مدينة «إيرانشهر» العيش على حافة الخوف

في أثناء صلاة عيد الفطر في مدينة إيرانشهر التابعة لإقليم سيستان وبلوشستان ذات الأغلبية السنّية، وقف الإمام محمد طيب ملازهي ليفجّر مفاجأة أمام المسؤولين الحاضرين لصلاة العيد. لقد تحدث ملازهي عن تعرض 41 فتاة وسيدة للاغتصاب في تلك المدينة، إذ قال: « في أحد أيام شهر رمضان الماضي قامت سيارة باختطاف فتاة عائدة من عملها، وحاول الأهالي اللحاق بالسيارة لكنهم فشلوا، وعادت الفتاة إلى منزلها في المساء بعد تعرضها للاغتصاب على أيدي المختطفين ».
وطالب ملازهي المسؤولين الحاضرين بفتح التحقيق في القضية وحماية النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب. هذه الحادثة جلعت أيضًا العضو البرلماني محمد نعيم والنائب عن إقليم سيستان وبلوشستان يصرح لوكالة «إيلنا» الإخبارية بقوله: «إنّ الأهالي في إيرانشهر يشعرون بانعدام الأمن والخوف».

المعتدون أبناء أُسَر ذات نفوذ


البرلمانية سياوشي: الحادثة ستُناقَش في البرلمان.. والمعتدون أبناء لأُسَر مرموقة

حتى اللحظة التي تحدث فيها الإمام ملازهي عن تلك القضية لم يكن أحد يعلم بها مطلقًا، وهو ما جعله يقول علانيةً: «لقد قررت التحدث أمام الجميع بعد أن أتى إليّ والد إحدى الفتيات باكيًا وشاكيًا بسبب ما تعرضت له ابنته». وبجرأة أضاف: «إنّ المعتدين من أبناء أُسَر تتمتع بالنفوذ والسلطة، ورغم ما يتمتعون به من نفوذ فإنهم ليسوا سوى مجموعة من الغوغائيين».
لم يكن ما قاله ملازهي مجرد اتهام عارٍ عن الصحة، فالبرلمانية طيبة سياوشي أكدت ذلك في تصريح لها، إذ ذكرت وبشكل مباشر أنها علمت ومن خلال مصادر غير رسمية أن المعتديين أبناء لأُسَر مرموقة، وتابعت «ما حدث ستتم مناقشته في البرلمان جملةً وتفصيلًا».

أهالي إيرانشهر يحتجّون

بعد تصريحات الإمام ملازهي وانتشارها سريعًا، زاد الحديث عنها بين الإيرانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، منددين بتلك الحوادث،
فتحت هاشتاق «دختران إيرانشهر» (بنات إيرانشهر) طالبوا بحماية الضحايا وسرعة إلقاء القبض على المعتديين، إذ خرج أهالي تلك المدينة للتظاهر في 17 يونيو أمام مبنى المحافظة، رافعين شعارات مناهضة للسلطات، وعبروا كذلك عن إحساسهم بانعدام الأمان.
وفي تغريدة له على موقع «تويتر»، حذر المسؤول المحلي في إيرانشهر، محمد بلوج، من أن أهالي الضحايا يخشون «محاولات إيذاء بناتهن
بعد التحدث عن تعرضهن للاغتصاب».

تضارب في تصريحات المسؤولين
يوم 17 يونيو صرح وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فاضلي، تعقيبًا على الأخبار الصادرة من إيرانشهر بأنه طلب من محافظ إقليم سيستان وبلوشستان تقريرًا دقيقًا ومفصلًا عن تلك الأخبار لتقديمها إلى الوزارة التي بدورها ستتعاون مع القضاء لملاحقة الجناة، وبعد يوم من تصريحات الإمام محمد طيب ملازهي، قال المدعي العام لمدينة إيرانشهر: «لقد تم إلقاء القبض على واحد من المتهمين بتلك القضية التي أثارها الإمام، وإنه جارٍ البحث عن باقي المتهمين»، لكنه وبعد عدة أيام أضاف مستدركًا: «المقبوض عليه متهم بخطف فتاة نهار رمضان، وليس له عَلاقة بتلك القضية التي أعلن عنها الأمام ملازهي».

وكل تلك التخمينات والتكهنات التي أطلقها أعلى شخصية قضائية في الإقليم حدثت قبل أن يتم الكشف الطبي على الفتيات وإصدار التقرير الذي يفيد بتعرضهن للاغتصاب من عدمه.

رحماني ذكر أيضًا أن المتهمين في تلك القضية هربوا إلى المدن المجاورة وجارٍ التنسيق مع السلطات بتلك المدن لاعتقالهم في أقرب وقت. وما قد يكشف تناقض التعاطي مع هذه الحادثة إعلاميًّا هو ما أطلقه رئيس القضاة في إقليم سيستان وبلوشستان، إبراهيم حميدي، إذ رفض تصريحات الإمام ملازهي بتعرض 41 سيدة للاغتصاب. وأضاف قائلًا: «يجب التحقق من تلك الأرقام، وإنّ من تقدموا بشكوى ثلاث نساء فقط، وجارٍ التحقق من ادعائهن عن طريق الطب الشرعي»، بل ذهب حميدي إلى ما هو أبعد من ذلك، وفسر أنه من الممكن أن تكون تلك الواقعة ليست اغتصابًا من الأساس، بل مجرد خلاف بين الفتيات والشباب، إذ قال في مقابلته مع وكالة «تسنيم»: «قد يكون هناك عَلاقة بين المتهمين والفتيات ووعود بالزواج، وعندما اختلفوا تقدمت الفتيات بالشكوى، وادّعَيْن تعرضهن للاغتصاب».

 

المدعي العام لإيران يهدد إمام المدينة
خرج المدعي العام لإيران محمد جعفري منتظري يوم 18 يونيو مهددًا الإمام ملازهي بأنه سيكون قيد الملاحقة القضائية إذا لم يقدم للقضاء أي أدلة على ما ادّعاه في صلاة عيد الفطر، حسب تعبيره. ووصف منتظري إعلان إمام إيرانشهر في صلاة العيد بأنه مجرد أكاذيب، وأضاف: «إنّ أي شخص تكلم عن تلك القضية يجب أن يملك أدلة عليها، وإلا فسيُحاكَم بتهمة إزعاج الرأي العام».
والمثير للاستغراب باتهام ملازهي بالكذب والتعهد بملاحقته قضائيًّا هو تعارضه صراحةً مع ما قالته البرلمانية طيبة سياوشي، وما ذكره أيضًا المدعي العام لمدينة إيرانشهر.
ولم يكن تهديد مدعي إيران العام مجرد تصريحٍ صحفي، بل هو ما حدث بالفعل، إذ أفادت الأخبار الواردة من إقليم سيستان وبلوشستان بأن «الإمام ملازهي يتعرض للتهديد فعلًا، وقد مُنع من السفر خارج المدينة، إضافةً إلى منع الصحفيين والمراسلين من لقائه».

القبض على المتهم الثاني وانتقاد القضاء لوسائل الإعلام
يوم 21 يونيو أعلنت السلطة القضائية في إقليم سيستان وبلوشستان القبض على المتهم الثاني في حوادث الاغتصاب في مدينة إيرانشهر، مع تأكيد السلطات القضائية على أن من تعرضن للاغتصاب هن ثلاث نساء فقط، وقال المدعي العام لمدينة زاهدان التابعة للإقليم إنه تم القبض على متهم في شهر أبريل وآخر في شهر مايو، والثالث كان في شهر يونيو.
ويظهر التضارب في تصريحات المسؤولين القضائيين لأنه وبحسب تصريح المدعي العام لمدينة زاهدان فإنهم ثلاثة متهمين فقط، في حين أعلن المدعي العام لمدينة إيرانشهر سابقًا أنه تم القبض على اثنين في شهر يونيو، وبذلك يكون عدد المتهمين بالقضية خمسة لا ثلاثة كما يقال.
كما أعلن المدعي العام لمدينة إيرانشهر أيضًا أنه تم إلقاء القبض على متهم آخر على هامش القضية بدعوى أنه يساعد وسائل الإعلام خارج إيران في تأجيج مشاعر الإيرانيين وإثارة الفتن عن طريق استغلال تلك الحادثة.
وفي تغريدة له على موقع «تويتر» كتب حبيب الله سربازي، المهتم بشؤون البلوش والمقيم خارج إيران، أن الشخص المتهم بالتعامل مع وسائل إعلام أجنبية هو أخوه.
وانتقدت السلطة القضائية في إيران بشدة تناول وسائل الإعلام لتلك القضية، إذ وجه المدعي العام لإيران انتقاده للصحفيين وبعض أعضاء البرلمان ممن تفاعلوا مع تلك الحادثة في إيرانشهر وما شابهها من حوادث، وقال: «إنّ القضاء غير ملزم بنشر أخبار تفصيلية عن تلك القضية»، واصفًا الصحفيين الذين تطرقوا إلى هذه القضية بـ«العملاء لصالح أعداء البلاد».

وزارة الداخلية تعود وتنفي تعرض 41 امرأة للاغتصاب
في يوم 24 يونيو عاد وزير الداخلية ليصرح من جديد بأن الأرقام المعلنة بخصوص تعرض 41 امرأة للاغتصاب في مدينة إيرانشهر ليست صحيحة، وذكر أن «وزارة الداخلية تحقق في ذلك الأمر بجانب وزارة القضاء، لكن تفاصيل هذا التحقيق المشترك لم يتم الإعلان عنها حتى الآن»، وبرهن وزير الداخلية على عدم صحة العدد الذي أعلنه الإمام بقوله: «إن من تقدم بالشكوى أربع نساء فقط»، وهذا عكس ما قاله المدعي العام لمدينة إيرانشهر، الذي أكد أن عدد النساء اللواتي قُمن بتقديم شكواهن إلى السلطات لا يتجاوز «ثلاثًا فقط».

الأهالي يضرمون النيران ويحتجّون من جديد
وفي آخر تطوّرات تلك القضية نقل تلفزيون سيستان وبلوشستان تصريحًا لرئيس وحدة إطفاء الحرائق إبراهيم دكالي بأن مواطنين من مدينة إيرانشهر قاموا بإشعال النيران في صيدلية، يُقال إنها مملوكة لوالد أحد المتهمين في قضية الاغتصاب، وإنه عضو بارز ورفيع بالحرس الثوري.


وفي هذا السياق أعدِّت نيكي محجوب مراسلة قناة «بي بي سي فارسي» تقريرًا عن قضية الاعتداء على فتيات تلك المدينة قائلةً فيه: «وفقًا للمعلومات التي وردت إلى قناة (بي بي سي)، فقد اعترف أحد المتهمين في هذه القضية، بأنهم كانوا يحددون الفتاة أو السيدة في الأحياء ثم يخطفونها في وقت محدَّد لدى رجوعها إلى البيت. المعلومات أشارت كذلك أن اختطاف هؤلاء الفتيات والسيدات تمّ باستخدام السلاح والتنكُّر بزِيّ الشرطة ورجال الأمن».

الاعتراف بدلًا من الإنكار

آزاده دواجي: رغم أن قضية الاغتصاب يحاكم عليها القانون بالإعدام فإنّ مثل هذه الحوادث ما زالت تحدث دون معالجة حقيقية

تقول آزاده دواجي، الناشطة بمجال حقوق المرأة، إنّ العدوان والعنف ضد النساء في إيران مستمر، ويجب إيجاد حلول لتلك المشكلة، ولا بد أن تعترف الحكومة بهذا الأمر بدلًا من الإنكار، وأن تجد حلولًا منطقية له. وتشير آزاده إلى أن عقوبة الاغتصاب في القانون الإيراني قاسية، وقد تصل إلى حد الإعدام، وعلى الرغم من ذلك يتم اغتصاب النساء والتحرش بهن بشكل متكرر، وترى آزاده أن السبب في ذلك هو ثقافة لوم المرأة في إيران، والنظر إليها على أنها سبب كل تلك المشكلات، وتحمّل آزاده المسؤولين مسؤولية استمرار حوادث الاغتصاب والعنف ضد النساء لمواقفهم السلبية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير