حجب تليغرام.. بين الأمن القومي وتكلفة الفرص الضائعة

بين ليلة وضحاها لن يتمكّن أكثر من نصف عدد سكان إيران من إرسال الرسائل النصية والمسموعة والمرئية كما تعوّدوا لسنوات عبر التطبيق الأشهر “تليغرام”، الذي يستخدمه أكثر من 40 مليون إيراني، بعدما أعلنت السلطات الإيرانية عن حجب تطبيق الشهير بحلول منتصف هذا الشهر، أبريل، تحت ذريعة خطورته على “الأمن القومي الإيراني والدور المخرّب الذي لعبه في احتجاجات الأعوام الأخيرة”، في مقابل تقديم تطبيق محليّ الصنع يُدعى “سروش” يفترض الإيرانيون أنه سيراعي الأمن القومي الإيراني، وفقًا لتصريح رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني علاء الدين بروجردي.
فما مفهوم الأمن القومي من وجهة النظر الإيرانية ووجهات نظر أخرى؟ ولماذا ستقدم إيران على حجبه؟ ولماذا كان يشترك فيه نصف الشعب الإيراني؟ وهل هناك تكلفة سيتحملها عند حجبه؟ وهل التطبيق المحلي البديل سيحمي الأمن القومي للنظام عمليًّا؟

“الأمن القومي” من وجهات نظر متباينة:
في رسالة بحثية أعدّها الباحث علاء عبد الحفيظ محمد لـ”المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات” (مقره ألمانيا) تضمنت أن “المفهوم التقليدي والضيّق للأمن القومي كان يعني الحماية العسكرية من الهجوم الخارجي بتقوية الدفاعات المسلحة، ثم أثبت التاريخ أن الجانب العسكري على ما له من أهمية إلا أنه يُعَدّ بُعدًا مِن ضِمن أبعاد أخرى لمفهوم الأمن القومي الأوسع الذي يشمل أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية”. ويقول وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي سابقًا، هنري كيسنجر، عن مفهوم الأمن القومي بأنه “أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء”، في حين يرى وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، روبرت ماكنمارا، الأمن القومي من وجهة نظر متباينة، قائلًا: “الأمن هو التنمية، ومن دون تنمية لا يمكن أن يوجد أمن، والدول التي لا تنمو في الواقع لا يمكن ببساطة أن تظل آمنة”.

استلاب الحرية:
إنّ المادة التاسعة من الدستور الإيراني لعام 1989 تنص على أنه: “في جمهورية إيران الإسلامية تُعَدّ الحرية والاستقلال والوحدة وسلامة الوطن أمورًا غير قابلة للتجزئة، وتكون المحافظة عليها من مسؤولية الحكومة وجميع أفراد الشعب”. وفي جزء آخر من نفس المادة ورد ما نصّه: “لا يحق لأي مسؤول أن يسلب الحريات المشروعة بذريعة المحافظة على الاستقلال ووحدة البلاد، ولو كان ذلك عن طريق وضع القوانين والقرارات”.
وعلى الرغم من وضوح نص الدستور في ما يتعلق بعدم أحقية إصدار قوانين لسلب الحريات العامة بذريعة المحافظة على وحدة البلاد، فإن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية البرلمانية علاء الدين بروجردي يرى أن قرار حجب تطبيق التراسل “تليغرام” ضروري “للحفاظ على الأمن القومي بالنظر إلى الدور المخرّب الذي لعبه في أزمات الأعوام السابقة”. ويرى مسؤولو الأمن القومي الإيرانيون عامة أن استخدام التطبيق لعب دورًا كبيرًا في خلق الاحتجاجات الشبابية خلال السنوات الماضية والأيام الأخيرة من عام 2017.
وبالإضافة إلى أن حرية التعبير جزء أصيل من الحريات العامة بمفهومها الواسع، تُعَدّ التسلية والرفاهية والتواصل الاجتماعي والكسب والانتفاع ومشاركة المعارف بين الملايين حريات عامة لا يفترض سلبها عمومًا، وحجب تطبيق واسع الانتشار مثل “تليغرام” كان يوفر كل هذه الحريات والمنافع لأكثر من نصف الشعب الإيراني كما سيتضح.

تكلفة الفرص البديلة لحجب “تليغرام”:
تكلفة الفرص البديلة، أو Opportunity Costs، هي أحد المبادئ الأساسية لعلم الاقتصاد، وتعني باختصارٍ الثمنَ أو المنفعة التي نضحي بها لعدم اتخاذ قرار ما مقابل المردود المتوقع مقابل قرار آخر، المردود الذي يتوقعه النظام الإيراني هو منع الاحتجاجات الشعبية مستقبلًا أو على الأقل وقف سرعة انتشارها على الأرض، أما تكلفة الفرص البديلة المضحى بها فمتنوعة، نذكرها في النقاط التالية:

1- وقف الأعمال التجارية لعشرات الآلاف من الشباب الإيراني المستخدم للتطبيق في التسويق لمنتج أو بضاعة أو تقديم خدمات متنوعة. من 10 إلى 15 ألف تاجر إيراني يعرضون بضاعتهم وخدماتهم عبر “تليغرام” ويوفرون دخولًا مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 180 ألف أسرة إيرانية، وفقًا لما أعلنه النائب الأول لرئيس لجنة التجارة الإيرانية الحديثة، أفشين كلاهي، وإذا ما كان متوسط عدد أفراد الأسرة الإيرانية يبلغ 5 أفراد فإن “تليغرام” سيكون له علاقة مباشرة بمعيشة 900 ألف إيراني.

2- لا تقتصر تكلفة الحجب على الدخل وكسب المال فقط، بل تمتد لتشمل تكلفة حجب التسلية والترفيه وآثارها الاجتماعية، فنسبة كبيرة من مستخدمي “تليغرام” من الشباب والمراهقين، وطبقًا لموقع “اقتصاد نيوز” فالشباب والمراهقون يحصلون على 60% من احتياجهم إلى الترفيه والتسلية من خلال استخدام قنوات “تليغرام” المتنوعة، خصوصًا مع تناسب التطبيق مع سرعة الإنترنت البطيئة في إيران، وحجب هذا المتنفس يمكن أن يؤدي إلى كبت طاقة المراهقين تحديدًا، مما يؤدي إلى نمو نسبة الأزمات الاجتماعية والأخلاقية.

3- تزايد تكلفة الاتصالات على الأسر وفقدان أرشيف العائلات، إذ كانت الأسر الإيرانية تستخدم التطبيق في إجراء الاتصالات وتبادل الرسائل مجانًا بدلًا من الاتصالات أو خدمات الرسائل المدفوعة SMS، خصوصًا الأسر محدودة الدخل. بالإضافة إلى غياب أرشيف كامل للعائلات الإيرانية على “تليغرام”، فأكثر من نصف الشعب يستخدمونه في تسجيل الوثائق والصور والتسجيلات وتوثيق المناسبات العائلية أو الاجتماعية، مع الحجب سيضيع الأرشيف المخزن منذ سنوات.

4- فقدان مشاركة المعرفة بين الأفراد، والكشف عن سوء استغلال السلطة والفساد، فقد مكّن “تليغرام” الإيرانيين من تزايد الترابط الاجتماعي والمعرفي بينهم من خلال تشارك الخبرات المكتسبة بين أفراد المجتمع. ويقول المختصون الإيرانيون إن غياب المشاركة المعرفية سيجعل من كل فرد يتصرف وفق خبرته الشخصية الضيّقة، ما قد يقود إلى انهيار اجتماعي. من ناحية أخرى، كان “تليغرام” بمثابة أداة شعبية لمراقبة أداء المسؤولين الرسميين وكشف عمليات الفساد والتشهير بالمتورطين، وبالتالي كان المسؤولون يخشونه ويضعون له حسابًا.

5- زعزعة الثقة في النظام، فاستمرار عمل التطبيق حتى مع احتوائه على بعض القنوات المضللة أو المحرضة يزيد من ثقة الشعب في النظام القائم، وفقًا لما يرى الموقع الإيراني المختص بأحوال الاقتصاد السابق الإشارة إليه، ويُظهِر أنه لا توجد حدود أو قيود على المحتوى والنشر وإبداء الآراء المختلفة، بينما حجبه يقود إلى الشك في حرية التعبير والرأي في إيران.

هل يجدي الحظر؟
اتجه عدد من الدول المتحفظة في الشرق الأوسط مؤخرًا إلى فك الحظر على كثير من تطبيقات التواصل الاجتماعي، بعد توصلها إلى نتيجة مفادها أن “الممنوع مرغوب” وأن استمرار سياسة الحجب يوجه كثيرًا من المواطنين إلى استخدام برامج فك الحظر أو ما يطلق عليه “Proxy” لتشغيل التطبيقات المحظورة بسهولة، فالحاجة الملحّة إلى مثل هذه التطبيقات قد تجعل المستخدمين يجدون الطريقة المناسبة لتلبية الاحتياج الملحّ، ومع الوقت ينتشر الأمر ويصبح الحجب لا معنى له.
سبق وحجبت السلطات الإيرانية بعض تطبيقات التراسل الشهيرة كتطبيق “وي تشات- WeChat” واستخدم الملايين من الشباب برامج كسر الحجب لاستعمال التطبيق بالفعل، لذا ومع أهمية تطبيق كـ”تليغرام” للإيرانيين يتوقع أن يتجه الملايين من مستخدميه إلى مثل هذه البرامج ليتمكنوا من مواصلة حياتهم بالشكل الذي يريدونه، بل قد تساهم السلطات الإيرانية دون إرادة منها في زيادة استخدام التطبيق وانتشاره بشكل أوسع نتيجة الضجة التي أثيرت حوله.
أمّا الرسالة التي سيتركها قرار السلطات الإيرانية بحجب التطبيق فهي الأولوية القصوى لحماية المصالح الأمنية والسياسية للنظام، بدرجات أكبر من مراعاة المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي يوفرها التطبيق لأكثر من نصف الشعب الإيراني، الذي كان يستفيد بشكل أو بآخر من استخدام تطبيق متاح في كل دول العالم إلا إيران، بجانب إحساس المجتمع الإيراني وخصوصًا الشباب بالعزلة والحرمان مما هو متاح لنظرائه في باقي أنحاء العالم لحماية الأمن القومي كما يراه صناع القرار الإيرانيون.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير