مخطط الحرس الثوري والباسيج لاكتساح الانتخابات الرئاسية

في الوقت الذي يهيمن فيه الحرس الثوري والجماعة التابعة له (أي قوات الباسيج/التعبئة) على عدد كبير من القطاعات السياسية والاقتصادية والثقافية، فإن طموحاتهم لا تقف على الإطلاق عند هذا الحدّ، بل يسعون لبسط هيمنتهم على ما يمكنهم الحصول عليه. كانت مؤسَّسة الحرس الثوري -ولا تزال- تشعر بالاستياء من حكومة حسن روحاني لأسباب عديدة، على الرغم من كل الامتيازات التي تنازلت عنها حكومة روحاني تحت ضغط من الحرس الثوري لصالح هذه المؤسَّسة.
رفض خامنئي ثنائية الأقطاب بين الإصلاحيين والمحافظين في المجتمع، وقال إنه إنما يؤيد هذه الحالة إذا جَرَت بين القوات الداعمة للثورة والقوات المعارضة لها، معتبرًا أن هذه الحالة تشبه كذلك حالة ثنائية الأقطاب الموجودة بين القوى الاستكبارية والقوى المناهضة للاستكبار. ويبدو أن الحرس الثوري دخل المعركة الانتخابية هذه المرة بشكل أكثر وضوحا من السابق، وهو يسعى لركوب موجة مؤيدي الثورة ومعارضيها لإيصال مرشَّحه إلى كرسي الرئاسة.

تاريخ تدخُّلات الحرس الثوري في السياسة
شكّل الجنرال محمد باقر ذو القدر (من مواليد 1954)، ومحسن رضائي والجنرال نجات وغيرهم، زعماء التيَّار المتشدد اليميني في منظَّمة مجاهدي الثورة الإسلامية، وعلى أثر قرار الخميني الذي يقضي بمنع النشاط السياسي للعسكريين غادر الأعضاء المحسوبون على التيَّار اليساري في الحرس الثوري هذه المؤسَّسة، ولكن الأعضاء المحسوبين على التيَّار اليميني للحرس لم يغادروها واستمروا في أنشطتهم السياسية. كان هذا التيَّار يدعم آنذاك نظرية “الإسلام الفقهي” وكان بينهم وبين آية الله راستي كاشاني تنسيق حول الأمور كافة.
عَيّن خامنئي في 22 سبتمبر 1989 الجنرال محمد باقر ذو القدر رئيسًا لهيئة الأركان العامة للحرس الثوري، وشغل ذو القدر هذا المنصب حتى عيّنه خامنئي نائبًا للقائد العامّ للحرس الثوري في 13 سبتمبر 1997، ثم نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامَّة للقوات المسلَّحة لشؤون قوات التعبئة في 11 ديسمبر 2007.
في 13 مايو 2012 عَيَّن صادق لاريجاني ذو القدر نائبًا لرئيس السلطة القضائية للشؤون الاستراتيجية ونائبًا لرئيس السلطة القضائية “للشؤون الاجتماعية والوقاية من وقوع الجريمة” في الوقت ذاته.
سخَّر الجنرال ذو القدر خلال الانتخابات الرئاسية في 23 مايو 1997 كل إمكانياته لدعم ناطق نوري بقوة على حساب محمد خاتمي، ولكنه مُنِيَ بهزيمة نكراء، لقد تَعلَّم ذو القدر الدرس واستفاد من هذه التجربة في الانتخابات الرئاسية في 2005، إذ تمكن من خلال مخطَّط شاركت فيه فئات مختلفة من أعضاء الحرس الثوري والتعبويين، من إيصال أحمدي نجاد إلى سُدَّة الرئاسة.
قال ذو القدر بعد فوز أحمدي نجاد بالرئاسة -وكان آنذاك نائب قائد الحرس الثوري- إنهم تمكنوا من خلال “خطة سليمة على مستويات مختلفة” من إيصال أحمدي نجاد وهو “رمز الحركة الأصولية، والالتزام الديني، والتوجهات الثورية، والعدالة” إلى الرئاسة (نشر في جريدة “إيران” في 9 يوليو 2005).
هذه الانتخابات هي نفسها التي احتجّ هاشمي رفسنجاني ومهدي كروبي على نتائجها بسبب التزوير وتدخُّل العسكريِّين فيها، فقد وجّه مهدي كروبي رسالة حادَّة إلى خامنئي قال فيها علنًا إن “نجلكم (مجتبى خامنئي) تَدخَّل مباشَرةً بتزوير نتائج الانتخابات”، وردّ خامنئي عليه ردًّا حادًّا، في حين صرّح هاشمي رفسنجاني قائلًا: “بما أن كل الأجهزة المعنية بمتابعة قضية التزوير أعلنت دعمها رسميًّا لأحمدي نجاد، فإنني أتوجّه بشكواي إلى الله وحده”. أما علي مطهري، نائب رئيس البرلمان، فقد صرّح مؤخَّرًا في هذا الشأن بقوله: “كان أحمدي نجاد يتمتع بالذكاء، فأدرك بسرعة أن في النظام أجزاءً ترغب في تهميش هاشمي، فاصطفَّ عديد من قوى الثورة ومؤسَّسات الدولة إلى جانب أحمدي نجاد، وفي الوقت الذي كان يبدو فيه أن قاليباف لديه حظوظ للفوز، لقي أحمدي نجاد في نهاية المطاف وفي الأسبوع الأخير من موعد الانتخابات الدعم اللازم وتَمَكَّن من الوصول إلى المرحلة الثانية من الانتخابات. لقد أثار هذا الأمر احتجاج هاشمي الذي أعلن عن موقفه مرارًا، ولكنه في نهاية المطاف صرَّح بأن “حسبه الله”. كان هاشمي يعتقد أن الانتخابات الرئاسية في 2005 جرت هندستها، وقدّم لاحقًا شكوى رسمية بهذا الشأن، قال فيها: “لقد أبلغني هاشمي نفسه بأن المحكمة أدانت 110 من القيادات العسكرية باتهام التدخل في الانتخابات، ونحن رأينا أنه في حال تنفيذ هذه الأحكام فسيكلف ذلك النظامَ ثمنًا باهظًا، وبناء عليه تركنا الأمور على حالها”.

الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 19 مايو2017
أقلّ من ثلاثة أشهر تفصلنا عن موعد الانتخابات الرئاسية، وقد أعلنت عشر شخصيات أصولية في 25 ديسمبر 2016 عن تشكيل “الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية” بهدف تقديم المرشَّح الذي سينافس حسن روحاني في الانتخابات، ويعتبر الجنرال محمد باقر ذو القدر أحد هذه الشخصيات الأصولية، وهو أيضًا “مدير حملة الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية”، الأمر الذي أثار احتجاج الإصلاحيين والقوى المعتدلة المطلعة على تاريخ تدخلات الجنرال ذو القدر في الانتخابات، متسائلين: كيف يمكن لقيادي في الحرس الثوري ونائب لرئيس السلطة القضائية أن يؤسّس علنًا حزبًا بهدف تقديم المرشَّح الذي سينافس حسن روحاني؟
وصرّح المتحدث باسم الحرس الثوري الجنرال رمضان شريف، في 6 فبراير 2017، بأن الجنرال ذو القدر تقاعد من الحرس الثوري منذ فترة، وعلى أثر ذلك كتبت وكالة أنباء “فارس” التابعة للحرس الثوري والتعبئة، تقول إن “منصبَي” نائب رئيس السلطة القضائية للشؤون الاستراتيجية” و”نائب رئيس السلطة القضائية للشؤون الاجتماعية والوقاية من وقوع الجريمة” لا يتعارضان قانونيًّا مع الأنشطة الحزبية.
قطبَا الثورة وضدّ الثورة
ألقى الجنرال ذو القدر كلمة خلال مؤتمر تمهيدي للجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية في 5 فبراير 2017، تمحورت حول القطبية الثنائية التي صنعها علي خامنئي، المتمثلة في القوى الثورية والقوى المعادية للثورة. تَحدّث ذو القدر عن جبهة المقاومة على المستوى الإقليمي والدولي التي تدعمها إيران، وأضاف: “تُعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية نواة مكافحة نظام الهيمنة في هيكل القوة والأمن العالميين، والسبب في نجاحها على مدار 40 عامًا من المواجهة والمعارك الشرسة هو نهجها وطابعها الثوري”.
تقف الجبهة المعادية للثورة في وجه الثورة و”الجمهورية الإسلامية”، يضيف ذو القدر، “هناك معسكر كبير يشمل رأس نظام الهيمنة بدءًا بأمريكا والكيان الصهيوني مرورًا بقوى الاستكبار الغربية وأنظمة الطواغيت في المنطقة والقوى المعادية للثورة والمقيمة في خارج البلاد وداعميها داخل النظام”.
ويضيف: “نلاحظ وجود واختراق تيَّار مُعادٍ للثورة وللنظام، ويجب كشفه والتصدي له. لقد تَمَكَّن العدوّ من اختراق عدد من الأهداف والمعاقل التي سنستردّها بحول الله وقوته… يجب أن تقف كل القوى الثورية في معسكر جهاديّ واحد، وأن يحسم الشعب (الحرس الثوري وقوات التعبئة) أمر القوى المعادية والمعارضة للثورة… لقد حسم الشعب (أي الحرس الثوري وقوات التعبئة والشرطة) أمر حركات الفتنة، بخاصة تلك التي حصلت في 1999 و2009، وقضى على الفتنة وأصحاب الفتن من خلال وجوده الثوري في الساحة”.
وقال آية الله موحدي كرماني خلال مؤتمر للجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية في 23 فبراير 2017: “معاداة أمريكا هو الشرط الضروري للرئيس القادم”.
وليس معروفا ما إذا كانت قطبية “الثوريين (المعادين لأمريكا) والمضادّين للثورة (الموالين لأمريكا)” التي صُنِعَت ستصبّ في نهاية المطاف في صالح خامنئي والأصوليين والعسكر، لأن هذه القطبية الثنائية سيجري تحجيمها وتحويلها إلى قطبية ثنائية بين الموالين للروس والموالين للغرب.

أعضاء الحرس المرشَّحون للانتخابات الرئاسية
بنظرة سريعة إلى وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري (وكالات أنباء “فارس” و”تسنيم” و”مشرق نيوز” وجريدة “جوان”…) نلاحظ أنها كلها تدعم الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية وتسعى لفوز المرشَّح الذي تقدِّمه هذه الجبهة لخوض الانتخابات الرئاسية.
كثير من المرشَّحين الذين قد تقدِّمهم الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية (محسن رضائي، وعزت الله ضرغامي، ومحمد باقر قاليباف، وبرويز فتاح، ورستم قاسمي، وغلام رضا مصباحي مقدم، وعلي رضا زاكاني، وغيرهم) كانوا قيادات أو أعضاء سابقين في الحرس الثوري.
اللواء محسن رضائي عاد منذ فترة إلى صفوف الحرس الثوري، ومِن ثَمَّ لا يحق له الانخراط في النشاط السياسي والحزبي، ليس فقط استنادًا إلى المراسيم الصادرة عن الخميني وقانون الانتخابات، بل أيضًا بناءً على السياسات الكلية للنظام التي صدَّق عليها مجمع تشخيص مصلحة النظام، ولكن محسن رضائي أعلن رسميًّا دعمه لـ”الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية”، وأفاد موقع “رجا نيوز” المحسوب على الأصوليين المتشددين، أن محسن رضائي ومحمد باقر ذو القدر التقيا نيابةً عن “الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية”، مع آية الله مصباح يزدي، في قم في 30 يناير 2017.
وفي الوقت الذي يزعم فيه اللواء رضائي أنه عاد إلى صفوف الحرس الثوري بهدف الدفاع عن الثورة ومعسكر المقاومة بإشراف من مرشد الثورة، فإنه صرّح في 22 فبراير 2017 بأن الحكومة القادمة ستكون ثورية، بمعنى أن مرشَّح الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية سيفوز بمنصب الرئاسة، وأضاف: “سأحترم المسؤولية التي كلفتني بها الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية دون شك، فمن الصعب أن أرفض هذا الطلب (الترشُّح عن هذه الجبهة لخوض الانتخابات الرئاسية)”.
ترشّح رضائي مرتين لانتخابات الرئاسة سابقًا، وترشّح مرة واحدة للانتخابات البرلمانية ولكنه لم يحصل على الأصوات الكافية في جميع هذه المحاولات، وترشّح الجنرال قاليباف، عمدة طهران لمدة 12 عامًا، للانتخابات الرئاسية لمرات عدة، ولكنه لم يحصل على أصوات كافية.
صرّح المتحدث عن الجبهة الشعبية للثورة الإسلامية قائلًا: “أعلن آية الله موحدي كرماني وآية الله يزدي دعمهما للجبهة الشعبية للثورة الإسلامية”. وآية الله محمد يزدي هو أحد أعضاء مجلس صيانة الدستور، وكان يجدر به، بصفته أحد الأعضاء الرئيسيين في المؤسَّسة التي “تشرف على سير العملية الانتخابية”، الحفاظ على الشكليَّات على الأقلّ والامتناع عن دعم واضح لمرشَّح منافس لروحاني.

نتيجة العسكرة
كل دولة إلى أن تؤدِّي قواتها العسكرية مهامَّها الرئيسية المتمثلة في توفير أمن الحدود والأمن في الداخل بإشراف مؤسَّسات وأفراد غير عسكريين، لكنّ تدخُّل العسكر في قطاع السياسة والاقتصاد يؤدِّي إلى الفساد الهيكلي، فأيّ تيَّار بوسعه أن ينافس، اقتصاديًّا وسياسيًّا، مؤسَّسة ينتمي إليها مئات الآلاف من الأفراد من جميع أرجاء البلاد وتُعتبر قواتها الأكثر تنظيمًا؟
لقد أصبح القطاع الاقتصاد الحكومي والرِّيعي في إيران أكثر اعتمادًا على الريعية والحكومة بسبب تدخُّلات الحرس الثوري فيه، حتى إن الحرس يستثمر وجوده في دول الإقليم لتأمين مصالحه الاقتصادية والسياسية داخل البلاد.
هل نسي الناس تلك الأساليب التي استخدمها الحرس الثوري لإيصال محمود أحمدي نجاد إلى سُدَّة الرئاسة؟ فماذا فعل أحمدي نجاد وأعضاء الحرس الثوري بموارد العملة الصعبة التي بلغت 800 مليار دولار خلال السنوات الثماني من فترة رئاسة ذلك الرئيس الثوري والملتزم بالقيم وذات الاتجاهات الأصولية، الذي كان خامنئي يقول إن حكومته أفضل حكومة شهدتها إيران منذ الثورة الدستورية، وإنه أعاد قطار الثورة إلى سِكّته وإن وجهات نظره متقاربة أكثر من غيره مع وجهة نظر خامنئي؟ فماذا فعل هؤلاء بهذه الأموال ليصل حال البلاد إلى ما هو عليه الآن؟ لقد حصل بابك زنجاني على بضعة مليارات من الدولارات النفطية بدعم من الحرس الثوري، ولا يزال مجهولًا إلى أي الجيوب وصلت هذه الأموال.
شغل أحمدي نجاد منصب عمدة طهران لمدة عامين، وشغله قاليباف لمدة 12 عامًا على التوالي، فما العائد الذي حصلنا عليه خلال هذه السنوات الـ14 من الإدارة “الثورية والجهادية”؟ من أبسط الأعمال التي نفّذوها بيع “الهواء” للناس بدلًا من البنزين على نطاق واسع، وإعطاء رخص لبناء أبراج لا تلتزم بالمعايير والمقرَّرات الخاصة ببناء المدن، وهي كارثة ستتضح أبعادها في حال وقوع زلزال لا قدّر الله.
لقد عرّض هؤلاء البلادَ لتهديد الهجوم العسكري الخارجي من خلال إطلاق شعارات “دون كيشوتية”، وحوَّلوا معظم دول المنطقة إلى أعداء لإيران ومع ذلك كلّه فهم لا يكتفون، بل ينوون تحقيق كل شعاراتهم عديمة الجدوى من خلال الهيمنة على كرسي رئاسة الجمهورية.
إذا كان من المفروض أن يستمرّ الحكم الدكتاتوري و”نهب الثروات الوطنية” والقمع وعدم الكفاءة فاستخدموا –ولو قليلًا- القوة العاقلة، ولا تجعلوا البلاد تسِرْ في اتجاه “مصير سوريا”. الخميني -بغضّ النظر من كان الخميني- أعلن مرات عديدة عن مبدأ صحيح، هو أن تَدَخُّل العساكر في السياسة كانتشار الورم في كل المجتمع والدولة.
على الرّغم من أن الخميني حذّر مرارا وتكرارًا من مغبَّة ولوج الحرس الثوري في المشهد السياسي، فإن اللواء محسن رضائي زعم كاذبًا أن الخميني قال لآية الله منتظري، الذي حذّر بدوره من انقلاب الحرس: “أين تكمن المشكلة؟ هؤلاء أبناؤنا ولا يمكنهم الابتعاد كثيرًا”، نعم، يمكن اللجوء إلى شَتَّى أنواع الكذب والتزوير من أجل احتكار السلطة السياسية والعسكرية.

مادة مترجمة عن “راديو فردا”

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير