حسابات معقدة.. إيران وخيارات التعامل مع استراتيجية تصفير صادرات النفط

قررت الإدارة الأمريكية يوم الاثنين (22 أبريل 2019) عدم تجديد إعفاءات الدول المستوردة للنفط الإيراني التي ينتهي أجلها في مايو 2019، وبعدما كان صانع القرار الإيراني ينظر إلى أن هذه الإعفاءات تمثّل خيار ضرورة من جانب أمريكا في السابق للحفاظ على استقرار سوق النفط، وأن هذا القيد سيظل موجَّهًا إلى سياسة واشنطن تجاه تفعيل خيار تصفير صادرات النفط الإيرانية، أصبح الاتجاه نحو سياسة أكثر تشدُّدًا بإلغاء الإعفاءات كافة على صادرات النفط الخام هاجسًا يؤرّق صانع القرار الإيراني، ويدفعه نحو التعاطي مع عدة بدائل وخيارات لتفادي تأثير هذه السياسة التي قد تحرم إيران من 80 % من مصادر دخلها القومي.
استفاد النظام الإيراني خلال الأشهر الستة الماضية من قرار الولايات المتحدة إعفاء ثماني دول من استيراد النفط الإيراني في تثبيت حالة الاستقرار الهشة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة الماضية منذ نوفمبر 2018. لكن مع هذا التطور الأخير بإلغاء الإعفاءات النفطية ورفض منح أي دولة استثناءات لاستيراد النفط الإيراني، فإن الأزمة الداخلية بلا شك في طريقها نحو التفاقم، فيما سيكتسب الرهان الأمريكي على الضغط على النظام عبر إثارة الأوضاع في الداخل زخمًا.
من المؤكَّد أن النظام الإيراني لديه استراتيجية لمواجهة خطر احتمال تقليل صادرات النفط إلى حدودها الدنيا، لا سيما إذا أخذنا بالاعتبار أن ضغوط الولايات المتحدة لم تشمل مسألة تقليل صادرات النفط وحسب بل تضع قيودًا قوية على حصول إيران على عائدات بيعه، إضافة إلى سياسات أخرى لفرض مزيد من الضغوط على النظام كان آخرها تصنيف الحرس الثوري منظمةً إرهابيةً، وهو الذي يلعب دورًا بارزًا في إدارة الاقتصاد والالتفاف على العقوبات.
المرجَّح أن يرتّب النظام الإيراني أولوياته لمعالجة تحدِّي محاولة تصفير صادرات النفط عبر الخيارات الممكنة والأقلّ كلفةً وتصعيدًا في البداية، رغم ما يصدره مسؤولوه من تصريحات تعطي انطباعًا بأولوية خيارات التصعيد والمواجهة، لما لهذا التصعيد من تداعيات كارثية على النظام ككل.

خيارات غير ناجزة
شرعت إيران في خطوات استباقية للقرار الأمريكي المتوقع عبر الخيار الذي يبدو أقل تكلفة وهو الالتفاف على المخطط الأمريكي، وتهريب النفط والحصول على عائداته بعيدًا عن العقوبات الأمريكية، ولدي إيران خبرة كبيرة في هذا الميدان نتيجة سنوات طويلة من العقوبات والضغوط.
في العام الماضي أعادت إيران تأهيل شبكات معقدة وتبنت طرق تحايل مختلفة سواء لتهريب النفط أو الحصول على عائداته، وقد نجحت الولايات المتحدة في تعقُّب بعض هذه الشبكات التي برز نشاطها في عدد من الدول، أبرزها روسيا وسوريا والعراق ولبنان والإمارات، لكن في الواقع تملك إيران عشرات من الشبكات التي لا تزال تعمل في الخفاء وتساعدها على تنفيذ تلك السياسية.
خلال تلك السنة، نجحت إيران في تهريب بعض من إنتاجها بعيدًا عن الأرقام الرسمية وتمكنت من الحصول على بعض عائدات صادراتها النفطية، ولم يُخفِ المسؤولون حقيقة ذلك، الأمر الذي وفر لها الموارد اللازمة للحفاظ على حالة من الاستقرار المؤقت في الداخل، إلى جانب سياسات تبناها النظام للسيطرة على انخفاض سعر العملة وتوفير الاحتياجات الأساسية وتقليل الاعتماد على الصادرات، وربما هذا ما يفسر عودة الأوضاع الداخلية للهدوء الحذر رغم أن الأرقام الرسمية لصادرات النفط الإيراني تشير إلى انخفاض ملحوظ ربما أصبح أقلّ من مليون برميل في اليوم، أي انخفاض بأكثر من 60% قبل عام مضى، وقد بلغ التصدير قبل الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018 قرابة 2.5 مليون برميل يوميًّا.
في الواقع لم ينقذ خيار الالتفاف على العقوبات عبر التهريب وأساليب التحايل إيران في السابق عندما تبنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما العقوبات الشاملة، إذ رضخت إيران في النهاية واضطُرّت إلى الدخول في مفاوضات حول برنامجها النووي، الذي انتهى باتفاق 5+1 في منتصف عام 2015، ومن المرجح مع تشديد العقوبات الأمريكية هذه المرة أن لا ينقذها الخيار نفسه على المدى الطويل، خصوصًا في وجود أزمة اقتصادية داخلية خانقة وفساد كبير ونمو اقتصادي يكاد يكون متعثرًا إن لم يكن متراجعًا (تتوقع تقديرات إيرانية رسمية أن يكون النمو بالسالب بنسبة -6%)، إضافة إلى تكلفة إضافية باهظة للسياسة الخارجية التي تبناها النظام الإيراني خلال العقد الماضي، في الحقيقة لم تكن بهذا القدر من الاتساع ولا التكلفة.
كذلك تتكبد إيران في ظل هذا الخيار خسارة كبيرة نتيجة بيع نفطها بأسعار أقل من السوق العالمية، وتتحمل تكاليف إضافية في عمليات التهريب وإيصال الشحنات إلى الجهات المستوردة، كما أنها تكون عرضة للابتزاز والضغوط بصورة أو أخرى، وأخيرًا هي بحاجة إلى مستوردين أقوياء مستعدّين لتحمل تبعات المخاطرة بالتعامل مع إيران، والصين رغم أنها تبدو المرشَّح الأهم لهذا الدور لأسباب سياسية، فإنها حريصة على علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة، كما أن الولايات المتحدة تملك قوة تأثير كبيرة للضغط على تركيا والعراق بما يحول دون مخاطرتهما بتحدِّي الموقف الأمريكي.

التأثير على سوق النفط بديلًا لموازنة الضغوط
بالتوازي مع خيار الالتفاف على العقوبات، لا يُستبعد أن يكون في ذهن صانع القرار الإيراني تبنِّى سياسة للتأثير على استقرار سوق النفط العالمية، فبمجرد إعلان القرار الأمريكي إلغاء الإعفاءات على صادرات النفط الإيراني، ارتفعت أسعار النفط بمقدار 2% مقارنة بآخر ارتفاع في بداية الربع الأخير من العام الماضي، وقد يحفز هذا إيران إلى تبني سياسات غير مباشرة وبدائل من أجل دفع أسعار النفط عالميًّا نحو الارتفاع.
في هذا السياق قد تلجأ إيران على سبيل المثال إلى إثارة أزمة داخلية في العراق تؤثر من خلالها على صادرات وإمدادات النفط العراقي، دون تحمُّل مسؤولية مباشرة عن ذلك، وتملك إيران نفوذًا كبيرًا في العراق، وقد سبق واتُّهمت إيران بإثارة الاضطرابات في البصرة وتعطيل تصدير النفط من مينائها، ووُجّهت إليها اتهامات بأنها استهدفت التأثير على شعبية رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي الذي رحل في النهاية.
وقد تلجأ إيران إلى عمليات تقودها قواتها الخاصة التابعة للحرس الثوري للتأثير على إمدادات النفط في منطقة بحر قزوين ودول آسيا الوسطى المتاخمة لحدودها عبر استهداف أنابيب النفط، أو استهداف ناقلات البترول في بعض المناطق والممرات البحرية كخليج عدن أو باب المندب عبر قواتها أو الميليشيات التابعة لها كجماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، وقد سبق تنفيذ عمليات مماثلة خلال عام 2018.
وقد تلجأ إيران إلى إجراء أكثر تصعيدًا عبر استهداف ناقلات النفط الخليجي في المياه المفتوحة بعمليات إرهابية دون إعلان المسؤولية عنها، وزرع ألغام بالخليج العربي، وقد سبق ولجأت إيران إلى سياسات مماثلة إبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ويُحتمل أن تدفع إيران جماعة الحوثي أو مجموعات قتالية تابعة لها لتكثيف هجماتها تجاه المملكة العربية السعودية والإمارات، واستهداف بعض مناطق إنتاج النفط في دول الخليج، أو ضرب بعض المصالح الحيوية بهما، أو إثارة اضطرابات في داخل بعض بلدان الخليج عبر الأقليات الشيعية، للتأثير على أوضاعها، وبالتالي سوق النفط التي تتأثر بشدة بمثل تلك الاضطرابات. في حقيقة الأمر لكل من هذه الخيارات نتائجه وتداعياته، والفشل في تحقيق أي منها هدفه قد يدفع إيران من خيار إلى آخر أكثر تصعيدًا ما دامت غير قادرة على فك الحصار عن تصدير نفطها.
قد يفيد إيران في ظل هذا الخيار حالة سوق النفط العالمية، إذ قد يتزايد الطلب الأمريكي على النفط نتيجة اتساع النشاط الاقتصادي على أثر قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) الحفاظ على سعر الفائدة دون تغيير، وحاجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع موعد استحقاق الانتخابات الأمريكية في عام 2020 إلى استقرار في أسعار النفط وإرضاء قاعدة شعبية عريضة من الناخبين الأمريكيين، إلى جانب تأثير الأزمات في فنزويلا وليبيا على المعروض عالميًّا من النفط، وبالتالي على أسعار النفط، وما قد ينجم عن اجتماع «أوبك» وروسيا الذي كان مؤجَّلًا من أبريل إلى حين معرفة الموقف الأمريكي من الإعفاءات المقدمة لبعض الدول التي تستورد النفط الإيراني والمقرر عقده في يونيو 2019، وهو ما قد تصبّ نتائجه في صالح إيران إذا استمر الاتفاق بين الدول المجتمعة بشأن مدى الالتزام بخفض مستوى الإنتاج بمقدار 1.2 مليون برميل يوميًّا المتضمَّن في اتفاق «أوبك» وحلفائها، وأخيرًا تأثير الانخفاض كبير في المخزون التجاري الأمريكي من النفط الخام، الذي بلغ 9.6 مليون برميل في الأسبوع في مارس 2019.

التصعيد كخيار عالي التكلفة
عدم كفاية الخيارات السابقة وعدم فاعلية بعضها لا شكّ يطرح أمام صانع القرار الإيراني خيارات أكثر حدة، وفي الأغلب لا يمثّل الانسحاب من الاتفاق النووي ولا حتى العودة إلى تخصيب اليورانيوم خيارًا مهمًّا لصانع القرار الإيراني في المرحلة الراهنة، إلا في حدود ضيقة، رغم أنها خيارات واردة، إذ قد تمثل هذه الخيارات قيدًا على النظام أكثر مما تعطيه فرصة للتأثير على الموقف الأمريكي، فالضغوط الدولية كافة لم تثنِ ترامب عن قراراته التي اتخذها ضدّ إيران خلال العام 2018 حتى الآن، بل إن خيارات من هذا النوع قد تخلق إجماعًا دوليًّا تفتقره إليه سياسة ترامب بما يزيد الضغوط على النظام الإيراني.
من المستبعد كذلك أن تنحرف السياسة الإيرانية باتجاه أشد تصعيدًا، فمن المستبعد أن تلجأ إيران إلى تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، وحرمان دول الخليج من تصدير نفطها أسوة بعدم قدرة إيران على تصدير نفطها، لما قد يحمله هذا الخيار من تكلفة نتيجة احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة التي تتأهب لاحتمال كهذا. كذلك يظلّ مستبعَدًا أن تلجأ إيران إلى تصعيد لحروب إقليمية على أي من الجبهات في سوريا أو لبنان، أو شنّ حرب ضدّ إسرائيل من أي من الجبهات أو الميليشيات والتنظيمات الحليفة لها، لعدم فاعلية هذا التصعيد في التأثير على الاستراتيجية الأمريكية، بل على العكس سوف تكتسب الاستراتيجية الأمريكية شرعية، وتجعل الهدف الأمريكي الرئيسي في تعديل سلوك إيران محلّ توافق دولي، وقد يكون مبرّرًا كافيًا لشن حملة دولية مكثفة ضدّ دور إيران الإقليمي الذي تسعي إيران لتثبيته واستمراره.
إن هذه الحلول مستبعَدة ما دامت الولايات المتحدة ليست بصدد العمل على تغيير النظام، بل إدخال تعديلات على سلوك النظام الإيراني، إذ ستظلّ خيارات إيران في حدود محاولة الحدّ من أثر الاستراتيجية الأمريكية واحتواء آثارها عبر سياسات غير تصعيدية. يُفترض أن هذه الخيارات كافة قائمة، لكون المعسكر المتشدد بقيادة المرشد الإيراني على خامنئي لا يزال مصرًّا على استبعاد خيار التفاهم والتفاوض من جديد مع الولايات المتحدة، وأن خيار المواجهة أصبح بلا بديل.

التفاوض.. الخيار المؤجَّل
أما إذا بلغت الأزمة الداخلية مداها وعززت الولايات المتحدة عناصر استراتيجيتها لدرجة بات النظام يستشعر معها أنه أمام تحدِّي التغيير أو الثورة الشعبية الكاملة، فإن التفاوض قد يكون الخيار المرجح على غرار ما حدث قبل توقيع الاتفاق النووي.
يؤيّد فريق من داخل المعسكر الحاكم هذا التوجه، ويطالب بالانفتاح على الغرب والتجاوب مع المطالب الأمريكية، وتصبّ ضغوط شعبية في الاتجاه ذاته تجنُّبًا لتفاقم الأزمات وتردِّي الأوضاع على المستويات كافة.
ويمكن القول في النهاية إن الرئيس ترامب وضع نفسه أمام تحدٍّ حقيقي برفع سقف المواجهة مع إيران إلى هذه الدرجة غير المسبوقة، وأن شعبيته وربما التجديد الانتخابي له لولاية ثانية في انتخابات 2020 أصبح مرهونًا بإنجاز وعوده الانتخابية، ومن ضمنها حاجته إلى تحقيق نجاح ملموس عبر معالجة واقعية وغير شكلية لملفّ إيران، لا سيما أن جهود ترامب لم تُحدِث النجاح المتوقع في ملف كوريا الشمالية ولا ملف فنزويلا حتى الآن، وهو ما قد يُضعِف صورته ويقلل شعبيته، بل ويقوّض مصداقيته على الصعيد الدولي.
في المقابل، تبدو خيارات النظام الإيراني محدودة، وبخلاف التحايل على العقوبات النفطية، ونجاح عمليات التهريب في توفير حدود مقبولة لبقاء النظام الإيراني واستمراريته في أداء دوره، ستكون الخيارات كافة مكلّفة بدرجات متفاوتة، ولن يكون الرهان على عامل الوقت ناجزًا، خصوصًا إذا ما جُدّد لترامب في الانتخابات القادمة، أو جاءت إدارة جديدة تتبنى النهج ذاته، وظلّت أوروبا على مواقفها السلبية من الوفاء بوعودها لإيران.
أمام سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها كلا الطرفين فإن التفاوض قد يكون الخيار الوحيد المتاح أمام النظام الإيراني خلال المرحلة المقبلة، لأن المتوقع أن لا تتراجع إدارة الرئيس ترامب عن سياساتها تجاه إيران. وقد يكون خيار التفاوض الذي سيلجأ إليه النظام الإيراني مراوغة ومحاولة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، وقد يكون تفاوضًا تحت ضغوط مكثفة تسهم فعليًّا في تعديل سلوك النظام كما ترمي إدارة ترامب.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير