ويفسر أيضًا حديث الدبلوماسي الإيراني السابق، مجتبي أماني، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين يسعون إلى تقليص حجم العلاقات الإيرانية – العراقية إلى مستوى العلاقات في فترة الرئيس الراحل صدام حسين.
الأهداف الإيرانية من زيارة ظريف للعراق:
تدرك إيران مدى خطورة الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية للالتزام بالإستراتيجية الأمريكية لحصار إيران على مكتسباتها العسكرية والتجارية والسياسية في العراق من ناحية، والترتيبات الأمريكية لإطلاق ما يسمى بتحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي لمواجهة ما تسميه واشنطن النفوذ الإيراني الإقليمي المتمدد من ناحية ثانية، ومدى أهمية العراق ذاته كمتنفس اقتصادي نحو العالم الخارجي من ناحية ثالثة، وهو ما يعكس سرعة زيارة ظريف للعراق بعد ثلاثة أيام من زيارة وزير الطاقة الإيراني، بيجين زنكنة، للعراق 10 يناير الجاري، وإعلان ظريف من العراق عن زيارة رئاسية إيرانية للعراق في مارس المقبل، لتحقيق الأهداف التالية:
• الحفاظ على المكتسبات واستمرارية العراق ضمن دائرة النفوذ الإيراني:
هدف رئيس من زيارة ظريف للعراق، بقوله في مستهل زيارته للعراق: “لدينا ماضٍ عريقٍ مع العراق، ونحن الدولة التي وقفت الى جانب الشعب العراقي في الفترة العصيبة، كما أن قطاعنا الخاص لعب دائمًا دورًا فاعلًا في إعادة إعمار العراق، وهناك علاقات تجارية قويّة جدًّا بين إيران والعراق، فالشعب العراقي يستضيف سنويًّا ملايين الإيرانيين، كما أن الشعب الإيراني يستضيف ملايين العراقيين، وهذا يبين أن هذه العلاقات راسخة”.
وقد حققت إيران -طيلة ما يقارب عقد ونصف عقد من الزمان- في العراق مكتسبات عسكرية، تتمثل في:
1. نجاحها بالضغط على العراق لدمج ميليشيات الحشد الشعبي المنتشر في ربوع الدولة العراقية ضمن الجيش العراقي في نوفمبر 2017.
2. مكتسبات تجارية: حيث تحتل إيران المرتبة الثانية في التجارة مع العراق، تسبقها تركيا في المرتبة الأولى، وتعقبها الصين في المرتبة الثالثة.
3. مكتسبات سياسية بحصول حلفائها العراقيين على حقائب وزارية ومقاعد برلمانية في الحكومة الجديدة، ما جعلها ضمن دائرة النفوذ الإيراني، وهو أهم مكسب إيراني عجّل بزيارة ظريف للعراق.

• احتواء العراق:
العراق يحتل أولوية كبرى في الإستراتيجية الإيرانية، ليس فقط لاعتبارات المكان والزمان والموارد، وإنما أيضًا كبوابة عبور في تصدير النفط إلى العالم الخارجي، للالتفاف على العقوبات، بأن تستمر في رفضها للعقوبات الأمريكية ضد إيران، إذ ترى الحكومة العراقية أن هذا صراع إيراني – أمريكي لا يخص العراق، وعقوبات أحادية وليست أممية، والاستمرارية في استيراد الغاز والكهرباء (تستورد العراق 1350 ميجاوات من الكهرباء عبر ثلاثة خطوط انتقالية في البصرة وديالة وعمارة، و28 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا لإنتاج الكهرباء) والسلع: (الأغذية، والمنتجات الزراعية، والأجهزة المنزلية، ومكيفات الهواء، وقطع غيار السيارات).
وكان الرئيس الإيراني، حسن روحاني، قد صرّح بإمكانية ارتفاع حجم العلاقات التجارية بين البلدين من 12 مليار إلى 20 مليار دولار أثناء زيارة برهم صالح لإيران نوفمبر 2018.
وقد أشار متابعون عن إمكانية أن تقوم إيران بنقل النفط إلى الأراضي العراقية على أن تقوم الحكومة العراقية بإعادة تصديره للعالم الخارجي تحت اسم الحكومة العراقية، خاصة في ظل وقوع سابقة إيرانية من هذا النوع جرى الكشف خلالها عن نقل إيران نفط عبر شاحنات إلى داخل الأراضي العراقية، لتصديرها للعالم الخارجي، كوسيلة للالتفاف على العقوبات الدولية قبل توقيع الاتفاق النووي.
حاجة الحكومة العراقية ذاتها لمصادر دخل جديدة، حيث الأزمات المتفاقمة، والأوضاع المتردية في المحافظات الجنوبية، رغم ثرائها النفطي مؤشر آخر على إمكانية قبول العراق للتعاون مع الإيرانيين في نقل النفط للعالم الخارجي من الأراضي العراقية، خاصة في ظل تزايد النفوذ الإيراني في العراق، وسيطرة الميليشيات الإيرانية على الحدود، وبالتالي تسهيل عبور النفط للعراق.
فالعراق هو الخيار الإستراتيجي الأمثل بالنسبة لإيران في نقل النفط للعالم الخارجي كوسيلة التفاف على العقوبات الأمريكية بالنظر إلى القرب الجغرافي بين ميناء البصرة، وحقول النفط الإيرانية المنتجة، وبالتالي سهولة النقل، وقلة التكلفة المالية والأمنية.
وهو ما يفسر اصطحاب ظريف لوفد يضم 30 شخصية رفيعة المستوى، بينهم اقتصاديين، ومستثمرين، وعشرات الشركات الرائدة في الأعمال الحكومية والقطاع الخاص، بل ومشاركته في الندوات الاقتصادية الثلاثة: الأولى ببغداد، والثانية بأربيل، والثالثة بكربلاء، بين التجار والمستثمرين العراقيين والإيرانيين؛ لتعميق العلاقات الاقتصادية (الإيرانية-العراقية) وتوسيع آفاقها مع العراق، وضمان وقوف العراق بعيدًا عن العقوبات الأمريكية ضد إيران.
الحيلولة دون تحويل العراق إلى قاعدة أمريكية: مسارعة ظريف لزيارة بغداد بعيد زيارتين أمريكيتين متعاقبتين على متن طائرتين عسكريتين:
الأولى قبل أسبوعين للرئيس ترامب للقوات الأمريكية، بقاعدة عين الأسد الجوية.
والثانية لوزير خارجيته بومبيو.
تعكس هواجس إيرانية من تعزيز الولايات المتحدة وجودها العسكري بالعراق، وتحوّل العراق إلى قاعدة عسكرية أمريكية، تُحدّ من نفوذها وانتشار ميليشياتها، وتعيق مخططاتها في العراق، خاصة بعدما نقلت الولايات المتحدة عددًا من معداتها العسكرية التي كانت في سوريا إلى ثلاث قواعد داخل الأراضي العراقية على خلفية قرار الانسحاب العسكري من سوريا، خاصة أن هذه المعدات تستلزم وجود جنود أميركيَّين إضافيين لإدارتها.
ويشير مراقبون إلى أن ظريف سيسعى لإقناع النظام العراقي بالتمسك بمبدأ السيادة من أجل الدفع بمجلس النواب إلى اتخاذ قرار ينص على رفض الإجراءات التي يتوقع أن تتخذها الولايات المتحدة ضد إيران من داخل الأراضي العراقية، ومن ضمنها التوسع في الحضور العسكري أو إقامة قواعد عسكرية أمريكية يمكنها استهداف مقرات الميليشيات ومواقع النفوذ الإيراني في العراق، أو على أقل تقدير استهداف الأراضي الإيرانية من الداخل العراقي.
ونختم بأن التحركات الأمريكية المكثفة -لتشديد الحصار على إيران، للانصياع للمطالب الأمريكية فيما يخص برنامجها النووي (تعديل الاتفاق بما يضمن عدم تخصيب اليورانيوم بعد انتهاء مدة الاتفاق 2025) وأنشطتها التوسعية (تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي والحديث عن تقديم ضربات للمقرات الإيرانية في سوريا انطلاقًا من العراق، ورغبة واشنطن في تعزيز وتوسيع تواجدها العسكري في العراق) وصواريخها الباليستية- تشكّل هواجس حقيقية لصناع القرار في إيران، في وقت تعاني فيه الأخيرة من أوضاع اقتصادية متردية على خلفية توقيع العقوبات الأمريكية، وتنامي حالة السخط الشعبي في الداخل الإيراني ضد النظام الإيراني برمته، وهو ما يكمن خلف زيارة الوزير الإيراني للعراق المركزية في الإستراتيجية الإيرانية، التي يعتبرها الإيرانيين رئة اقتصادية حيوية، ومتنفسًا اقتصاديًّا قويًّا.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير