روحاني والإصلاحيون: توتُّر دائم أم سحابة صيف؟

شهدت فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في التاسع عشر من شهر مايو 2017، توتُّرًا وجدلًا كبيرين بين الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني والإصلاحيين الذين يشكِّلون الداعم الحقيقي لوصوله إلى دورتين رئاسيتين متتاليتين. فبعد الانتخابات الرئاسية 2017، اتهمت شريحة واسعة من الإصلاحيين الرئيس روحاني بالانقلاب عليهم وعدم التنسيق معهم في عديد من الملفات، لكن في المقابل من الإصلاحيين مَن دافع عن العلاقة بين الطرفين وأكَّد ضرورة استمرارها بذريعة أن الإصلاحيين سيكونون الخاسر الأكبر في حال تخليهم عنه.

أولًا: نقاط الخلاف بين روحاني والإصلاحيين
1- عدم التنسيق مع كتلة الإصلاحيين البرلمانية
في يوليو 2017، أي بعد أقلّ من شهرين من الانتخابات الرئاسية، نشب خلاف بين روحاني ورئيس كتلة “أُميد” بالبرلمان محمد رضا عارف، عندما طلب الأخير من روحاني التنسيق مع الكتلة الإصلاحية بالبرلمان ليتمكن الوزراء الجدد من نيل الثقة، الأمر الذي قوبل بالرفض المُطلَق من روحاني وعدد من المعتدلين.
2- اتهام روحاني بتجاهل حلفائه في تشكيل الحكومة الجديدة
يعود الخلاف في هذا الملفّ إلى تصريحات روحاني التي أطلقها عقب الانتخابات الرئاسية التي أعلن فيها أنه يتطلع إلى حكومة غير محسوبة على تيَّار واحد، هذه الرغبة أدَّت إلى تَذَمُّر عدد كبير من قيادات التيَّار الإصلاحي، منهم رئيس كتلة “أميد” محمد رضا عارف الذي اعتبر أن الرئيس حسن روحاني يَدِين للإصلاحيين بفترتين فاز بهما. وخرجت تصريحات مشابهة من أسرة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني إلى وسائل الإعلام، ليردّ فريق روحاني بأن انتقادات الحلفاء كانت بسبب مطالبتهم بحصة كبيرة من الوزارات وَفْقًا لــ”عصر إيران”، وهو ما نفاه قادة التيَّار الإصلاحي بشدة بحسب موقع “مشرق”.
في الوقت نفسه أشار البعض إلى أن الانشقاق بين روحاني والإصلاحيين جاء بسبب التشكيلة الوزارية، إذ أوردوا تصريحات منسوبة إلى الرئيس الإيرانيّ الأسبق محمد خاتمي هاجم فيها الرئيس حسن روحاني واتهمه بالانقلاب على الإصلاحيين، نقلًا عن موقع “جهان نيوز” التابع للتيَّار المحافظ، إلا أن هذه التصريحات نفاها مدير مؤسَّسة “باران” التابعة لمحمد خاتمي، مؤكّدًا أن خاتمي لم يتحدث على الإطلاق عن انشقاق بين روحاني والإصلاحيين.
3- الرضوخ للمرشد
اتهام آخر وُجّه إلى روحاني هو توجُّهه نحو المرشد علي خامنئي والرضوخ له في ما يتعلق بالتشكيل الوزاري الجديد بدلًا من كسب رضا حلفائه الذين أوصلوه إلى فترة رئاسية ثانية.
حسن روحاني لم يكتفِ باستشارة المرشد علي خامنئي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال إنه سيستشير المرشد حول كل وزراء الحكومة الجديدة لا بعضهم. وتحدث البعض عن أن لقاءً جمع روحاني وخامنئي في مدينة مشهد، وفي هذا اللقاء رفض خامنئي كل الخيارات التي قُدمت لشغل منصب وزير وزارة التعليم العالي، كما أصرّ على إعادة انتخاب عبد الرضا رحماني فضلي في وزارة الداخلية. في هذا الإطار وجّه النائب الإصلاحي في البرلمان الإيرانيّ محمود صادقي انتقادات شديدة إلى روحاني وقال: “إن المتعارف عليه هو أن رؤساء الجمهورية السابقين كانوا يستشيرون المرشد حول عدد محدود من الوزراء (وزيرين أو ثلاثة وزراء)، لكن روحاني كسر هذه القاعدة وأصرّ على التشاور مع المرشد والتنسيق معه حول كل الوزراء المقترحين”.
أما علي مطهري نائب رئيس البرلمان الإيرانيّ فقد انتقد هو الآخر رجوع روحاني إلى المرشد والتشاور معه حول التشكيلة الوزارية قبل تقديمها للبرلمان، وقال إن “عرض قائمة الوزراء المقترحين على المرشد لم يكُن قرارًا سليمًا لأنه سيحدّ من دور النواب في تأييد الوزراء كما سيدخلهم في حرج مع المرشد إذا ما قرَّروا رفض أهلية عدد من الوزراء المقترحين”.
كذلك أبدى عضو “أميد” بالبرلمان الإيرانيّ غلام رضا حيدري انزعاجه أيضًا من إقدام روحاني على استشارة المرشد حول التشكيلة الوزارية. وفي هذا الصدد وجّه السؤال التالي: إذا عمل أعضاء البرلمان بالواجب الذي يمليه عليهم القانون ورفضوا أهلية بعض الوزراء المقترحين، فكيف ستكون انعكاسات هذا الرفض على خامنئي؟ وما التبرير الذي سيقدمه النواب للمرشد الذي أيَّد هؤلاء الوزراء ووافق على تعيينهم؟
4- اتهام روحاني بالتحوُّل إلى معسكر الأصوليين والعدول عن بعض مواقفه السابقة
أسباب عديدة دفعت الإصلاحيين إلى اتهام روحاني بالتحوُّل إلى الأصوليين والعدول عن المواقف السابقة، أهمها توقُّفه عن الدعوة إلى الاعتدال ونبذ السياسات المتطرفة التي يتبناها التيَّار الأصولي، وتراجعه عن أهدافه السابقة المتعلقة بتقليص تَدخّل الحرس الثوري في الشؤون السياسية والاقتصادية للبلاد، فضلًا عن تقليص دوره الخارجي. كذلك استند الإصلاحيون في هذا الاتهام إلى الحرص الذي أبداه الرئيس حسن روحاني على زيادة ميزانية الحرس الثوري الذي يشرف على تدخلات النِّظام الإيرانيّ في شؤون الدول الأخرى، فضلًا عن لقائه قادة الحرس الثوري في يوليو 2017 وتأكيده دعم توجهات الحرس الثوري.
5- انتقادات ضدّ أداء الحكومة
عدد من الشخصيات الإصلاحية أعربوا عن خيبة أملهم من أداء حكومة روحاني خلال الأشهر الماضية الذي تَسبَّب في تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بالبلاد.
الناشط الإصلاحي وأستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران صادق زيبا كلام وجَّه انتقادات شديدة كذلك إلى الرئيس حسن روحاني بسبب أداء حكومته خلال الأشهُر الأولى من دورته الثانية، وقال: “إن الاستياء الشعبي من حسن روحاني كبير جدًّا، لأنه يتصرف بغطرسة شديدة”، مُعرِبًا عن أسفه “لدعمه روحاني خلال الانتخابات الرئاسية في 19 مايو الماضي”.
ووَفْقًا لـ”آفتاب نيوز” فقد طالب زيبا كلام، إسحاق جهانغيري نائبَ الرئيس، بأن “يقدِّم استقالته من منصبه إذا كان يخطِّط بالفعل لتمثيل الإصلاحيين في الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة في 2021”. زيبا كلام برَّر دعوته جهانغيري إلى الاستقالة، اعتقادًا منه أن روحاني “لن يتمكن من إحداث أي تحوُّل خلال الفترة المتبقية من دورته الرئاسية الثانية، واستمرار جهانغيري في هذا المنصب سوف ينعكس سلبًا على مستقبله السياسي”.
هذه الدعوة انتقدها بعض الإصلاحيين، مثل العضو السابق في البرلمان الإيرانيّ علي تاجر نيا الذي اعتبر أن “استقالة جهانغيري لا تُعَدّ أمرًا خاطئًا فحسب، بل لا يمكن تبريرها، ورأى أن استقالته سوف تؤدِّي إلى نتيجتين سلبيتين سيكون الإصلاحيون المتضرر الأكبر منهما، هما فقدان ثقة الشارع الإيرانيّ وتَقرُّب روحاني إلى الأصوليين”.
أما النائب الأسبق بالبرلمان الإيرانيّ والمتحدث باسم حزب الثقة الوطنية إسماعيل جرامي، فقد هاجم سياسات روحاني بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية، واعتبر أن مواقف الرئيس، بخاصَّة في ما يتعلق بالتشكيلة الوزارية، ولَّدَت شعورًا لدى الإصلاحيين بأن روحاني وظف شعاراته الإصلاحية كي يحظى بتأييد شعبي كبير، لكنه سرعان ما تخلى عنهم عندما ضمن استمراره في كرسي الرئاسة لأربع سنوات أخرى.
كذلك أعرب بعض أنصار التيَّار الإصلاحي عن ندمهم لانتخابه لفترة رئاسية ثانية، وانتقدوا ما وصفوه بـ”زيف مظهر الاعتدال الذي يسعى روحاني للظهور به، كما بدا واضحا من خلال مواقفه المتشددة حول عدد من القضايا، وهي ذات المواقف التي يتبناها المحافظون المتشددون والمؤسَّسات النافذة في النِّظام الإيرانيّ، كما وجّهوا انتقادات إلى الرئيس روحاني بسبب الميزانية العامَّة التي عُرضت على البرلمان وبدا واضحا أنها تدعم التدخلات العسكرية الإيرانيَّة خارج البلاد.

ثانيًا: إصلاحيون يقلّلون أهمِّيَّة الخلافات
في مقابل منتقدي حسن روحاني، يرى إصلاحيون أن الاختلافات مع حسن روحاني ليست عميقة إلى الحدّ الذي يؤدِّي إلى القطيعة بين الطرفين، ويدعون لاستمرار الشراكة بينهما.
ورغم خيبة أمل الإصلاحيين من التشكيلة الوزارية وعدم وفاء روحاني بوعود رفع الإقامة الجبرية المفروضة على قادة الثورة الخضراء (مير حسين موسوي، وزهراء راهنورد، ومهدي كروبي)، فضلًا عن عدوله عن بعض القضايا التي تثير حفيظة الإصلاحيين، فإن عددًا كبيرًا منهم يرون في روحاني “الشخص المؤهَّل للعمل المشترك معه في الوقت الحالي”.
بعض الإصلاحيين دافع عن خطوة روحاني في استشارة خامنئي، واعتبروا أنه لا غرابة في رجوع روحاني إلى خامنئي واستشارته في ما يتعلق بالتشكيلة الوزارية، واعتبروا رجوع الرؤساء إلى ذوي الخبرة واستشارتهم أمرًا متعارَفًا عليه في كل دول العالَم.
فريق آخر لم ينتقد روحاني، لكنه ألقى باللوم على مجلس سياسات الإصلاحيين لعدم توقيعه على ميثاق مع حسن روحاني حول التزاماته تجاه الإصلاحيين، ويرى أن الإصلاحيين أنفسهم هم من يجب أن يتحمل نتيجة ما آلت اليه الأوضاع. وكان ممثلو عدد من الأحزاب الإصلاحية في مجلس سياسات الإصلاحيين اقترحوا قبل أيام من انطلاق الانتخابات الرئاسية أن يوقِّع حسن روحاني على اتِّفاق مع الإصلاحيين ينصّ على التزام الرئيس بوعوده تجاه هذا التيَّار، لكن كبار المسؤولين في هذا المجلس رفضوا هذا المقترح بشدة.
إصلاحيون آخرون طالبوا بالتعامل بواقعية مع توجُّهات روحاني والأخذ في الاعتبار خلفيته الأصولية، مؤكّدين أنه “أصولي معتدل لا إصلاحي، لكنه نفّذ حتى الآن عددًا كبيرًا من مطالبات الإصلاحيين”. ويرون كذلك أنه في حال قطع التعاون بين الإصلاحيين وحسن روحاني، فإن التيَّار الأصولي سيكون المستفيد الوحيد من توقُّف هذا التعاون، لأن موازين القوى ستكون في صالحهم، لذا دعوا إلى استمرار التعاون بين الطرفين استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية القادمة.

ثالثًا: موقف المعتدلين من مستقبل الشراكة بين روحاني والإصلاحيين
في ما يتعلق بموقف المعتدلين من الانتقادات التي وجَّهها الإصلاحيون إلى الرئيس حسن روحاني، تؤكَّد ضرورة استمرار الشراكة بين روحاني والإصلاحيين، إيمانًا منهم بأن هذه الشراكة ستخدم الأهداف والمصالح القوميَّة. ويستندون في ذلك إلى النجاح الكبير الذي حقَّقَته هذه الشراكة في التوصُّل إلى الاتِّفاق النووي مع مجموعة 5+1، ودور هذا الاتِّفاق في إبعاد شبح الحرب عن إيران ورفع العقوبات الدولية المفروضة عليها.
فريق ثانٍ من المعتدلين يعتقد أن الإصلاحيين والمعتدلين تجمعهم أهداف مشتركة، أهمُّها عدم عودة التطرف الذي كان يمارسه الأصوليون، والحيلولة دون وصولهم إلى الحكم. ولتحقيق هذه الأهداف يؤكّدون ضرورة استمرار التنسيق بين الطرفين، حسب صحيفة “اعتماد”.
ورغم السخط وحالة عدم الرضا الواسعة من أداء حسن روحاني، لا سيما في ما يتعلق بكيفية تعاطيه مع هذا التيَّار الإصلاحي خلال فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية، فقد يصعب في الوقت الراهن إعطاء صورة واضحة لمستقبل التعاون بين الطرفين.
فمن أجل التشبث بالحياة السياسية (بعد محاولة إبعادهم عنها عقب الاحتجاجات التي شهدتها البلاد سنة 2009)، قد يُضطرّ هذا التيَّار إلى الاستمرار في الشراكة مع روحاني، وهو ما أكَّده المنظِّر الإصلاحي والناشط السياسي صادق زيبا كلام في شهر فبراير الماضي عندما قال: “لا خيار أمام الإصلاحيين في الوقت الراهن سوى مواصلة التعاون مع حسن روحاني والمعتدلين”.
قيادات إصلاحية تخشى أن يتسبب إصرار البعض على فض الشراكة مع حسن روحاني، في تَمزُّق الأحزاب والقوى الإصلاحية، لذا فضَّلَت تقليل أهمِّيَّة الخلافات بين الطرفين.
الرئيس حسن روحاني يواجه هو الآخر قضايا معقَّدة وشائكة مثل الوضع الاقتصادي المتأزم والاتِّفاق النووي والعقوبات الأمريكيَّة، علاوة على المسائل السياسية والاجتماعية الداخلية. ورغم أن علاقاته المتوتِّرة مع المرشد علي خامنئي والتيَّار الأصولي المتشدد شهدت هدوءًا نسبيًّا “قُبيل وبعد التشكيلة الوزارية”، فإن هذه العلاقة سرعان ما عادت إلى سابق عهدها بعد أن طالب روحاني في كلمة له بمناسبة الذكرى السنوية لانتصار الثورة، بإجراء استفتاء في البلاد للخروج من المأزق السياسي الناجم عن صراع اجنحة النِّظام الإيرانيّ، إذ تَعرَّض روحاني لهجوم عنيف من التيَّار المتشدد ووسائل الاعلام المدعومة من خامنئي.
ورغم انتقادات التيَّار الأصولي المتشدِّد التي ظلّ روحاني يتعرض لها خلال الفترة الأخيرة، فإن تطوُّرًا جديدًا لم يحدث بعد في ما يتعلق بمطالب الإصلاحيين، لكنه قد يجد نفسه مضطرًّا إلى تحسين علاقاته مع هذا التيَّار لكسب دعمه في مواجهة التحديات المذكورة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير