من الخميني إلى خامنئي: تكثيف الدرس الفلسفي في الحوزة

طالب المرشد الأعلى علي خامنئي منذ أسابيع بالتعريف بشخصيات وآراء عظماء الفلسفة، قائلًا: «ينبغي ترويج الفلسفة في حوزة قم العلمية وكذلك حوزة طهران العلمية التي كانت مركز الفلسفة قديمًا». معربًا عن امتنانه لازدهار العلوم العقلية في الحوزات العلمية بعد قيام الثورة. وأكَّد خامنئي عبر التطرُّق إلى ذكر بعض عظماء الفلسفة بضرورة تقديم الشخصيات وآرائهم للمجتمع العلمي، وأهمِّيَّة تدوين خلاصة قابلة للفهم من الآراء الفلسفية والعميقة لهؤلاء العظماء، وأضاف: «من المهمّ للغاية دعوة الشباب إلى العلوم العقلية وتوجُّه الحوزات العلمية إلى العلوم العقلية،بخاصَّة الفلسفة».

الدرس الفلسفي قبل الثورة:
كان الدرس الفلسفي مهجورًا قبل الثورة الإيرانية في الحوزة العلمية إلا من شذرات ومحاولات من الطباطبائي والخميني. وقد كان الخمينيّ يتألم بسبب هجران الدرس الفلسفي وجمود رجال الدين عنه، واصفًا التغير التاريخي الذي أحدثه في الدرس الفلسفي قبل الثورة وبعدها بقوله: «في مدرسة الفيضية تناول ابني الصغير المرحوم مصطفى وعاءً وشرب منه الماء، فقام أحدهم وطهَّر الوعاء لأنني كنتُ أُدرِّس الفلسفة، فقد كانت دراسة الفلسفة والعرفان تُعَدّ ذنبًا وشِرْكًا». لكن بعد الثورة استطاع الخميني أن يفرض الدرس الفلسفي داخل الحوزة، ويُغيِّر معالِمها تمامًا عما كانت عليه طوال عهود ما قبل الثورة.
ولكي ندرك طبيعة الانقلاب أو القفز على الموروث الحوزوي الذي أحدثه الخمينيّ في خريطة الحوزة المعرفية، يجب معرفة أنّ الطباطبائي عندما قرَّر قبل الثورة تدريس «الأسفار الأربعة» للصدر الشيرازي، في قُم، اعترض آية الله البروجردي، ونصح الطباطبائي بالتراجع عن تدريسها جهرًا، إذ قال:«إنّ الدرس العلنيّ للأسفار في الحوزة الرسميَّة غير صالح بأيّ شكل من الأشكال، ولا بد أن يُترَك»، نقلًا عن عبد الجبار الرفاعي في كتابه «تَطَوُّر الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية».

♦ الخمينيّ وإحياء الدرس الفلسفي:
كَثّف الخمينيّ الدرس الفلسفي وتشجيعه داخل الحوزة بعد نجاح الثورة الإيرانيّة، بالتعاون مع الطباطبائي، الذي افتتح ندوة للحوار الفلسفي في طهران بعد الثورة، في منزل مرتضى الجزائري، وشارك فيها هنري كوربان أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون، وصدرت عن تلك الندوة بحوث عن التفكير الفلسفي في نصوص أهل البيت، وأدَّت إلى تطور الدرس الفلسفي بعد الثورة، وتتلمذ على الطباطبائي أمثال الجواد الآملي ومصباح اليزدي وغيرهما.
ثمّ تعددت الحلقات الفلسفية وتعددت الروافد التي تغذِّي الدرس الفلسفي في الحوزة والجامعة، مِمَّا أدَّى في نهاية المطاف إلى استقرار الدرس الفلسفي الإيرانيّ المعاصر، إلا أنهُ يصعب القول بأنّ الفلسفة الإيرانيَّة عادت إلى ما كانت عليه في عهد الإسماعيلية الإيرانيَّة مثل إخوان الصفا وابن سينا وغيرهم، لأسبابٍ كثيرة كامنة في طبيعة الدرس الفلسفي الذي سمح به أو أدخله الخمينيّ ورفاقه. فالدرس الفلسفي الحوزوي الراهن هو درسٌ تكراريّ لِمَا قرَّره الأقدمون، أي إن نقطة المفارقة هنا انتفاء عنصر الإبداع عن الدرس الفلسفي، فصار أقرب لدراسة التأريخ الفلسفي لا الحقل الفلسفي ذاته الذي يعتمد على الإبداع. أمّا الفيلسوف المبدع الذي يخرج من تلك الشرنقة الحوزوية فيتعرَّض للقمع والاضطهاد والتسقيط والتشويه، كما حدث مع التيَّار الحداثي: حجاريان وسروش والشبستري وغيرهم، لأنّ النِّظام السياسيّ لا يريد هذا الدرس الفلسفي الذي يعتني بالفلسفة المعاصرة، ويخلق الاحتكاك الشرقيّ-الغربيّ، ويَلِجُ في موضوعات الفلسفة القلقة المعاصرة والحديثة، هذا الدرس يعتبره النِّظام السياسيّ خطرًا على أمنه القوميّ ووجوده؛ لأنه في نظر النِّظام مدعاة للتمرد والقلق، القلق الفكري والقلق المعارفيّ.

♦ على طريقة الصفويين وخُطَى الإسماعيلية:
إن المعضلة المنهجية والمعرفية هنا هي ذلك المزج العجيب بين المتناقضات، بين العرفان والفلسفة، بين حقل يدعو إلى الخضوع وإلغاء جزء كبير من العقل أمام الغيبيات والشعائر، وحقل يدعو إلى القلق والتمرد وتعليل كل الظواهر والمشاهدات الحسية وغير الحسية!، هذا التناقض لاحظه فرهاد دفتري في الحالة الصفوية، إذ قال في كتابه «المناهج والأعراف العقلانية في الإسلام» والمطبوع عن دار الساقيّ: «كيف كان دمج فكر ابن عربي التصوفي المناقض جزئيًّا للأفكار الفلسفية واللاهوتية، مع مقولات الأرسطوطاليين مثل ابن سينا، أو التنويريين مثل شهاب الدين السهروردي (ت:1191م)؟ لقد حاول داماد وملا صدرا التوليف بين هذه التناقضات في محاولة لتطويرها، وعلى الرغم من أنّ محاولتهما كانت ناجحة فإنها واجهت عديدًا من الخلافات مع الفقهاء». كما ولا يزال التوتُّر متوارَثًا منذ عهد الصفويين حتى اليوم، ويُمكن ملاحظة ذلك في النشاط العلمي بعد الثورة الإسلامية، بحسب فرهاد دفتري في كتاب «المناهج والأعراف العقلانية»، ولسنا في حاجة إلى إثبات العلاقة الوطيدة بين الخمينيّ ومدرسة ملا صدرا أو مدرسة «الحكمة المتعالية» أو إثبات علاقة الملا صدرا بابن عربي، لكن يُمكن القول إنّ الخمينيّ ثَوّر ملا صدرا الذي لم تكُن عنايته بالشأن العام كعناية الخمينيّ، وقام بعملية إحياء لتراثه. كان التصوُّف قبل الخميني يُكرِّس للانزواء وحب الموت على غرار حافظ الشيرازيّ، لكن الخمينيّ ثوَّره بعد مزجه بالفلسفة والفقه التقليدي، فأصبح جنينًا جديدًا يتحكم في المشهد الثقافي/الحوزوي الإيرانيّ اليوم، نقلًا عن عبد اللطيف الحرز في دارسته المعنونة بـــ«من العرفان إلى الدولة»، وأيضًا دون نسيان تأثر مدرسة أصفهان القديمة ومدرسة ملا صدرا بالمدرسة الفلسفية الإسماعيلية، ومِمَّا يصعب معه الجزم بأنّ المدرسة الفلسفية الإيرانيَّة اليوم خالصة من دَخَلٍ فلسفيّ وصوفيّ وفقهيّ، بل ومن دَخَلٍ مذهبيّ مغاير لها.

♦ أهداف النِّظام الإيرانيّ من ترسيخ الدرس الفلسفي:
عناية النِّظام الإيرانيّ -ممثَّلًا في المرشد ورجال الدين- بالدرس الفلسفي وبترسيخه، لها أهداف وغايات ومقاصد، وإلّا فلا وجه لتلك الحلقات الفلسفية، إذا كانت بلا فوائد تعود بالنفع على النِّظام، فقد كان بإمكان النِّظام أن يترك الحرية للحوزة تمارس دورها وفق رؤيتها ورؤية المراجع، وإعطاؤها قدرًا من الاستقلالية في الدرس الحوزوي، لكن النِّظام ارتأى أنّ الدرس الفلسفي يعود عليه بثمار، من أهمها:
1- التمايز والانفصال: وذلك عن طريق ربط أجيال ما بعد الثورة بفلاسفة الدولتين الإسماعيلية والصفوية، أي القفز على الموروث الحوزوي الفلسفي الانتظاري، إلى ترسيخ الصورة الذهنية للدول الشيعية الطائفية التي تأسست على هامش المذهب والتاريخ، دون دعم حوزوي رسميّ عند قيامها.
2- لا دولة دون فلسفة: أدرك الخمينيّ ومؤسَّسو الدولة الإيرانيَّة الراهنة أنّه لا دولة دون فلسفة، لأنها هي التي تُنتج الهُوِيَّة وترسِّخها، وتفعِّل أدواتها في المجتمع، وتطبع بها الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فلكلّ دولة فلسفة خاصَّة بها، ومن ثمّ تسعى لهيمنة فلسفتها على المحيط الثقافي الآخر، وعلى المشهد الهوياتي بأكمله.
ففي أول عهد الصفويين كان شعار الشاه إسماعيل الأول في أول معركة خاضها «الله، عليّ وليّ الله»، في إعلان عن هُوِيَّة دولته الجديدة، وفقًا لــــكتاب «الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي»، ثمّ بدأت مرحلة التمازج الصوفيّ الفلسفيّ الذي حدث في عهد الصفويين. وكان الصفويون يديرون الصراع الديني والمشهد الفلسفي وَفْق الحاجة، فتارة يوظِّفون الصوفية وتارة يقمعونهم، وتارة يقرِّبون الفقهاء وأخرى يبعدونهم.
3- رسم هُوِيَّة للدولة: إذ تؤدِّي الفلسفة وظيفتين مهمتين في هذا الصدد: الأولى رسم هوية الدولة، والثانية تأسيس العقلية السياسية لرجال الدين، بحيث تتشكل عقولهم بما يُمكّنهم من مجاراة العمل السياسي وإدراك خرائط الصراعات، ومساحات المناورة، ومن المعروف أنّ رجال الدين غالبًا أبعد ما يكونون عن إدراك الواقع السياسي، وهو ما انتفى في الحالة الإيرانيَّة جَرَّاء تكريس الدرس الفلسفي الذي أنتج رجال دولةٍ قادرين على المراوغة في ظلّ نظامٍ دوليّ مُعقَّد ومتشابك، إذ مثلت البراغماتية استراتيجية دائمة للنظام الإيرانيّ، وهي طبيعة قد تكون متناقضة مع الحالة الفقهية المحضة، بيد أن الفلسفة كانت وراءها. أما المهمَّة الأولى، وهي رسم هوية الدولة، فهي المهمَّة الرئيسية للفلسفة، فمن دونها لا قدرة لرجل الدين والسياسي على شحذ همم الناس، وحشدهم حول مشروعاته ورؤيته وطروحاته. فالهوية تُبنَى على الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس، ونرى أنّ كل هذه العوامل مفعَّلة ومتوافرة في الحالة الإيرانيَّة، وينتج عن ذلك كله خلق عدوّ وهميّ وحشد الناس تجاهه، وهو أيضًا متوافر في الحالة الإيرانيَّة.

♦ مستقبل الدرس الفلسفي:
بجانب التيَّار الممانع للدرس الفلسفي بكليته، يتجاذب الدرس الفلسفي في إيران تيَّاران رئيسيان: التيَّار الأول هو التيَّار التقليدي، أو خط الإمام، وهو متمسك بالدرس الفلسفي القديم، المختلط بعلم الكلام والعرفان، أو الفلسفة الإسلامية كما تُسَمَّى، التي يمثِّلها فلاسفة الدولة الإسماعيلية الفارسيَّة، ومدرسة أصفهان القديمة، ومدرسة الحكمة المتعالية، ولا يُمكن تجاهل النزعة التي أدخلها الخمينيّ ورفاقه على هذه المدرسة. ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه جواد الآملي، ومصباح يزدي، والسبحاني
أما التيَّار الثاني هو التيَّار الحداثي أو التغريبي أو الإصلاحي، وهو الذي يعتني بالفلسفة الحديثة والمعاصرة، علاوة على هضمه للفلسفة الإسلامية الذي يتناولها بالنقد والتفنيد. وأبرز ممثلي هذا الاتجاه سروش والشبستري وحجاريان وغيرهم.
ويُمكن القول إنّ التيَّار التقليدي يفرض هيمنته عبر السُّلْطة وأدواتها، إذ يفرض فلسفته في الحوزة، أو على الأقلّ في جناح كبير وعريض من الحوزة، ويُفعِّلها في مؤسَّسات الدولة التعليمية والثقافية، في حين أن التيَّار الحداثي لا سلطة لديه ولا نفوذ يؤهله لفرض رؤيته عن طريق الدولة والمؤسَّسات، وغاية ما في يده الدرس الفلسفي والمنافذ الإعلامية التقليدية والحديثة كالكتب والنشرات والحلقات الفلسفية والسوشيال ميديا، مِمَّا يعطي ديمومة على المديين القريب والمتوسط للتيَّار التقليدي الذي يمسك بزمام الحوزة والدولة، غير أنّ التيَّار الحداثي يُعتبر مصدر إلهام لجناح كبير من المعارضة الإيرانيَّة، وهذا -مع ما فيه من زخم- يُسبِّب ديمومة التوتُّر بين الدولة وهذا التيَّار، ويؤدِّي في الوقت نفسه إلى ثراء علمي وفلسفي عبر مواجهة هذا التيَّار فكريًّا في قنوات الحوزة، ومؤسَّسات الدولة التعليمية.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير