ما وراء إعادة إقرار الميزانية الإيرانية

في واقعة غريبة تنُمّ عن سوء تقدير مستقبليّ، وتعكس قِلّة حيلةٍ أمام العقوبات الاقتصادية، أعلن المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي المكون من رؤساء السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعة والقضائية، الذي لا تحتاج قراراته إلى التصديق البرلماني، في السابع والعشرين من يوليو الجاري عن إعادة إقرار ميزانية مالية جديدة، بعد أربعة أشهر من إقرار الميزانية العامة (21 مارس 2019-20 مارس 2020). يأتي ذلك بعد أن أدركت الحكومة الإيرانية وجود خطأ جوهريّ بالموازنة لا يمكن البناء عليه، ألا وهو المبالغة في تقدير حجم صادرات النفط المتوقعة خلال العام المالي الحالي، وهو عنصر أساسيّ في تكوين إيرادات الميزانية وتُبنى وتُوزَّع على أساسه نفقاتها السنوية. لذا أقرَّت التعديلات الأخيرة حجم صادرات النفط المقدرة بـ300 ألف برميل/اليوم، عدولًا عن 1.5 مليون برميل/اليوم سابقًا. هذا الفارق الكبير بين التقديرين سيخلق عجزًا في الميزانية، ما دفع طهران إلى اتخاذ قرارات مالية جديدة قد تترتب عليها تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية تقع على كاهل كل من الحكومة والشعب، وربما تحدد ملامح الخطوات الإيرانية مستقبلًا، خصوصًا في الملف الخارجي. وهذا ما سيوضحه التقرير التالي.

أولًا: أدوات طهران لمواجهة العجز المالي
أدّى سوء تقدير حجم صادرات النفط الإيرانية خلال العام الجاري إلى خلق عجز متوقَّع في الميزانية يبلغ نحو 140 تريليون تومان (33 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي، 4200 تومان/دولار)، ويشكِّل ما نسبته 32% من إجمالي حجم الموازنة، فأصبح لزامًا على الحكومة إيجاد حل لملء هذا الفراغ أو القضاء عليه. لذا قرَّرت مواجهته عبر خطة مكونة من شقين، الشق الأول هو زيادة الموارد المالية غير النفطية بأربع طرق محددة، والشق الثاني عبر تقليل النفقات لسد نحو نصف العجز المتوقع.
أما الشق الأول الخاص بزيادة الموارد المالية غير النفطية لسدّ قُرابة نصف العجز المالي، بنحو 76.5 تريليون تومان (18 مليار دولار تقريبا)، فقد اقترحت الحكومة الإيرانية عبر أربع طرق:
1- نقل ملكية أصول حكومية، تبلغ قيمتها نحو 10 تريليونات تومان (2.4 مليار دولار).
2- سحب 50% من فائض العملات الأجنبية بالحساب الجاري، يقدر بـ4.5 تريليون تومان (مليار دولار).
3- بيع سندات حكومية أو ما يطلق عليه في إيران “صكوك إسلامية”.
4- سحب من صندوق التنمية الوطني (صندوق ثروة سيادي)، وهذا البند الأهم. وقد التزمت الحكومة في هذا البند بالسقف المسبق الذي وضعه المرشد للسحب من صندوق التنمية الوطني، الذي يتطلب موافقته شخصيًّا على عملية السحب (قدرت حجم أصول الصندوق بـ80 مليار دولار). ويبلغ إجمالي قيمة البندين 3، 4 مبلغ 62 تريلون تومان (14.7 مليار دولار).
أما الشق الثاني لمواجهة العجز المالي، فعن طريق خفض النفقات المالية بمقدار 62.5 تريليون تومان (15 مليار دولار تقريبًا)، وهنا قسَّمت حكومة حسن روحاني النفقات المالية إلى نفقات قسرية لن يتم تخفيضها، ونفقات أقل أهمية ستتحمل العبء الأكبر لتقليل النفقات خلال العام الحالي، وذلك عل النحو التالي:
1- نفقات قسرية: الرواتب والعلاوات المقررة والمعاشات والخدمات الاجتماعية، لا ينبغي المساس بها.
2- نفقات أقل أولوية: تشمل الإنفاق التنموي والاستثماري، شراء الحكومة للمنتجات والخدمات التشغيلية اللازمة لأداء مهامها، وتكاليف العقارات والممتلكات الحكومية الدورية، والدعم والإعانات والمنح وما شابه.

جدول 1: العجز المالي والخطة المقترحة لمواجهته

ثانيًا: التداعيات الناتجة عن التعديلات المالية الأخيرة
تتمثل التداعيات الناتجة على القرارات المالية الأخيرة في خلق تحديات اقتصادية وأعباء معيشية، إضافة إلى خلق تبعات أمنية وسياسية تؤثر على المواطن وأمن البلاد على حد سواء. ونفصل هذه التداعيات في ما يلي:
1- تراجع التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي: وفقًا للخطة المعلنة لمواجهة العجز المالي عبر تقليل النفقات الحكومية، ستكون نفقات التنمية والاستثمارات الجديدة للحكومة هي المتحمل الأكبر لعبء خفض نفقات الميزانية خلال العام الجاري، والمقصود بنفقات التنمية هنا هو نفقات تطوير الخدمات والمرافق الحكومية من تطوير بنية تحتية ونقل ومواصلات وخدمات تعليمية وصحية، الهدف منها تحسين الوضع المعيشي للمواطن وتنشيط الاقتصاد عن طريق تحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الاستثمارات المحلية وخلق قيم مضافة ووظائف جديدة، وزيادة الإنتاج اللازم لمواجهة الغلاء. غياب هذه الأدوار التنموية للحكومة سيتسبب في استياء عامّة الإيرانيين على المدى القصير.
2- خلق مزيد من الضغوط التضخمية: الموجودة بالأساس في الوقت الراهن، لكن زيادة السحب من صندوق التنمية الوطني والسحب من فائض العملات الأجنبية وتوجيهها لأغراض استهلاكية غير إنتاجية سيزيد من الضغوط التضخمية، خصوصًا في غياب الدور التنموي للحكومة المعزز لجانب العرض والإنتاج. هذا في وقت أعلن فيه مركز الإحصاء الإيراني مؤخرًا عن وصول التضخُّم في يوليو إلى أكثر من 40%. أما أسعار الغذاء فقد زاد بعضها بأكثر من 100%.
3- وضع تحديات أمنية وسياسية أمام صانع القرار الإيراني: ناجمة عن تراجع التنمية الاقتصادية الاجتماعية والضغوط المعيشية من غلاء وبطالة، وتتمثَّل في ارتفاع معدلات الجرائم وربما الإدمان والمشكلات النفسية، إضافة إلى الاحتجاجات الفئوية والشبابية عامة. وستضع هذه التحديات ضغوطًا على صنّاع القرار في إيران لضرورة وسرعة إيجاد مخارج لكل هذه الأزمات وعلى رأسها العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة والغرب.

ثالثًا: بماذا يخبرنا تعديل الميزانية الإيرانية عن الواقع والمستقبل؟
تكشف إعادة إقرار حكومة روحاني للميزانية بعد فترة وجيزة على الإقرار النهائي عن مجموعة من الانطباعات والدلالات، سواء المتعلقة بطبيعة اتخاذ القرار الإيراني وتقييمه للواقع وردود الفعل، أو المتعلقة بالوضع الداخلي الراهن ودوره في ملامح القرار الإيراني في المستقبل، ونوجزها في ما يلي:
1- سوء تقدير حكومة روحاني: لكلٍّ من تبعات العقوبات الأمريكية ووسائل التصدي الإيرانية لها (خصوصًا العقوبات النفطية والبنكية)، وكذلك سوء تقديرِها وتنبُّئِها بخطوات الإدارة الأمريكية المحتملة في المستقبل. إذ لو كانت حكومة روحاني أخذت العاملين السابقين في الاعتبار عند إقرار الميزانية في فبراير الماضي ما كانت لتقدر إيرادات الميزانية على أساس بعيد عن الواقع، خصوصًا أن إقرار الميزانية كان بعد أكثر من ثمانية أشهر من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية على إيران، وقبل شهرين من وقف الولايات المتحدة تمديد الاستثناءات النفطية لثمانية من كبار مشري نفط إيران، ويبدو أن الإدارة الإيرانية لم تكن تضع أي اعتبار لاحتمالية وقف الرئيس الأمريكي ترامب لتمديد الاستثناءات.
2- فشل بنسبة 80% في نجاعة وسائل الالتفاف على العقوبات الأمريكية: إذ كان الهدف الإيراني هو تصدير 1.5 مليون برميل/اليوم باستخدام وسائل شتى أجادتها الحكومات الإيرانية السابقة. يبدو أنها لم تنجح هذه المرة إلا في تحقيق صادرات بمعدل 300 ألف برميل/اليوم، أي بنسبة نجاح 20% فقط.
3- تجنب الحديث عن تخفيض النفقات العسكرية: في خضمّ توجّهها لخفض نفقات الميزانية الجارية، ما قد ينمّ عن أن هذا الأمر غير مطروح حاليًّا ولا مساس بالنفقات العسكرية، أو ربما إذا ما حدث فلن يُعلَن عنه ولو بشكل مؤقت حفظًا لموقفها من الولايات المتحدة، أو حفاظًا على الروح المعنوية في الداخل، لكن الإحصاءات التاريخية تثبت بلا أدنى شك تأثر الإنفاق العسكري لإيران بالعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وذهب بعض علماء الاقتصاد الإيرانيين (محمد فارزنجان) إلى فرضيةٍ مفادُها أن العقوبات الاقتصادية متعددة الأطراف على إيران قد تخفض من إنفاقها العسكري بنسبة 77% على المدى الطويل. لكن على الرغم من عقلانية هذا الاستنتاج الإحصائي المبني على إحصاءات تاريخية، لم تتضح النتائج: هل النفقات العسكرية للحرس الثوري تنطبق عليها نفس النتيجة أم لا؟ وكانت إيران قد رفعت من ميزانيته العسكرية العام الجاري على الرغم من تخفيض ميزانية الجيش والأمن بشكل عام.
4- فرص محتملة لتوسع اقتصاد الحرس الثوري: كان أحد الحلول لسدّ عجز إيرادات النفط هو عبر نقل ملكية بعض الأصول الحكومية، وتخبرنا الشواهد التاريخية أن مثل هذه القرارات تكون بمثابة فرص سانحة لتدخل شركات الحرس الثوري التي تعمل في كل القطاعات الاقتصادية وتفوز بالاستحواذ على شركات عامة معروضة للخصخصة، كما سبق وحدث في عهد حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، عندما استحوذت شركات تابعة للحرس على عدد كبير من الشركات، منها إحدى كبرى شركات الاتصالات العاملة بإيران، وقد يعزِّز هذا النمو المالي من قوة الحرس الاقتصادية والعسكرية في البلاد.
5- تقليل فعالية سياسة الصبر الاستراتيجي: وهي المتبعة من الإدارة الإيرانية للتصدِّي للضغوط الاقتصادية والعقوبات الأمريكية منذ 14 شهرًا، إذ أضرَّت باقتصاد وشعب إيران أشدّ الضرر، ويدرك صانعو القرار في إيران هذه الأمر جيدًا، ما يعني بالتبعية إدراكهم لضرورة وضع حدّ لهذا الضرر قبل فوات الأوان.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير