انخفاض وتيرة الاحتجاجات في إيران: الأبعاد والمآلات

بالرغم من ارتفاع مستوى الاستياء الشعبي في إيران، إلّا أنّ وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي كشف في التاسع عشر من أغسطس 2019 بتراجع الاحتجاجات الفئوية بمعدّل 38 %، ما يثير تساؤلاتٍ عديدةٍ حول أسباب هذه المفارقة ودلالتها وأبعادها ومآلات الحراك الاجتماعي في إيران في ظلّ الأوضاع الراهنة التي تعيشها البلاد على المستويين الداخلي والخارجي.

من التصعيد إلى التهدئة
شهدت إيران بعد نهاية الانتفاضة الممتدّة من ديسمبر 2017 وحتى منتصف يناير 2018، تنامي الحركات الاحتجاجية ذات الطابع الفئوي بصورةٍ تصاعديةٍ، حيث وصلت أوجها في مايو 2018 بالتزامن مع انهيارٍ حادٍّ في العملة الوطنية وشحٍّ في الدولار، وتراجعٍ في المؤشّرات المؤثّرة على الأوضاع المعيشية لفئاتٍ متعدّدٍّة من المجتمع. وهذا الأمر دفع بفئاٍت وشرائحَ واسعة للانضمام إلى الحركة الاحتجاجية، من أبرزها: العمال والطلبة والتجار (البازار) والمعلمون والأطباء وغيرهم. وقد كان للتصعيد الأمريكي الذي انتهى إلى الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، الدور الأبرز في إذكاء وتيرة الحراك الاجتماعي، كما ظهرت تأثيرات القرار الأمريكي على تراجع مؤشرات الاقتصاد بصورةٍ واضحة، إضافة إلى ذلك، هناك الأثر النفسي على المجتمع الإيراني، خاصةً أنّ الإدارة الأمريكية كانت تراهن على الضغط على الحكومة من خلال ورقة العقوبات لإثارة المواطنين ضدّها، وهو ما حدث بالفعل خلال العام 2018 بصورةٍ واضحة.
رصدت تقارير خلال النصف الثاني من مايو 2018، وتحديدًا بين 20 و27 مايو ما يقارب ال489 احتجاجًا في مدنٍ مختلفةٍ من إيران، أي بمعدل 69 احتجاجًا في اليوم، لكن ما لبثت وتيرة الاحتجاجات في التراجع تدريجيًّا مع بداية العام 2019، وإن لم تنتهِ بصورةٍ كاملةٍ، كما أفاد وزير الداخلية بأنّها تراجعت بنحو 38 % تقريبًا عن معدلاتها السابقة.

تراجعٌ غير مُبرّر للاحتجاجات
على أرض الواقع، لم يحدث التغيير الحقيقي في مؤشرات الحياة أو على الصعيد الاقتصادي بالمعدّلات التي تؤثّر على تراجع الحركة الاحتجاجية إلى هذه الدرجة، بل على العكس ازدادت الأوضاع سوءًا خلال الشهور الأخيرة من العام 2018 وخلال الشهور المنقضية من العام 2019. فقد تزايدت نسبة البطالة بين الشباب ووصلت إلى حوالي 25 % في ربيع 2019، مقارنةً بمعدّلٍ عامٍ بلغ 12 % مع نهاية العام 2018، وبلغت نسبة التضخم في الفترة ذاتها حوالي 26.6 % مقارنة ب 10.2% في سبتمبر 2018، كما تراجعت معدّلات النمو الاقتصادي، وتراجعت قيمة العملة مما دفع الحكومة إلى حذف أربعة أصفارٍ من عملتها الوطنية.
كل هذه التطورات السلبية تأثّرت بالضغوط الأمريكية التي بلغت ذروتها منذ مايو الماضي بإلغاء الإعفاءات على صادرات إيران النفطية، وبالتالي تراجعت إلى أقل من 300 ألف برميل يوميًّا في يونيو. وتشير تقاريرٌ إلى بلوغها قرابة 100 ألف برميل يوميًّا في يوليو، بدلًا عن 1.1 مليون برميل مطلع العام 2019، و2.9 مليون برميل قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في منتصف 2018. وذلك بالإضافة إلى العقوبات التي شملت حظرًا على صادرات البتروكيماويات وصادرات المعادن، لحرمان إيران من مصادر العملة الأجنبية، وتقليل حجم عائداتها من الصادرات إلى الحدّ الأدنى ضمن حملة الضغوط الاقتصادية القصوى التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
واجهت إيران صعوباتٍ وتحديّاتٍ في تعاملاتها البنكية للحصول على عائدات صادراتها النفطية وغير النفطية إلى دول العالم، نتيجةً للعقوبات على قطاع التعاملات المالية الذي شملته العقوبات الأمريكية. كما فشلت الأطراف الأوروبية في الوفاء بوعودها لإيران بمساعدتها على تصدير نفطها وإيجاد آليةٍ ماليةٍ لتصفية تعاملاتها المالية مع العالم الخارجي كما كان متفقٌ عليه بين الجانبين، وذلك خشية التعرّض للعقوبات الأمريكية. جديرٌ بالاهتمام أنّ السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة الإيرانية لم تسهم في وقف تدهور الأوضاع الاقتصادية، وخفض مؤشرات الفقر وتحسين مستوى المعيشة وتخفيض معدلات التضخم والبطالة، مما زاد من وتيرة الاستياء العام، وهو ما لا ينسجم مع إشارة وزير الداخلية الإيراني إلى تراجع معدّلات الاحتجاج.

سياسة ممنهجة للاحتواء
يمكن إيجاد تفسيرٍ للمفارقة بين تزايد حالات الاستياء في الوقت الذي تراجعت فيه الاحتجاجات، من خلال الإشارة إلى عددٍ من العوامل، منها: قيام الحكومة الإيرانية باستثمار الضغوط الأمريكية لتخفيض حدّة التوتّر المجتمعي واستيعاب الحركة الاحتجاجية المتنامية، ويُرجّح نجاح الحكومة من خلال دعايتها في التهدئة الداخلية، وامتصاص الغضب الجماهيري، والعمل على خلق إجماعٍ وطنيٍّ باعتبار مواجهة الدولة لخطرٍ وجوديٍّ خارجي. وهناك أيضًا توظيف الاستعراض الشكلي الذي قام به الحرس الثوري بما يظهر كتحدٍّ إيرانيٍّ للولايات المتحدة في مياه الخليج في إطار رفع الروح المعنوية للحكومة وعلى المستوى الشعبي، والخبرة التاريخية تفيد بنجاح الحكومة الإيرانية في تحقيق التفافٍ شعبيٍّ حول سياساتها وقت الأزمات.
وبالرغم من أنّ الحركة الاحتجاجية قد اكتسبت زخمًا مع الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي ورهان واشنطن على الحراك الداخلي، لكن مع الوقت باتت القوى المحتجّة في الداخل على يقينٍ بأنّ مسألة تغيير الحكومة غير واردة ضمن إستراتيجية الإدارة الأمريكية، ما أضعف من زخم الاحتجاجات وأثّر على حماس الجماعات المساهِمة في عملية التعبئة.
ومع تزايد الاحتجاجات الفئوية تبنّت الحكومة خطةً متكاملةً متنوعة العناصر للتعامل معها. العنصر الأول هو الأمني، ومارست فيه السلطة عمليات القمع والاعتقال والإخفاء القسري للعناصر المُحتجة، وتوجيه الاتهامات الجاهزة بالتآمر والعمل لصالح القوى الخارجية. كما استخدمت الحكومة في هذه الإجراءات قوات «الباسيج» وعناصر «حزب الله» والبلطجية لترهيب المُحتجين ومنع تمدّد الاحتجاجات واستمرارها. أما العنصر الثاني فهو السياسي، وشمل تقنين التظاهرات وتحديد أماكن لها للسيطرة عليها والتعامل مع عناصرها، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير اقتصادية لمواكبة تردّي الأوضاع والتعامل مع المطالب المتصاعدة، هذا إلى جانب إبداء مرونةٍ تجاه بعض الفئات والتعاطي الإيجابي مع مطالبها، مع فتح حوارٍ ونقاشٍ حول الأزمات داخل مؤسسات الحكم. ولإظهار التغييرات ومواكبة التطورات، اتجهت الحكومة لعمل تعديلاتٍ وزاريةٍ شملت المواقع الاقتصادية. وتم تكثيف الخطاب الديني من أجل تهدئة الغضب الشعبي، والعمل على إعادة التماسك الوطني، لمواجهة ما اعتبرته الحكومة استهدافٌ خارجيٌّ للنيل من الأمة الإيرانية وهدم مقوّماتها.

مستقبل الاحتجاجات
إنّ تراجع الاحتجاجات الفئوية بمعدّلٍ يقترب من 40 % باعتراف وزير الداخلية، يعني أنّ 60 % منها لا يزال قائمًا، وبالتالي فإنّ المجتمع لا يزال يعيش حالةً من التوتّر وعدم الرضا في ظلّ ظروفٍ وأوضاعٍ اقتصاديةٍ ومعيشيةٍ تزداد صعوبةً مع الوقت.
وإن كانت الحكومة الإيرانية قد نجحت في خفض معدّلات التوتّر خلال هذه المرحلة، باستخدام كافة أدواتها الأمنية والسياسية، إلّا أنّ عدم وجود حلولٍ حقيقيةٍ للأزمة الاقتصادية لن يكون سوى عملية تهدئةٍ مؤقتةٍ لا تلبث أن تنتهي، بل تخفت ليعود التوتّر بمعدلاتٍ أكبر وتأثيراتٍ أوسع. ولا شك أنّ بوابة العبور من الأزمة تتمثّل في إيجاد حلولٍ حقيقيةٍ للضغوط الخارجية التي تقف كتحدٍّ رئيسيٍّ أمام دوران عجلة الاقتصاد بصورةٍ طبيعية.
هناك عدّة مؤشّرات تفيد بأنّ الاحتجاجات القائمة لن تتوقف، ومعدّلاتها سوف تتزايد خلال الفترة القادمة، في ظلِّ انضمام المزيد من الشباب إلى طابور البطالة مع ارتفاع معدّلات التضخم. وبالنظر كذلك إلى التداعيات المحتملة لانخفاض عائدات النِّفط إلى حدِّها الأدنى، وعجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وفقدان السياسات التقشفية لفاعليتها، وبانتهاء الاستحقاق الرئاسي لترامب في غضون الشهور القادمة، الذي على الأغلب سيحسمه لصالحه، وستكون الإستراتيجية الأمريكية بصدد مزيدٍ من التصعيد. هذه المؤشّرات من شأنها أن تفاقم من تآكل شرعية الحكومة التي تقف عاجزةً أمام العقوبات الأمريكية على الصادرات الإيرانية وعلى الشبكات المالية. لكن في مقابل هذا السيناريو فإنّ هناك احتمالٌ لتراجع وتيرة الاحتجاجات ولكن بانخراط إيران في مفاوضاتٍ مع الولايات المتحدة، لا سيما بعد احتدام الضغوط الأمريكية، وإدراك الحكومة الإيرانية أنّها ستكون على وشك الانهيار.
وفي ظلِّ الضغوط والوساطات الدولية القائمة ومن أهمها الوساطة الفرنسية، فإنّ احتمال الدخول في عملية التفاوض، سواء عبر هذه الوساطة أو غيرها من المبادرات أو مسارات التسوية، أو إذا ما تم تعليق بعض العقوبات النفطية والمالية عبر ضخِّ مزيدٍ من المساعدات؛ فإنّ ذلك قد يصاحبه انفراجٌ اقتصاديٌّ يعمل على تهدئة الداخل وتسكين الاحتجاجات الفئوية.
ويمكن القول بأنّ الاحتجاجات الفئوية بطبيعتها تعكس واقعًا اقتصاديًّا أكثر من تعبيرها عن مطالب سياسية، فالوضع في إيران ليس مرشّحًا لثورةٍ على الحكومة. ومن ثمَّ فإنّ معالجة هذه التوتّرات ممكنة، لا سيما أنّ الحكومة تمكّنت من استيعاب تمدّد هذه الاحتجاجات إلى حدٍّ ما، لكن استيعابها مستقبلًا بصورةٍ واسعة النطاق؛ سيكون رهينًا بمعالجة الحكومة لأزمتها الاقتصادية وانهاء العقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة، أو التغلّب على تداعياتها، وهذا المسار الواقعي لا يمكن التعامل معه إلّا بإبداء مرونةٍ فيما يتعلّق بمسألةِ التفاوض.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير