روحاني والمؤسسات الموازية.. معركة كسب الرأي العام

في تصريح يُخفِي وراءه عديدًا من الدلالات، قال النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانيّ إسحاق جهانغيري، الأربعاء 19 ديسمبر 2018، إنه «لا يمكننا أن نخبر الناس بسهولة أننا في حالة حرب»، وكان يقصد بالحرب «العقوبات الأمريكيَّة» واستهداف الاقتصاد بالأساس، لكن ما بقي من تصريح نائب الرئيس حول حدود صلاحية الحكومة في إقرار الميزانية والمخصصات الإلزامية لبعض المؤسَّسات من الميزانية رغمًا عن الحكومة أو دون موافقتها، فضلًا عن تساؤله عن المؤسَّسة أو المرجع الذي ينبغي أن يكون مسؤولًا عن الانحراف في كيفية تخصيصها وإنفاقها، يوضح بما لا يدع مجالًا للشك أن الحرب ليست مع الولايات المتَّحدة وحسب، لكنها حرب داخلية بين الرئيس والحكومة من جهة، وبين المرشد والأجهزة التابعة له والحرس الثوري وغيرها من المؤسَّسات التي تعمل بمعزل عن سيطرة الحكومة من جهة أخرى.

دلالات التصريحات
يكتسب تصريح جهانغيري أهميته من موقعه الذي يشغله، فهو الرجل الثاني في الحكومة بعد الرئيس حسن روحاني، ومن ثم فإن وجهة نظره -لا شك- تعكس وجهة نظر الرئيس، إضافة إلى شغله منصب رئيس مجلس الاقتصاد المقاوم، أي إن انتقاداته بالتأكيد نابعة عن عوائق حقيقية تواجهه في أثناء ممارسة مهمته.
يتواكب هذا التصريح مع حالة من الغليان الداخلي نتيجة تردِّي الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار، وعدم وفاء السُّلْطة بمتطلبات الأمن الاجتماعي للمواطنين، وحالة من الارتباك تعاني منها السوق، بعد إعادة الولايات المتَّحدة العقوبات على إيران، وحرمان الحكومة نصيبًا كبيرًا من عائدات النِّفْط، والقيود الصارمة على التعاملات المالية وتأثيرها على السوق والأسعار، والسياسة التقشفية التي أعلنت عنها الحكومة، وتقليل الواردات… ولا شكّ أن موجة الغضب الشعبي المنبثقة من هذه الأوضاع موجَّهه إلى السُّلْطة، وتحاول حكومة روحاني أن تنأى بنفسها عن المسؤولية، أو تأكيد أن يدها مكبَّلة، وأن من يدير الاقتصاد ويؤثر عليه أطراف فوق الحساب والمسؤولية.
كذلك يتواكب هذا التصريح مع مناقشة ميزانية العام الجديد الذي سيبدأ في مارس 2019، وقد سبق لحكومة روحاني أن سرَّبَت تفاصيل ميزانية العام الماضي نوفمبر 2017 وتم تداولها على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي داخل إيران، واستخدمتها المعارضة بصورة مكثفة، وكان روحاني يقصد تسليط الضوء على تمويل الدولة للمؤسَّسات التي تقع تحت سيطرة خصومه المتشددين، وهو ما أسهم في زيادة غضب الرأي العامّ، وساعد على إطلاق أكبر مظاهرات احتجاجية واجهها النِّظام منذ عام 2009.
من الواضح أن مساعد الرئيس ومن موقع مسؤوليته وفي نفس الموعد وعلى غرار العام السابق ومع مناقشة الميزانية في البرلمان، بل في ظلّ أوضاع أشدّ صعوبة يحاول أن يعيد الكرة، ويسجِّل هدفًا في مرمى المتشددين الذين رفضوا خضوع مؤسَّساتهم للمحاسبة والمكاشفة أو مراجعة أدوارهم الاقتصادية الموازية، ولم يدّخروا جهدًا لتحميل حكومة روحاني المسؤولية كافة عن الأوضاع المعيشية المتدهورة والوضع الاقتصادي المتدهور للنَّيل من شعبيتها والإفلات من المسؤولية أمام الجماهير الغاضبة.
وربما جاء هذا التصريح ضمن حملة منسقة لممارسة مزيد من الضغوط على المرشد والجهات التابعة له، إذ سبق هذا التصريحَ موجةٌ من الغضب انتابت الأجنحة المتشددة في إيران بعد أن أعلن وزير الخارجية محمد جواد ظريف أن «غسل الأموال حقيقة واقعة في إيران، ويُمارَس على نطاق واسع»، مضيفًا أن «أطرافًا داخلية تعارض تمرير قانون مكافحة تمويل الإرهاب بما في ذلك أجهزة تتفوق في ميزانيتها على وزارة الخارجية، وتؤدِّي أدوارًا أساسية بعملية غسل الأموال».

ردّ الفعل على هجوم المتشددين
لا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير هذا الهجوم دون الإشارة إلى أن المتشددين كان لهم السبق في توجيه الاتهامات إلى حكومة روحاني بالمسؤولية عن الوصول إلى مرحلة الأزمة الراهنة، فقد سنحت لهؤلاء فرصة تسجيل عدة نقاط ضدّ الرئيس روحاني وفريقه خلال المرحلة الأخيرة، تحديدًا بعد السياسة التي قادها الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب لتقويض الاتفاق النووي وتأثير هذا التوجُّه على الأوضاع الداخلية في إيران، فقد انتقد المتشددون رهانات روحاني بالانفتاح على الغرب، والثقة بالولايات المتَّحدة، ومن ثم جميع النتائج التي ترتبت على هذا التوجُّه، الذي لم يكُن روحاني بالتأكيد ليقدم عليه دون موافقة جميع أطراف النِّظام ومؤسَّساته الدستورية وصاحبة الولاية والوصاية الفعلية.
وطالت الانتقادات وزير خارجيته ظريف، بل استغلّ المتشددون الأوضاع الداخلية المرتبكة لتحقيق عدة أهداف، أهمُّها التدخُّل المباشر في تحديد وجهة السياسات الحكومية، لا سيما الاقتصادية، وفرض بعض التغييرات على حكومة ومساعدي روحاني، وتحميل الحكومة المسؤولية عن حالة الفشل السياسي والاقتصادي والاحتجاجات الواسعة التي تعاني منها البلاد، وأخيرًا النأي بالنفس عن هذا الواقع كأن المسؤولية تقع على حكومة روحاني ورهاناتها الخارجية والداخلية الفاشلة.
وبعدما كان روحاني يتطلع إلى مكانة سياسية مرموقة وتأثير فعليّ على مؤسَّسات النِّظام كافَّةً من مدخل الإصلاح الذي ارتبط بالاتفاق النووي، فإنه أصبح كبش فداء وقربانًا قدمه المتشددون صَرْفًا للرأي العامّ عن حقيقة أزمة الجناح المتشدد للنظام وسياساته غير الرشيدة. وبدلًا من تقليص الدور المالي والاقتصادي للحرس الثوري ومؤسَّسة المرشد أُقيلَ محافظ البنك المركزي وعدد من الوزراء واستُجوِب روحاني نفسه وجرَت محاولات لاستجواب ظريف وكان يمكن أن يتعرَّضا لمواجهة اختبار البقاء في منصبيهما لولا أن المرجعية الفعلية للحكم لا ترغب في إحداث ارتباك داخلي في ظلّ هذه الظروف، فضلًا عن أن بقاء روحاني وظيفيٌّ، إذ إنه شماعة الفشل التي يعلِّق عليها المرشد وجناحه أيَّ إخفاق داخلي أو خارجي.
الحقيقة أن هذا السجال لم يطْفُ على السطح فجأة، ولكنها منافسة قوية بدأت منذ توقيع الاتفاق النووي، فمع بوادر الانفتاح على الغرب يحاول الرئيس روحاني وفريقه أن ينسب إلى نفسه هذا التقدم، وبنى عليه طموحًا كبيرًا من أجل كسب الشارع الإيرانيّ، وتحقيق شرعية داخلية تمنحه مزيدًا من القوة في مواجهة الجهات الفاعلة والمؤثرة داخل النِّظام.
استغلّ روحاني أجواء الانفتاح وطرح مشروعًا اقتصاديًّا إصلاحيًّا، وكان هدفه المعلن متماشيًا مع الانفراجة التي شهدها الاقتصاد الإيرانيّ مع دخول خطة العمل المشتركة حيِّز التنفيذ، ورفع العقوبات عن صادرات النِّفْط الإيرانيّ، ورفع القيود عن التعاملات المالية والتجارية والاستثمار مع إيران، والإفراج عن الأصول المجمَّدة في الخارج. كان روحاني يراهن على نقلة نوعية تدعم شعبيته وشعبية التيَّار الذي يمثله، أما هدفه الخفيّ فكان تعزيز مكانته وتياره داخل النِّظام عبر توجيه ضربه إلى خصومه المتشددين، بمحاولة مواجهة النفوذ الاقتصادي والمالي للمؤسَّسات الموازية داخل النِّظام، ولا سيما مؤسَّسة المرشد والحرس الثوري، الذي أصبح قوة اقتصادية داخلية ضخمة، تدعم مكانته ودوره السياسي والعسكري، فضلًا عن إلقاء جزء من المسؤولية عن الأوضاع على عاتق المتشددين أمام الرأي العامّ الإيرانيّ.
بعد أربعين عامًا على تأسيس النِّظام المنبثق عن الثورة تكشف الاتهامات المتبادَلة بين حكومة روحاني والمتشددين عن الخلل الكبير الذي يعاني منه النِّظام، وملامح هذا الخلل ظاهرة في ازدواجية المؤسَّسات، وغياب المسؤولية، وغياب المحاسبة، وعدم الانسجام بين مؤسَّسات صنع القرار، فالرئيس ليس لديه سيطرة على ميزانية الدولة، ولا يستطيع توجيهها للأولويات، والحكومة ليس لديها قدرة على تقييد المؤسَّسات الموازية.
يبيِّن ما كشف عنه نائب الرئيس من أزمة حقيقية والبلاد على أبواب إقرار ميزانية جديدة، محاولات أخيرة لروحاني وفريقة للدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاتهامات التي قد تؤثر على مستقبل هذا الفريق وعلى موقعه من السُّلْطة، لا سيما وأن الأزمة الداخلية مرشَّحة للتفاقم، وروحاني بعدما خسر رهاناته الداخلية كافة، يخسر رهاناته الخارجية واحدًا تلو آخَر، فالاتفاق النووي في حكم المعطَّل، والولايات المتَّحدة تضيِّق الخناق على الاقتصاد، وفي النهاية يعزِّز التيَّار المتشدد مواقعه ومكانته، وحكومة روحاني لا شكّ ستكون كبش الفداء المعد مُسبَقًا. لكنها لا تريد أن تخرج من المعركة إلا وقد وضعت يدها على الجرح الحقيقي الذي يستنزف إيران وثروتها ويبدد طموحها، ليصبح الجميع أمام الرأي العامّ في الفشل سواءً.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير