خامنئي يغيّر قائد الحرس الثوري.. إحكام السيطرة أم ترقُّب المواجهة العسكرية؟

لدى إعلان المرشد الإيراني علي خامنئي عن إقالة قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري وتعيين حسين سلامي بدلًا عنه، أصدر قرارَي التعيين والإقالة وبهما مفارقة غريبة، فقد عزا قرار إقالة جعفري إلى رغبة الأخير الشخصية في الوجود على الصعيد الثقافي ولعب دور في الحرب الناعمة، ومن ثم وُلِّيَ قيادة القاعدة الثقافية والاجتماعية التابعة للحرس الثوري المسماة بقاعدة «بقية الله الأعظم»، وفي نفس الوقت حدد خامنئي التكليف الأول للقائد الجديد حسين سلامي في قرار تعيينه بقوله: «المنتظَر منك هو الارتقاء بقدرات الحرس الثوري على جميع المستويات وكل القطاعات وتدعيم الجوهر الداخلي للحرس الثوري، أي التقوى والبصيرة»، كأن سبب العزل والتعيين هو الجوانب المعنوية والأخلاقية. فإذا كان جعفري متميزًا في الجانب الثقافي والمعنوي وهو نفس الأمر الذي كلّف به القائد الجديد، فلمَ العزل والتعيين؟
لعل إجابة السؤال السابق تكمن في التمعُّن في أمرين: التاريخ العسكري للقائد الجديد، والملابسات التي تحيط بالحرس الثوري في الوقت الحالي. يُلحظ على المواقع التي شغلها اللواء سلامي على مدار تاريخه العسكري التنوع الشديد في المواقع الأسلحة التي خدم بها، فقد انتقل من قائد كتيبة قوات برية إلى قائد عمليات لقاعدة نوح البحرية إلى عمادة كلية القادة والأركان «دافوس»، ثم مساعد عمليات القيادة المشتركة للحرس الثوري ثم قيادة القوات الجوية للحرس الثوري، ثم نائبًا لقائد قوات الحرس الثوري.
وما بين التنقل بين القوات البرية والبحرية والجوية ورئاسة كلية القادة والأركان، يتضح أن سلامي ممّن يمكن وصفهم بـ«رجل كل المواقع»، أي الشخصية المرضيّ عنها من المرشد. صحيح أن سلامي كان نائبًا لجعفري، لكن في تاريخ قيادات الحرس الثوري ليس ضروريًّا أن يصبح النائب قائدًا.
لقد أثبت خامنئي بعزله جعفري أنه لا يزال يُحكِم السيطرة على الحرس الثوري بعدما تصاعدت تكهُّنات بأن الحرس الثوري هو من يتحكم في خامنئي، لعله لا يزال قادرًا على السيطرة عليه عبر إدارة لعبة توازنات دقيقة بين أفرع الحرس الثوري الرئيسية وأذرعه الاستخباراتية وفيلق القدس بزعامة قاسم سليماني، فلم يعُد الحرس الثوري مؤسسة واحدة تنضوي تحت قيادة رجل واحد ولو كان جعفري، لقد فتّت خامنئي قيادته وجعلها أشبه ما تكون بمجلس متعدد الأقطاب المتساوين في القوة والنفوذ، ومع هذا لا ينفك خامنئي يبحث عن الأكثر ولاءً، ولا شكّ أن بقاء محمد علي جعفري في قيادة الحرس الثوري اثنَي عشر عامًا متوالية جعله أكثر خبرة وسيطرة على القوات التابعة له، لكن خامنئي يبحث عن الولاء والطاعة أكثر من أي شيء آخر. يشير البعض إلى عامل السن كسبب لعزل جعفري إذ بلغ الثالثة والستين، لكن يبدو أن عامل تطابق وجهات النظر مع رؤية الوليّ الفقيه كان العامل الحاسم، فسلامي أيضًا أكمل عامه الستين، لكنه لا يتوقف عن إعادة نشر تغريدات المرشد في مواقع التواصل الاجتماعي.
على جانب آخر لا شكّ أن الحرس الثوري يمر حاليّاً بمرحلة فارقة، فقد صنّفته الولايات المتحدة منذ أقل من أسبوعين منظمةً إرهابيةً، بكل ما ينطوي عليه هذا الإعلان من قيود على حرية تحرُّك قادته وإدراجهم على قوائم الإرهاب وتجميد أرصدتهم البنكية وتجريم جميع التعاملات الاقتصادية التي تشارك فيها الشركات التابعة للحرس الثوري وتجريم جميع أوجه التعاون العسكري بين الحرس الثوري وجميع دول العالم بما فيها المناورات العسكرية وتبادل الخبرات التدريبية والتسليحية، وعمليات التصنيع العسكري المشترك، وإدانة الدول المستضيفة لعناصر الحرس الثوري تحت اسم المستشارين العسكريين، وكذلك التي تيسّر انتقالهم أو استضافتهم. مع كل هذا لا تزال إيران في مرحلة ترقُّب كيفية تفعيل الولايات المتحدة هذا القرار، وحتى الآن لم يُظهِر الحرس الثوري ردّ فعل حقيقيّاً حيال القرار الأمريكي.
وإلى جوار القرار الأمريكي سُرّبت صباح الأحد 21 أبريل 2019م تصريحات لحسن نصر الله يتحدث فيها عن شنّ إسرائيل حربًا على «حزب الله» في صيف هذا العام، ويُتوقَّع قضاء إسرائيل عليه وعلى قادة الصف الأول من الحزب، مستندًا في توقُّعه إلى طبيعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشخصية ورغبته في شنّ حرب استباقية، وعلى الرغم من تكذيب مصادر تابعة لـ«حزب الله» هذه التصريحات، تبقى احتمالية الحرب واردة، بل هي الأقرب للوقوع بعد عمليات القصف المتوالية للمواقع الإيرانية في سوريا، والتلويح الإيراني بالرغبة في الرد وإن لم توافق روسيا على الردّ، وفي تصريحات نصر الله التي كذّبها الحزب قال: «ولذلك فإن على الشعب اللبناني والبيئة الحاضنة أن تستعدّ لكل الاحتمالات»، ولا شك في أن المقصود بالبيئة الحاضنة هو إيران.
ومن خلال التصعيد الأمريكي بتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وتنبؤات وقوع الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» على غرار حرب 2006م، سواء صدرت من حسن نصر الله أو من غيره، ترى إيران الآن أنها سوف تكون أكثر انغماسًا في المواجهة العسكرية القادمة لو حدثت أكثر مما كانت عليه في 2006م، فلن تكون هذه المرة مع «حزب الله» فقط، ولعل تقييم المرشد الإيراني لحسين سلامي بأنه رجل المواجهة العسكرية أكثر من غيره لِمَا عُرف عنه من تشدد ورغبة زائدة في الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة مع إسرائيل، فقد صرّح سلامي في يناير الماضي بأن استراتيجية الحرس الثوري هي محو إسرائيل من خريطة العالم، ولم تكُن تصريحاته بشأن مضيق هرمز أقلّ حدة من تصريحاته عن إسرائيل، فقد تكررت تهديداته بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولة وزرع الممر الملاحي بالألغام في حال وقف الولايات المتحدة الصادرات النفطية الإيرانية. سلامي تجاوز حدود التهديدات وأقدم على إفشاء بعض تحرُّكات الحرس الثوري عندما أعلن أن الحرس الثوري هو من أمر ميليشيات الحوثيين باستهداف ناقلات النفط السعودية في مياه البحر الأحمر في يوليو 2018م، وسواء كان هذا التسريب متعمَّدًا أو زلة لسان، فإن المواقع الإيرانية التي نشرت تصريحه سارعت بحذفه، لكن كانت أصداء التصريح ظهرت بالفعل على المواقع الإخبارية العالمية. ولعل اندفاع سلامي في تصريحاته وتكرار حديثه عن المواجهات العسكرية المباشرة أحد دوافع خامنئي لاختياره خلفًا لمحمد علي جعفري.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير