ما وراء إعادة انتخاب علي لاريجاني رئيسًا للبرلمان الإيراني

حافظ علي لاريجاني على منصبه عقب انتخابه مجدَّدًا لرئاسة البرلمان الإيراني. لاريجاني الذي يترأس البرلمان منذ 2008، أُعيدَ انتخابه خلال الانتخابات الداخلية التي تجرى سنويًّا لاختيار أعضاء الهيئة الرئاسية المكوَّنة من 12 نائبًا. الانتخابات الأخيرة كانت أكثر تنافسية من المرات السابقة، وانعكس ذلك على إجراء الانتخابات على مرحلتين، في المرحلة الأولى تَفوَّق رئيس كتلة الأمل الإصلاحية في البرلمان الإيراني محمد رضا عارف على كل من لاريجاني وحميد رضا بابائي، بحصوله على 114 صوتًا، بينما حلّ لاريجاني ثانيا بـ101 صوت، وبابائي في المرتبة الأخيرة بحصوله على 54 صوتًا. ولعدم حصول أي من المرشَّحين على الأغلبية المطلقة المنصوص عليها في الدستور واللوائح الداخلية للبرلمان، انتقلت انتخابات الهيئة الرئاسية بالبرلمان الإيراني إلى جولة ثانية انحصرت هذه المرة بين لاريجاني وعارف بعد انسحاب المرشَّح الثالث حميد رضا بابائي، وانتهت بحصول علي لاريجاني على 147 صوتًا، وحلّ مرشَّح التيَّار الإصلاحي محمد رضا عارف في المرتبة الثانية بحصوله على 123 صوتًا من مجموع 279 عضوًا حضروا عملية الاقتراع. بعد انتخاب لاريجاني أُعيدَ كذلك انتخاب كل من مسعود بزشكيان نائبًا أوَّلَ لرئيس البرلمان بـ157 صوتًا، وعلي مطهري نائبًا ثانيًا بـ143 صوتًا، إضافة إلى انتخاب عدد من الأمناء والمراقبين.
ورغم أن لاريجاني معروف بقربه من المرشد علي خامنئي ودعمه التيَّار المحافظ، فقد لوحظ في الآونة الأخيرة اتخاذه مواقف معتدلة تجاه عدد من القضايا، مثل تأييده للاتِّفاق النووي في يوليو 2015 بين بلاده والمجموعة الدولية، على الرغم من رفض المحافظين له، ودعمه تَرشُّح حسن روحاني المدعوم بقوة من الإصلاحيين في انتخابات 2013 و2017، واحتفاظه بقنوات تواصل جيدة مع بعض قادة التيَّار الإصلاحي. أضف إلى ذلك أن علي لاريجاني هو نجل المرجع ورجل الدين البارز هاشم آملي وصهر منظِّر الثورة الإيرانية مرتضى مطهري. هذه الخلفية المتنوعة من العلاقات والخبرات أفادت لاريجاني في إقامة شبكة من العلاقات مع رجال الدين وقادة الحرس الثوري، وأفادته كثيرًا في تَقلُّد عدد من المناصب الحساسة في النظام الإيراني.
اللافت في الانتخابات الأخيرة للهيئة الرئاسية بالبرلمان، تقديم المحافظين العضو حاجي بابائي لينافس لاريجاني الذي طالما كان الخيار الأفضل للمحافظين والمعتدلين، وحتى لعدد من الإصلاحيين. لكن بعد انسحاب بابائي تَكشَّفَت دلالات هذا الترشُّح وأنه كان مناورة لضمان فوز لاريجاني، إذ كان الهدف توزيع أصوات المقترعين والحيلولة دون حصول أي مرشَّح على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى والانسحاب لصالح لاريجاني في الجولة الثانية، وهو ما انتقده عدد من النواب الإصلاحيين مثل مصطفى كواكبيان الذي دخل في مشادَّة كلامية مع علي لاريجاني واعتبر انسحاب بابائي مخالفًا للدستور، لكن لاريجاني دافع بقوة عن هذا الانسحاب وقال إنه انسحاب لا يتعارض مع القانون.
وعلى الرغم من فوزه عكست النتائج تراجُعًا كبيرًا في شعبيته، إذ تَقلّصَت الأصوات التي نالها هذا العام إلى 147 مقارنة بـ204 أصوات حصل عليها في انتخابات العام الماضي.
ويعود عدم حصول لاريجاني على الأغلبية المطلقة وزيادة عدد النواب الرافضين لاستمراره في رئاسة هذه المؤسسة التشريعية، إلى اتهامه بمحاباة الحكومة الحالية والوقوف في وجه محاولات بعض النواب مساءلة الرئيس حسن روحاني حول أزمة إفلاس المؤسسات المالية التي شكَّلَت أحد أسباب اندلاع الاحتجاجات التي عمَّت أكثر من 80 مدينة إيرانية في نهاية 2017 واستمرت حتى منتصف يناير 2018، فضلًا عن اتهامه بالتقرُّب للإصلاحيين لدعم تَرشُّحه في الانتخابات الرئاسية القادمة على غرار الدعم الذي حصل عليه حسن روحاني خلال دورتيه الرئاسيتين، وهو ما يثير غضب وامتعاض المحافظين المتشددين.
ورغم تراجع شعبيته لدى نواب البرلمان أدَّت مجموعة من العوامل إلى إعادة انتخاب لاريجاني لرئاسة البرلمان للسنة الحادية عشرة على التوالي، تتمثل في التالي:
أولًا: مواقفه المعتدلة تجاه بعض الملفات، وعدم تبنيه موقفًا عدائيًّا ورافضًا لسياسات المحافظين المتشددين، جعلت التيَّارات السياسية المختلفة تنظر إليه على أنه الخيار المناسب لقيادة البرلمان خلال الفترة القادمة، لا سيما في ظلّ الأزمات العديدة التي تعصف بالنظام الإيراني والضغوط الدولية الكبيرة التي يتعرض لها حاليًّا جَرَّاء تدخلاته السافرة في دول المنطقة، فضلًا عن أزمة البرنامج النووي التي قد تعود إلى نقطة الصفر بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتِّفاق النووي.
ثانيًا: يتمتع علي لاريجاني بعلاقات قوية مع المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي، وخلال السنوات الماضية وكل إليه المرشد عددًا من المهامّ الحساسة مثل رئاسة هيئة الإذاعة والتليفزيون، ثم منصب كبير المفاوضين النوويين، أما رئاسته البرلمان الإيراني طوال السنوات الماضية فما كان لها أن تتمّ إلا بتأييد ومباركة من خامنئي.
ثالثًا: علي لاريجاني الذي كان ضابطًا بالحرس الثوري، يتمتَّع بعلاقات مميَّزة مع قادة هذه المؤسَّسة، ووجوده على رأس البرلمان سيضمن للحرس الثوري استمرار قادته في رئاسة المؤسسات المؤثِّرة في النظام الإيراني.
رابعًا:الانتقادات الشديدة واتهامات الفساد التي ظلّ يوجِّهها الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى كل من علي لاريجاني وشقيقه رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني، لم تُسهِم في إقصاء أي منهما من منصبه، وإعادة انتخاب لاريجاني قد تفسَّر بأنها رسالة من المرشد والحرس الثوري إلى أحمدي نجاد مفادها أن عائلة لاريجاني لا تزال محلّ ثقة النظام، وسوف تظل في اللعبة السياسية الإيرانية لفترة زمنية طويلة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير