اندلاع الاحتجاجات العراقية بالمحافظات الجنوبية.. هل لإيران دور؟

استمرّت الاحتجاجات العراقية بمحافظة البصرة المصدِّرة للنِّفْط جنوبي العراق لليوم السادس على التوالي، وأعلن محتجُّوها يوم 14/7/2018 اعتصامًا مفتوحًا حتى تلبية مطالبهم، وتصاعدت الاحتجاجات يوم 13/7/2018([1]) بتعاظم خريطة انتشارها الجغرافي وتمدُّدها إلى خمس محافظات أخرى، النجف وميسان وذي قار وبابل والناصرية، وبتنوع أساليب وأدوات ضغط المحتجين، إذ أغلقوا ميناء أم قصر في محافظة البصرة([2])، أحد أكبر المواني العراقية، واقتحموا مطار محافظة النجف وسيطروا عليه كاملًا، وحاصروا منزل محافِظ ذي قار ومبنى المحافظة([3])، ونصبوا الخيام في محافظة بابل أمام مبنى مجلس المحافظة، وقطعوا الطريق الذي يربط محافظتي البصرة وبغداد.

تأتي تلك التظاهرات احتجاجًا على سوء الأوضاع الخدمية (أزمة الكهربا، وأزمة مياه الشرب)، وتفاقم معدلات البطالة، واستشراء الفساد في مفاصل الدولة العراقية على نحو أثَّر على أوضاع المحتجين المعيشية والاقتصادية في محافظاتهم الغنية بالنِّفْط والمصدرة له، مردِّدين هتافات ضدّ تفشِّي الفساد والتوغُّل الإيراني في العراق ممثلًا في ميليشيات الحشد الشعبي العراقي وضدّ المحاصصة الطائفية الضيقة، معبِّرين عن ذلك بإحراق مقرات كتائب حزب الله العراقي([4]) في محافظة النجف لكونه إحدى أبرز الميليشيات الشيعية انتشارًا مسلَّحًا في المحافظات الجنوبية، وإحراق مقرَّات أحزاب الدعوة والحكمة والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي([5])، مطالبين بتوفير فرص العمل وحلّ الأزمات الخدمية، خصوصًا أزمتي المياه والكهرباء.

وفي خطوة منه لإدارة الأزمة وتلافي خطورتها في المحافظات النِّفْطية التي تشكِّل عصب الاقتصاد الرئيسي للعراق، الذي يُعَدّ ثاني أكبر منتج للنِّفْط في منظمة الأقطار المصدرة للنِّفْط “أوبك“، بعد السعودية، بطاقة إنتاجية قدرها 4.8 مليون برميل يوميًّا([6])، وذلك لاحتواء تلك المحافظات على الجزء الأكبر من المنشآت النِّفْطية العراقية، فضلًا عن احتوائها على مواني عبور النِّفْط للعالم الخارجي – زار رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته حيدر العبادي البصرة لتهدئة الأوضاع([7])، بالإضافة إلى عقده اجتماعًا طارئًا برئاسته لدراسة مطالب المحتجين وتلبيتها، مع تشديده على قبول التظاهرات السلمية وعدم التطرُّق إلى المؤسسات الحكومية.

في هذا المقام من الأهمية بمكان الإشارة إلى توقيت اندلاع الاحتجاجات، إذ تأتي في وقت يتجاذب فيه ملفّ تشكيل الحكومة الجديدة فريقان، أحدهما يقاتل على بقاء العراق في دائرة النفوذ الإيراني على نحو يضمن الحفاظ على المكتسبات الإيرانية في العراق من جهة، والحيلولة دون رجوعه إلى محيطه العربي كخَطٍّ فاصل بين حضارتين من جهة ثانية، لذلك يسعى بكل قوته لتشكيل حكومة جديدة تحتكم إلى مرجعية قم لا إلى مرجعية النجف، وتعمل وكيلًا رسميًّا لإيران وبندقيتها ويدها الطُّولَى في المعادلة الجديدة، والآخر ينافس على عروبة العراق بحكم حضارته وتاريخه وقواسمه المشتركة مع الدول العربية وعودته إلى محيطه العربي، لذلك يبذل جهودًا كبيرة في سبيل عروبته وعودته لمحيطه العربي التي حفظت وستحفظ له أمنه ووحدته الوطنية والترابية.

كذلك تأتي في وقت انتشر فيه الفساد، بخاصة في المحافظات الجنوبية الغنية بالنِّفْط، حيث يشعر المواطن العراقي في البصرة وغيرها بمظلومية، فكيف يعيش في محافظة غنية بالنِّفْط تُعتبر الأغنى بين المحافظات العراقية من حيث الاحتياطي النِّفْطي، وتشكِّل صادراتها النِّفْطية أكثر من 65% من عائدات العراق، وفي الوقت نفسه يعيش أوضاعًا اقتصادية صعبة، إذ يصنَّف العراق من أكثر الدول فسادًا في العالم -رغم عائدات تصدير النِّفْط، وإن شهدت تراجعًا جراء تراجع تصدير النِّفْط العراقي منذ مارس 2018([8])– إذ يُقَدَّر حجم المبالغ المهرَّبة إلى الخارج من الموازنة العراقية خلال السنوات العشر الماضية بنحو 361 مليار دولار، بينما قدَّرتها مصادر أخرى بأكثر من 500 مليار دولار([9]).

وتُعَدّ إيران أحد أهمّ أسباب تفشِّي الفساد في ربوع الدولة العراقية ومفاصلها ومؤسساتها الحكومية، فلكي تضمن مدّ نفوذها في الداخل العراقي وتنفيذ مآربها اعتمدت الدولة الإيرانية على استبعاد الشخصيات العراقية الوطنية من مراكز القيادة في العراق لصالح بيادق موالية لها وتأتمر بأمرها، وهذا ما جرى خلال ولايتَي نوري المالكي، بيد أن محاربة الفساد بكل أنواعه في العراق تبدأ من محاربة الفساد السياسي بالعراق الذي يترتب عليه فساد مالي وإداري، ومحاربة الفساد السياسي تبدأ من محاربة الميليشيات الإيرانية واقتلاع جذورها من الدولة العراقية.

ولا يمكننا إغفال أن الاحتجاجات تأتي بعد أيام قليلة من تهديدات الرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش زيارته سويسرا، باستهداف النِّفْط في المنطقة، ومنه نِفْط العراق، بقوله إن إيران لن تسمح لدول المنطقة ببيع نفطها إذا خضع النِّفْط الإيراني للمقاطعة الأمريكية والدولية([10])، وتهديدات قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد على جعفري بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النِّفْط الخليجي والعراقي إذ لم تتمكن إيران من تصدير نفطها بسبب الضغوط الأمريكية، وهو ما جعل القيادة المركزية للجيش الأمريكي تعلن أن البحرية الأمريكية مستعدَّة لضمان حرية الملاحة الدولية([11])، وبعد أيام قليلة من قطع إيران تدفق مياه نهر الزاب الصغير إلى إقليم كردستان، مما تسبب في أزمة توفير مياه الشرب في بعض المحافظات العراقية([12])، ووقفها خطوط الكهرباء التي يستوردها العراق، الأمر الذي أفقد العراق نحو 1400 ميغاوات، إذ يستورد العراق ما بين 1500 و2000 ميغاوات من إيران لتغطية عجز إنتاجه الداخلي بحجم 8000  ميغاوات/ساعة، مما يدفع لعراق إلى الاستيراد من الخارج، لا سيما إيران، إذ يحتاج إلى ما يزيد على 23 ألف ميغاوات/ساعة من الكهرباء دون انقطاع لتلبية الاحتياجات العراقية (المؤسسات والسكان)، في حين تنتج فقط  15 ألف ميغاوات من الكهرباء، وتتفاقم الأزمة في فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية([13])، فضلًا عن تجاوز عدد الميليشيات الشيعية في العراق أكثر من 60 ميليشيا، ممثلة في الحشد الشعبي المسلح المتجذر في المحافظات العراقية الشيعية كافة ذات المنشآت النِّفْطية.

ولكن التساؤل الملحّ الآن هو: هل لإيران دور في هذه الاحتجاجات التي طالت شرارتها بعض ميليشياتها المسلحة في العراق بإحراق مقرات حزب الله العراقي وبعض الأحزاب الشيعية الأخرى الطائفية؟

يُخطِئ من يظنّ أن هذه الاحتجاجات بعيدة كل البعد عن إيران، فإن لم يكُن بإشعال فتيلها، فبتوغلها في العراق ولعبها بورقة الطائفية وجلبها أشخاصًا غير وطنيين موالين لها في جهاز صنع القرار العراقي على نحو فاقم معدَّلات الفساد، بخاصة مع تداول وسائل إعلامية وجود مخطَّط إيراني لاستهداف شركات نفط الجنوب العراقية، واستغلال ما سُمي “ثورة الجنوب الشيعي”([14])، ومِن ثَمَّ فكل ما يدور في العرق وثيق الصلة بإيران وتوغُّلها في العراق، إذ لم يكُن في صالحها منذ الغزو الأمريكي للعراق “عراق مستقرّ آمن”، وإنما تتغذى إيران وميليشياتها على العراق المهترئ الضعيف ليستمرّ خاضعًا تابعًا لإيران وميليشياتها، فماذا تكون الحجج الإيرانية من وجود ميليشياتها المسلحة بالمحافظات العراقية إذا ما استقر العراق؟

هذه الاحتجاجات تكشف نتيجة غاية في الأهمية رغم إيلائها أهمية خاصة لمطالبها الخدمية والحقوقية، وهي استمرارية تَطلُّع وتمسك المواطنين العراقيين بعروبة العراق وسخطهم على القبضة الإيرانية الممتدة بقوة داخل العراق، ورغبتهم في إضعاف هيمنة القوى السياسية والميليشيات الشيعية المستقوية بإيران على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، مما يمكن أن ينعكس إيجابًا على المعادلة العراقية الداخلية ومكافحة الفساد السياسي والمالي والإداري الذي صنع أوضاعًا اقتصادية صعبة للعراقيين منذ التوغُّل الإيراني بعد الغزو الأمريكي للعراق.

هؤلاء المواطنون الذين صوَّت جزء كبير منهم لصالح تحالف سائرون العابر للطائفية المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، يبدو أنهم باتوا يدركون بشدة الألاعيب الإيرانية للسيطرة على المشهد العراقي وبقاء العراق في دائرة النفوذ الإيراني، بخاصة بعد الضغوط الذين مارسوها على الصدر للتحالف مع زعيم منظمة بدر هادي العامري، وهذا ما يفسِّر استهدافهم بعض المقرات الشيعية لميليشيات الحشد الشعبي، وترديدهم هتافات ضدّ إيران وميليشياتها في العراق، فهذا يمثل إدراكًا عراقيًّا آخر لحضارة العراق الممتدة عبر التاريخ بعد تصويتهم لصالح سائرون العابر للطائفية.

في هذا السياق يأتي إعلان المرجعية الدينية العليا في العراق -توجد خلافات بين مرجعية قم والنجف لمساعي الأولى لسحب البساط من تحت الثانية بالعراق- تضامنها مع المحتجين معتبرة إياها تظاهرات “حقة”([15])، فضلًا عن إعلان مقتدى الصدر تضامنه مع الاحتجاجات مقترحًا تبنِّي سياسة الخصخصة لحل مشكلة الكهرباء بشرط تسليمها لشركات عراقية أو أجنبية! مطالبًا المتظاهرين بالمحافظة على السلمية وحماية الممتلكات العامة، وطالب قوات الأمن بعدم استعمال العنف ضدّ المتظاهرين([16]).

وفي النهاية، يظهر وعي عراقي حقيقي بخطورة استمرار الميليشيات الإيرانية على مستقبل العراق السياسي والاقتصادي والعسكري، ينبغي أن يستثمره المجتمع الإقليمي والدولي، على أن يتجلى ذلك في استمرارية تضييق الحصار والخناق على إيران وميليشياتها المسلَّحة بالدول العربية إذا ما أراد استقرارًا وأمنًا إقليميًّا ودوليًّا، إذ دخلت المنطقة دوَّامة العنف والاضطرابات وتفاقُم معدَّلات الصراع منذ بدء التوغُّل الإيراني بعد سقوط العراق 2003، ولكن على أي حال يشكِّل إدراك المحتجِّين العراقيين لخطورة إيران وتطلعاتها التوسعية والمذهبية الضربة الثانية، بعد الضربة الأولى بتصويتهم لتحالف سائرون العابر للطائفية، وقد يؤثِّر ذلك على النفوذ الإيراني الإقليمي، لا سيما مع تَعرُّض وكلاء إيران لضربات قوية في اليمن باسترداد قوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن مطارَ الحديدة، في طريقهم لاسترداد ميناء الحديدة الاستراتيجي الهامّ، وفي سوريا بتنسيق شريكها الروسي مع واشنطن وتل أبيب لتحجيم النفوذ الإيراني، ومن شأن كل ذلك أن يؤثِّرَ سلبًا على المشروع الإيراني الإقليمي.

وتظلّ أزمة الكهرباء العراقية تتطلب جهودًا خليجية أكبر لمساعدة العراقيين على الخروج من العباءة الإيرانية، إذ تشكِّل الكهرباء الإيرانية ورقة ضغط قوية على العراقيين، وهذا ما أدركته المملكة العربية السعودية بتوقيعها اتفاقيتَي التعاون السعودي-العراقي في المجال الكهربائي لتقليل الضغط الإيراني على العراق من ناحية واستقلالية العراق وعودته لمحيطه العربي من ناحية أخرى.

[1]
إرم نيوز: محتجون على سياسة الحكومة العراقية يبدؤون اعتصامًا مفتوحًا في البصرة، 13 يوليو 2018م، http://cutt.us/xuNoi.
[2]
بغداد اليوم: البصرة.. المتظاهرون يغلقون ميناء أم قصر بالكامل، 13/ 7/ 2018م، http://cutt.us/7Bxh0.
[3]
([3]) وكالة أنباء الرأي العام: تظاهرات وسط الناصرية تطالب بإقالة المحافظ ومدراء البلدية والصحة والتربية، 13 يوليو 2018م، http://cutt.us/pkY2o.
[4]
صحيفة تواصل الإلكترونية: العراق.. متظاهرون يحرقون مقر كتائب حزب الله في النجف، 14 يوليو 2018م، http://cutt.us/h0gAk.
[5]
الغد برس: حرق مقر لحزب الدعوة من قبل المتظاهرين في ميسان، 13 يوليو 2018م، http://cutt.us/6aHx7.
[6]
العراق.. صادرات النفط تفوق 108 مليون برميل بإيرادات تقترب من 7 مليار دولار، http://cutt.us/IOj13.
[7]
كونا "وكالة الأنباء الكويتية": العبادي يزور البصرة لتهدئة المظاهرات الشعبية الواسعة التي تشهدها، 13/ 7/ 2018م، http://cutt.us/OIkEU.
[8]
تراجع صادرات نفط العراق وإقليم كردستان في آذار الجاري، http://cutt.us/n8gt4.
[9]
العبادي يعلن إحالة ملفات فساد "خطيرة" إلى القضاء، http://cutt.us/Nc2yT.
[10]
"نظرية مؤامرة" تفسر أحداث البصرة بأنها اختراق إيراني في الحرب النِّفْطية بين طهران وواشنطن‎، http://cutt.us/NqCT.
[11]
قائد الحرس الثوري: التهديد بإغلاق مضيق هرمز سيتمّ تنفيذه إذا اقتضت الضرورة، http://cutt.us/gPFA
[12]
إيران تقطع تدفق مياه نهر الزاب الصغير إلى إقليم كردستان، http://cutt.us/eOzE4.
[13]
علي معموري، لماذا قطعت إيران الكهرباء عن العراق؟، http://cutt.us/4VaUI.
[14]
"نظرية مؤامرة" تفسر أحداث البصرة بأنها اختراق إيراني في الحرب النِّفْطية بين طهران وواشنطن‎، http://cutt.us/NqCT.
[15]
روسيا اليوم: المرجعية الدينية العليا تعلن تضامنها مع احتجاجات البصرة، 13 يوليو 2018م، http://cutt.us/LpHcV. وشفقنا: المرجعية العليا.. ما نشهده من أوضاع مأساوية نتيجة المحاصصة والمحسوبية وعدم مواجهة الفساد، 13 يوليو 2013م، http://cutt.us/6GwK9.
[16]
وكالة أنباء الرأي العامّ: الصدر يُصدِر بيانًا حول تظاهرات البصرة، 12 يوليو 2018م، http://cutt.us/CKLU3.
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير