إبراهيم رئيسي.. مستقبلٌ غامضٌ للسياسة الخارجية الإيرانية

https://rasanah-iiis.org/?p=25860

مقدمة

يتولى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي منصبه رئيسًا لإيران، مبتدئًا فترة ولايته الأولى وسط أزمات وتحديات داخلية وخارجية تُعَدّ الأصعب منذ الثورة الإيرانية في عام 1979م، إذ يواجه الرئيس الإيراني الجديد تركة ثقيلة من الأزمات المتناثرة، الاقتصادية والدبلوماسية، والمشكلات الاجتماعية التي أورثها النظام. وتأمل دول المنطقة، ودول الخليج على وجه الخصوص، أن يفتح الرئيس الإيراني الجديد فصلًا جديدًا من العلاقات الإقليميَّة القائمة على التعاون وبناء جسور الثقة، للحفاظ على الاستقرار والأمن والمصالح الاقتصادية لهذه المنطقة الحيوية. ومع ذلك، فإنَّ التفاؤل ليس هو سيد الموقف، كون أغلب المؤشِّرات تشير إلى أنَّ بوصلة إيران القادمة ستتّجه نحو مزيد من «التشدّد» والتصعيد على كل الأصعدة، ليس في الداخل فقط وإنما أيضًا باتجاه الإقليم والعالم. فرئيسي يلتزم موقف المرشد كليًّا، ومعروف عنه قربه من «الحرس الثوري»، وله ماضٍ قاتم في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، إذ يُعَدّ أحد أعضاء «لجنة الموت» التي أشرفت على تصفية وقتل عشرات آلاف الإيرانيين المعارضين لنظام الملالي بإشراف مباشر من المرشد الأعلى علي خامنئي. وبالتالي فوصول رئيسي إلى السلطة لم يكُن مستهجنًا من خارج إيران وحسب، ولكن أيضًا أحدث صدمة بين النخب الإيرانية. يضاف إلى ذلك أنَّ رئيسي لم يكن الوحيد من الجناح الثوري الذي وصل إلى السلطة، إذ تبِعَ انتخابَهُ ترشيحَ مسؤولين في الحكومة من المتمسكين بخط الثورة، الذين كان أغلبهم ضباطًا بــِ «الحرس الثوري» أو تربطهم علاقات قوية معه.

هذه الدراسة ستسلّط الضوء على أربعة محاور أساسية، أولًا: دلالات وصول المنتهجين لقيَم الثورة إلى السلطة في إيران بدرجة غير مسبوقة. وثانيًا: حالة التشاؤم التي تحيط بالعودة إلى إحياء الاتفاق النووي مع إيران. وثالثًا: تصاعد التوتر وتبادل الهجمات بين إيران وإسرائيل بما يصعّدُ الاضطراب في المنطقة. ورابعًا: صعوبة التوصل إلى تفاهماتٍ سياسية ومصالحة شاملة مع السعودية رغم التصريحات من الجانبين.

والفكرة الأساسية التي ستُناقشها هذه الدراسة تتمثَّلُ في أنَّ كل الدلائل منذ وصول رئيسي إلى رأس الحكومة لا تشجّع على التفاؤل بأنه خلال السنوات القادمة سنرى تراجعًا لإيران عن سياساتها الطائفية ومشاريعها الإقليميَّة في الحرب بالوكالة، أو تفاوضًا بنّاءً حول مِلفها النووي وبرنامجها الصاروخي مع المجتمع الدولي، أو تهدئة في قرصنتها البحرية أو هجماتها السيبرانية أو ضرباتها الصاروخية أو من خلال الطائرات المسيّرة. وهذا يعني أنه ما لم تخرج هبّة شعبية من الداخل الإيراني المأزوم تقوّض بنية النظام نفسه، أو خيارات إستراتيجية فاعلة يقرّها المجتمع الدولي ضد غطرسة النظام وانتهاكه للشرعية الدولية تجعله يُعيد حساباته الإستراتيجية ويوقف سياساته العدوانية ويختار لغة الحوار والشراكة، فإنَّ إيران ستستمرّ بفرض نفسها معضلةً إستراتيجيةً أمام أيّ نوع من الاستقرار والتعايش في الشرق الأوسط.

أوّلًا: دلالات هيمنة «خط الثورة» على السلطة

البداية المقلقة التي تشكل مؤشّرًا رئيسيًّا على زيادة التعنت الإيراني في السنوات القادمة، تكمُن في نجاح المرشد الأعلى علي خامنئي في تحويل كلّ مفاصل الحكم بيد «المتشدِّدين» وعناصر «الحرس الثوري» السابقين المنتهجين لمنطلقات الثورة الإيرانية، والمتبنّين لمواقف المرشد الأعلى. أصبح من الماضي اليوم الحديث عن معادلة جناح «الإصلاحيين» أمام جناح «المحافظين». سبق لرئيسي أن أعلن أن حكومته تقوم على مبادئ «الثورة الإسلامية» ونهج مؤسِّسها روح الله الخميني، وهذا يؤكّد بوضوح أن رئيسي سيكون منقادًا ومطيعًا للمرشد، ولن يخرج من عباءته كما كان يحاول بعض رؤساء الحكومات السابقة، وأن رئيسي أتى ليعيد ضبط ساعة المجتمع وقيمه من منظور ثوريّ.

نشاهد اليوم تحولًا للنظام الإيراني بمجالسه وحكومته التنفيذية إلى لون واحد ورؤية واحدة لتنفيذ ما يقرّه المرشد الأعلى، وما تشير به دائرة صنع القرار القريبة منه، بما يعني أننا باتجاه رسم ملامح لمرحلة عصيبة على المستوى الإقليمي. يؤكد هذا ما قاله رئيسي عند أدائه اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى: «سنكون إلى جانب المظلومين في فلسطين وسوريا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا، وسنكون صوت المستضعفين، وسنلتزم مبادئ الثورة الإسلامية»(1). وكأنه يؤكد للجميع أنه أتى من أجل استعادة روح وزخم الثورة، وتنفيذ خطابها الثوري والتزام مبادئها الراسخة، وقيمها الأيديولوجية.

والأبعد من ذلك أن الملابسات الانتخابية التي أزاحت غيره من المرشّحين وأوصلته إلى رئاسة الحكومة تعطي دلائل قوية على أنه جاء في إطار الإعداد لعملية أكثر حساسية، تتعلق بتأمين عملية انتقالٍ آمن إلى منصب المرشد الأعلى في مرحلة ما بعد خامنئي، تضمن استمرارية ولاية الفقيه مرجعيةً للحكم في إيران. بدا واضحًا أنه هو المرشح الأقوى ليكون المرشد الأعلى حتى ولو لم يصل إلى مرتبة «آية الله». يشفع ويمهّد له أن المرشد الحالي علي خامنئي خلف آية الله الخميني ولم يكن في مرتبة علمية وحوزوية تؤهله لشغل موقع «الولي الفقيه»، الذي يُشترط فيه أن يكون في مرتبة «آية الله»، وإنما كان في مرتبة أقل وهي «حجة الإسلام» حسب الألقاب الشيعية المستخدمة للتمييز بين الرتب العلمية لرجال الدين. بالتالي، فمن المرجح أن يُتوافَق عليه من قِبل لوبيات المصالح من النخب السياسية والدينية والعسكرية كما حصل مع خامنئي نفسه، خصوصًا أن رئيسي يتمتع منذ اللحظة الأولى بتأييدٍ كامل من المرشد ومن السلطات والمؤسسات كافة، وكذلك من الإعلام، ودافع عنه المرشد خلال مراسم تنصيبه قائلًا: «إن إبراهيم رئيسي يتمتع بالتأييد الشعبي والخبرة الطويلة».

يشار إلى أنه، ومِن أجل التمهيد لإطباق «البُعد الثوري» على كل مفاصل الحكم، سبق أن فاز في مايو 2020م القيادي «المحافظ» والضابط السابق في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف برئاسة البرلمان الإيراني الجديد، خلفًا لعلي لاريجاني الذي كان مؤيدًا للرئيس السابق حسن روحاني والمفاوضات النووية مع الغرب، على النقيض من خلفه قاليباف الذي كان من المنتقدين الأشداء لأداء حكومة الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، والذي وصف المفاوضات مع الولايات المتحدة بأنها «خبيثة ولا معنى لها، وأنه يجب استكمال سلسلة الانتقام لمقتل قاسم سليماني، وزيادة قوة محور المقاومة»(2). وكان قاليباف قد لعب دورًا في جعل البرلمان يبلور سياسة متطرفة بشأن الإجراءات النووية.

لم يقتصر وصول التوجه الثوري إلى أغلب مؤسسات الدولة على التمهيد لرئيسي لرئاسة الحكومة، أو قبل ذلك قاليباف لرئاسة البرلمان، بل شمل القضاء أيضًا. فقد أصدر المرشد الإيراني علي خامنئي قرارًا بتعيين القاضي ورجل الاستخبارات غلام حسين محسني إجئي على رأس السلطة القضائية خلفًا لإبراهيم رئيسي، وهو ما أثار مخاوف مراقبي حقوق الإنسان من تفاقم وضع حقوق الإنسان في إيران خلال الفترة القادمة، كونه من أبرز المسؤولين الإيرانيين المتهمين بالضلوع في قمع أصحاب الفكر والرأي وملاحقة الناشطين السياسيين خلال توليه مناصب قضائية مختلفة، وكذلك عندما شغل منصب وزير الأمن في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.

كما عيّن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي السياسي محمد مخبر دزفولي، القيادي السابق في «الحرس الثوري» ورئيس «لجنة تنفيذ أمر الإمام الخميني»، في منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وهو المدرَج في القائمة السوداء من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع العام الجاري.

أيضًا، منَح البرلمان الإيراني 18 وزيرًا مرشحًا في الحكومة الجديدة الثقة، برئاسة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، من أصل 19 مرشحًا في قائمة طغت عليها أسماء محسوبة على تيار «المحافظين». واعتمد رئيسي في معظم تشكيلته على شخصيات محسوبة على التيار «المحافظ»، عوضًا عن أن بعضهم عمل في حكومة الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد. ويُلاحَظ في هذه القائمة عدم وجود أيّ امرأة على قائمة رئيسي المؤلَّفة من 19 مرشحًا مقترحًا لمجلس الوزراء، مما يزيد المخاوف من أنه سيسعى إلى تجريد النساء في إيران من حقوقهنّ، فيما لم تضمّ التشكيلة الحكومية الجديدة أيّ مرشح من أهل السنّة، ما يشير إلى أن السلطات الحالية تعمل على تعميق الهوّة بين أبناء الوطن الواحد وتمارس تمييزًا واضحًا.

تضمنت قائمة الوزراء المرشحين لحكومة الرئيس إبراهيم رئيسي اسمًا متهمًا بالإرهاب وآخَر بالفساد وآخرين وردت أسماؤهم في قضايا مشبوهة كانوا قد تقلَّدوا مناصب بارزة في «الحرس الثوري» وفي حكومات سابقة. وكانت «حصة الأسد» لقوات «الحرس الثوري»، إذ ضمّت القائمة الدبلوماسي السابق أمير عبد اللهيان، المحسوب على «فيلق القدس»(3)، لحقيبة الخارجية. يمتلك عبد اللهيان علاقات جيّدة بوكلاء إيران الإقليميين في ما يسمى بـ«محور المقاومة»، على رأسها ميليشيات العراق و«حزب الله» اللبناني، ويتسم بالتماهي مع توجُّهات المرشد الأعلى. وأدى عبد اللهيان مهامَّ دبلوماسية مرتبطة بالجوار الإيراني. وكان عضوًا أساسيًّا في الوفد الذي أجرى مباحثات مع مسؤولين أمريكيين في بغداد في عام 2007م، تتعلق بالوضع الأمني في العراق بعد الغزو الأمريكي. وسبق أن شغل منصب سفير إيران لدى البحرين بين عامَي 2007م و2010م(4)، بما يعني أنه من المطّلعين على شؤون منطقة الخليج. هذه السيرة لوزير الخارجية تجعلنا نخرج باستنتاج أن السياسة الخارجية في عهده قد لا تشهد ذلك الانفتاح الحقيقي على الآخَر الذي تنتظره دول المنطقة.

كذلك جرى قبول ترشيح أحمد وحيدي لحقيبة الداخلية، وهو الجنرال السابق بــ«الحرس الثوري»، وهي الوزارة السيادية الثانية التي يتولاها بعدما تولى وزارة الدفاع في حكومة محمود أحمدي نجاد الثانية (2009م-2013م). وهو أحد المسؤولين الإيرانيين المطلوبين للإنتربول لاتهامه بالتورط في حادثة تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس. وباختيار أحمد وحيدي لمنصب وزير الداخلية يكون «الحرس الثوري» قد سيطر على واحدة من أهم الوزارات السيادية، التي سيتمكن خلالها من إحكام سيطرته وإشرافه على مؤسسات قوى الأمن الداخلي المنوط بها الإشراف على عمليات استتباب الأمن وفرض إرادة النظام على الشارع الإيراني. وبناءً على طبيعة التوجهات «المتشدِّدة» التي يتبنّاها الرئيس رئيسي، يُتوقع أن تفرض وزارة الداخلية خلال الفترة القادمة إجراءات صارمة في التعامل مع الحركات الاحتجاجية التي تشهدها إيران من حينٍ إلى آخر.

أمّا وزارة الدفاع فكانت من نصيب العميد محمد رضا آشتياني، وهو مُدرَج من قِبل واشنطن في قائمة العقوبات في يناير 2020م. وشغل آشتياني منصب نائب رئيس أركان القوات المسلحة منذ 2019م حتى الآن. اشتمل البرنامج الوزاري الذي قدّمه وزير الدفاع الإيراني للحكومة المقبلة للبرلمان الإيراني على جملة من النقاط والمحاور الأساسية، ضمن برنامجه الوزاري القادم. وقد تمحورت عناصر خطته القادمة على الموضوعات الداخلية والخارجية، والمشروعات المستقبلية المعزّزة لسياسات إيران خلال المرحلة القادمة، وتضمّنت أبرز الركائز الأساسية والمبادئ السياسية للنظام الإيراني في مواصلة الدعم للجماعات الإرهابية في دول العالم والمنطقة، بمختلِف الجوانب العسكرية والسياسية، وشرعنة التدخلات الإيرانية في الدول التي توجد بها. على الجانب الآخر، أكدت الخطة التمسك بموضوع تطوير البرنامج الصاروخي والباليستي بوصفها أبرز عناصر الردع الإيراني، وإكمال البرامج المتعلقة بتطويرها، إضافة إلى التركيز على تعزيز القدرات التسليحية للقوات البحرية في ظلّ تأجُّج الصراعات الدائرة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز(5).

كذلك جرى قبول ترشيح إسماعيل خطيب لحقيبة الأمن والاستخبارات، وقد كان مديرًا عامًّا لمكتب استخبارات قُم منذ عام 1991م ولمدة 12 عامًا متتالية، ثُمّ بعد ذلك تولى منصب رئيس إدارة حماية المعلومات في السلطة القضائية لمدة سبع سنوات. وبعد إقالته من منصبه في عهد محمود أحمدي نجاد، انتُخب إسماعيل خطيب رئيسًا لمكتب المرشد علي خامنئي في قُم، بما يعني أنه مقرّب من المرشد الأعلى الذي وافق على ترشيحه. وكان إسماعيل خطيب قد قال في دفاعه عن برامجه: «لقد سخّر (جنود إمام الزمان المجهولون) كل جهودهم لاستتباب الأمن في هذا البلد، وضحَّوا بأنفسهم في مواجهة الأعداء والمؤامرات والفتن وعملاء جبهة الاستكبار والمجموعات المسلحة والعملاء الجواسيس، لذلك علينا استذكارهم وتخليدهم»(6).

هذه الانتقائية للعناصر «المتشدِّدة» للتمثيل الجديد للحكومة، تعني أن النظام يشعر بتآكل شعبيته ويريد أن يفعل كل ما يلزم لتماسكه وإبقاء سلطاته والحفاظ على خط الثورة. هذا النهج الذي يعود إلى الماضي ولا يتجه نحو المستقبل، لا يتوافق مع تطلعات المجتمع الإيراني، وأغلبه من جيل الشباب الذين طرأت عليهم تغيُّرات جوهرية وبدؤوا يتطلعون إلى التحديث والتغيير، ويرغبون في انتزاع البلاد من حالة التدهور الكبيرة التي تشهدها، ويلبُّون حاجتها المتزايدة إلى مزيد من الموارد والسيولة المادية من أجل معالجة المشكلات الحياتية والأساسية، التي لا يمكن مساومة الناس عليها أو قمعها بأيّ صورة.

ثانيًا: النظام الإيراني وملامحُ إرادةٍ سياسية لامتلاك أسلحة نووية

المؤشِّر الثاني والأهم في أن سلوك النظام الإيراني سيطغى عليه طابع التشدّد والتصعيد، هو القلق الدولي من أن المفاوضات النووية لا تسير نحو نهايات سعيدة، بل نحو التعثّر وإضاعة الوقت واستمرار جهود طهران للوصول إلى مستويات عالية من التخصيب تسمح لها بإنتاج القنبلة النووية. إنّ تحقيق إيران لمكانة نووية سيكون شهادة اعتماد مهمّة وضخمة في يد النظام الإيراني، وسيساعدهم في إحكام قبضتهم على السلطة ووقف حظوظ أولئك الذين يحاولون «لبرلة» المجتمع والاقتصاد الإيراني. إنّ امتلاك البلاد لقدرة السلاح النووي سوف يساعدها في تحقيق طموحات القيادة في جعل إيران القوة الضاربة الأبرز في العالم الإسلامي، تحقيقًا لطموحها في التحول إلى «قوة إقليمية مهيمنة».

يبدو أن قادة إيران يؤمنون بأن امتلاك القدرة النووية سوف يسهم في منع أيّ معارضة أمريكية مؤثّرة لأجندة إيران المحلية والخارجية. من وجهة نظر الإيرانيين، الولايات المتحدة حينها لن ترغب في مواجهة إيران المسلحة نوويًّا، حالها كحال كوريا الشمالية المسلحة نوويًّا التي تبدو الولايات المتحدة غير مستعدة لمواجهتها. وفي ما يتعلق بالقضية النووية على وجه التحديد فإنَّ النظام قد تمكّن بمهارة من حشد التأييد والدعم المحلي الإيراني لبرنامج طاقة نووية مدني باهظ التكلفة، ليكون رمزًا للفخر الوطني ورمزًا للتقدم العسكري.

وعلى الرغم من تصريح الرئيس إبراهيم رئيسي في 05 أغسطس 2021م بأنه «يجب رفع العقوبات عن إيران، وسندعم أيّ مبادرة دبلوماسية تساعد على تحقيق هذا الهدف»(7)، فإنَّ الأدلة على عملها في تصميم الرؤوس النووية، التي جرى الكشف عنها في الأرشيف النووي الذي أخرجته إسرائيل من طهران، والذي اعترف به روحاني، تؤكد اهتمامها وعزمها على إنتاج أسلحة نووية.

إنّ إصرار إيران على أنها لا تنوي تطوير أسلحة نووية أمر لا يمكن تصديقه، فإذا كانت بالفعل لا تنوي ذلك لكان بإمكان النظام اتّباع بدائل أقل تكلفة بكثير لبناء قدرات التخصيب الخاصة بها. كان إنشاء صناعة نووية مدنية لتوليد الكهرباء باستخدام الوقود المجهز من خارج البلاد دائمًا أحد الخيارات، وهو الخيار الذي رفضته إيران مرارًا وتكرارًا.

لقد استبقت إيران كل الجهود الدولية لمنعها من تطوير قدراتها النووية، ولم يعُد من السهل أن تتخلى عما طورته خلال فترة انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي لمدة ثلاث سنوات، لم تعُد إيران ملزمة فيها تطبيق بنود الاتفاق السابق. وهذا ما جعل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يُعرِب عن قلقه بقوله: «نحن إزاء دولة لديها برنامج نووي متطور جدًّا وطموح، تخصِّب اليورانيوم بمستويات عالية جدًّا، قريبة جدًّا من المستوى المطلوب لصنع أسلحة نووية»(8).

تلا الانسحابَ الأمريكي من الاتفاق إعلانُ الحكومة الإيرانية خفض التزاماتها بخصوص الاتفاق النووي، ومن ذلك تجاوز نسبة تخصيب اليورانيوم 3.67%، وهي سقف التخصيب الأعلى الذي حدده الاتفاق، وتجاوز المخزون من اليورانيوم 300 كيلوجرام، وجرى تطوير وحدات طرد مركزي متطورة عن الوحدات السابقة، خصوصًا في منشأة «نطنز» النووية التي وقع فيها الانفجار. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنه «في 14 أغسطس 2021م تحققت الوكالة من أن إيران استخدمت 257 غِرامًا من اليورانيوم 235 المخصب حتى 20% في شكل رابع فلوريد اليورانيوم، من أجل إنتاج 200 غِرام من معدن اليورانيوم 235 المخصب حتى 20%»(9). ذهبت الحكومة الإيرانية، وبالتحديد في منتصف يونيو السابق، إلى أبعد من ذلك عندما قالت إنها أنتجت 6.5 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء 60%(10)، بمعنى أن إيران أصبح لديها المعرفة والمادة الرئيسية اللازمة لصناعة قنبلة نووية، ولم يعُد من الصعب عليها رفع التخصيب إلى مستوى يصل حتى 90%، وهي النسبة المطلوبة لصناعة القنبلة النووية.

وحتى 16 فبراير 2021م، بلغ إجمالي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وَفقًا للتقرير الفصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي نُشر في نهاية فبراير الماضي، ما يقرب من 3 أطنان، ارتفاعًا من 2.4 طن في نوفمبر، في حين أن الاتفاق النووي الموقَّع في 2015م وضع حدًّا قدره 202.8 كيلوجرام(11). ومع مرور 6 أشهر على هذا التقرير، فإنَّ إيران قد تكون اقتربت من 4 أطنان من اليورانيوم المخصب، وهو الحجم المطلوب لإنتاج قنبلة نووية. هذا ما يجعل بعض التقارير الأمريكية تقول إنّ إيران ليس أمامها إلا أقل من سنة لإنتاج أول قنبلة نووية، لو استمرت بهذه الوتيرة من التسارع في تطوير وحدات الطرد المركزي والتخصيب. ورغم أن إعلانات إيران المتكررة خلال الأشهر الأخيرة بتقدّمها السريع في برنامجها النووي قد لا تكون إلا مجرد ادعاءات لمحاولة زيادة الضغط على إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والفوز بتخفيف العقوبات مقابل الحدّ من أنشطتها النووية، فإنَّ مِن الخبراء مَن يقول إنّ أرقام طهران الحقيقية في مجال تخصيب اليورانيوم قد تكون أكثر من المعلَنة.

ليس من المستبعَد أن تسعى إيران إلى تحقيق طفرة في ما يتعلق بامتلاك السلاح النووي، لا سيّما أن الوكالة أصبحت مقيَّدة في الرقابة والتفتيش على برنامج إيران النووي منذ 24 يونيو 2021م، ولم تطلع على التسجيلات الخاصة بالمنشآت النووية منذ فبراير 2021م. خلال هذه المرحلة قيّدت إيران وصول المفتّشين إلى موقع «نطنز» النووي في الأول من يوليو 2021م، وبدأت في إنتاج اليورانيوم المعدني بنسبة تفوق 20%، وتستخدم مزيدًا من أجهزة الطرد المتطورة. وشرع البرلمان في تشديد الإجراءات الخاصة بتطبيق قانون «خطة العمل الإستراتيجية لرفع العقوبات وحماية مصالح الأمّة الإيرانية»، الذي أُقِرّ نهاية عام 2020م، والذي يقضي بتسريع تخصيب اليورانيوم وتقييد عمليات التفتيش التي تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية(12).

من جانبها، انتهجت الولايات المتحدة سياسة تصاعدية خلال مفاوضات فيينا، إذ لم تطرح مطالبها وشروطها دفعة واحدة، حتى لا تغلق أبواب المفاوضات مبكرًا، لكن مع الوصول إلى الجولة السادسة اتضحت الرؤية الأمريكية بصورة كاملة. وكشفت إيران في 02 أغسطس 2021م عن جملة الشروط التي طرحها الأمريكيون على طاولة المفاوضات، وأهمّها: ربط التوصل إلى اتفاق نووي بإدراج بند يوجِب مناقشة مستقبلية لمسألة تدخلات إيران وأنشطتها خارج حدودها، كتدخلاتها في سوريا ولبنان واليمن، ومناقشة موضوع الصواريخ الباليستية، والإبقاء على حظر السلاح عن إيران، وإدخال تعديلات على نصّ الاتفاق النووي. هذا في جوهره يعني الذهاب إلى اتفاق جديد، وهو ما ترفضه إيران تمامًا.

بالتوازي مع ذلك، احتفظت الولايات المتحدة بسلطة العقوبات التي تركها ترامب، بل أضافت إليها عقوبات جديدة، ولجأت إلى توجيه رسالة مهمّة إلى إيران باللجوء إلى الردع العسكري في مواجهة هجمات الميليشيات الإيرانية في العراق وسوريا على القوات الأمريكية، وتخطو بجدية نحو إعادة بناء إجماع عبر الأطلسي يضم بعض دول المنطقة ضد إيران، كما ظهر في حادثة استهداف السفينة الإسرائيلية «ميرسر ستريت» في خليج عمان، حين قال وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن في تصريحاته: «إنّ هذا الهجوم يُظهِر أنّ إيران تواصل التصرف بشكل غير مسؤول عندما يتعلق الأمر بتهديدات كهذه للملاحة والتجارة والبحّارة الأبرياء الذين هم جزء من رحلات تجارية في المياه الدولية». وحسب قوله فإنَّ إيران هي المسؤولة عن الحادث وإنّ الردّ سيكون جماعيًّا(13).

بالتالي، يوجد مزيد من عدم اليقين حول توصل إيران والدول الغربية إلى اتفاق بشأن «الاتفاق النووي» بعد وصول إبراهيم رئيسي إلى رئاسة الجمهورية، لأن إيران قد تخطت الخط الأحمر في الوصول إلى السلاح النووي، ولن تسمح بوقف كل الأنشطة الجدية والقدرات التي طورتها بعد وقف الاتفاق النووي، وكذلك لن توافق الولايات المتحدة على رفع كل العقوبات التي تشترطها إيران فورًا، وبالتالي لم تعُد تهتم بأي اتفاقات جارية. ومع ذلك سيظل هذا الاتفاق مطروحًا على الطاولة، تتعامل معه إيران بسياسة النفَس الطويل والتفاوض على الطريقة الإيرانية باللعب على عامل الوقت، ويمكن أن تفاجئ العالم بإنتاج أول قنبلة نووية. ولو حصل اتفاق في نهاية المطاف فسيكون اتفاقًا هزيلًا يكون فيه الرئيس الأمريكي قد أوفى بوعوده الانتخابية، إلا أنه لن يكون ضامنًا في الحد من الطموح الإيراني باستمرار الوصول إلى السلاح النووي، ولا قادرًا على الحد من تطوير إيران لبرنامجها الصاروخي، ولا وقف مشاريعها الإقليميَّة التوسعية.

كان واضحًا التعنت الإيراني في عدم العودة لإحياء الاتفاق النووي، وأن إيران لن تذهب بعيدًا في المفاوضات النووية، أو ستضع شروطًا لن يقبلها المجتمع الدولي. ومن خلال تحليل التصريحات السياسية للقيادات الإيرانية خلال الفترة الأخيرة، نلاحظ أن الرئيس الإيراني الجديد دافع عما يسميه «اقتصاد المقاومة»، وجعل الاقتصاد مقاومًا ضد الصدمات، وهو مفهوم قائم على أن البلاد ليست بحاجة إلى التجارة مع العالم والانفتاح الخارجي. وهذا يلتقي مع ما قاله المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي خلال لقائه في طهران الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني وأعضاء الحكومة، من أن تجربة الحكومة السابقة التي بادرت بالانفتاح على الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، تؤكد أن «الثقة بالغرب لا تنفع»، مبديًا عدم تفاؤله بإمكانية إحيائه في ظل الشروط الأمريكية المتعلقة ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية. كما أن المرشد وجّه نقدًا شديدًا إلى سياسة روحاني التفاوضية، وتعويل حكومته على الغرب، مؤكدًا أنّ أيّ مفاوضات مع واشنطن مستحيلة حاليًّا(14).

هذا المشهد الإيراني لم يأتِ صُدفة، بل كان مخطَّطًا له بعناية من جهة المرشد، وما دامت سياسة إيران بصفة عامّة أصبحت رهينة في يد تركيبة السلطة الحاليّة بتوجّهاتها التقليدية وخلفياتها الأيديولوجية، فليس من المتوقع أن يكون «تشدّد» إيران بشأن العودة إلى المفاوضات وَفق شروط محددة مسألة شكلية، فالمسألة تتأرجح بين ممارسة جادّة لسياسة «حافّة الهاوية» من أجل إحياء الاتفاق النووي والاستفادة من المكاسب الإستراتيجية له، مع عدم تقديم تنازلات جوهرية وَفق ما تشترط الولايات المتحدة، لا سيّما في ما يتعلق بالبرنامج الصاروخي أو النفوذ الإقليمي.

إنّ إيران عمليًّا قد هيأت نظامها السياسي من أجل حقبة جديدة من المواجهة والمقاومة، تساعدها في ذلك إستراتيجية أمريكية لا تعطي أولوية للمنطقة وتنسحب منها تدريجيًّا، والخوف أن يغري ذلك إيران بالمُضيّ قُدُمًا في برنامج نووي سرّي وتخطّي العتبة النووية كضمانة لبقاء النظام.

ثالثًا: توسُّع «حرب الظلّ» بين إسرائيل وإيران

المؤشِّر الثالث في الحكم المبدئي على الفترة الزمنية القادمة لإيران بأنها قاتمة، هو زيادة وتيرة ما يسمى «حرب الظل» بين إيران وإسرائيل. ومؤشّر «حرب الظل» ينبع من منطق الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران، كحرب تظهر على كل الجبهات، في البحر والجوّ والفضاء السيبراني وفي بعض الأحيان على الأرض. فقد استهدفت إسرائيل الناقلات التي تهرّب النفط من إيران إلى سوريا، في صفقات يعود جزء من أرباحها إلى «حزب الله». وهذه الهجمات في البحر ليست إلا جزءًا من عملٍ إسرائيليّ أوسع بكثير، فقد تضمّنت خلال العقد الأخير مئات الهجمات على أهداف لإيران والتنظيمات المرتبطة بها مثل «حزب الله» والميليشيات الشيعية الأخرى.

يُعتقد على نطاقٍ واسع أن إسرائيل كانت وراء اغتيال خمسة علماء نوويين إيرانيين منذ عام 2010م، وأنها نفذّت عددًا من الهجمات على مواقع نووية داخل الأراضي الإيرانية. واتهمت إيران كلًّا من إسرائيل والولايات المتحدة بالمسؤولية عن اغتيال العالِم محسن فخري زاده في كمين نُصِب له على أطراف العاصمة الإيرانية طهران في أكتوبر من العام الماضي. وفي حادثة أخرى وقعت في أبريل من هذا العام وجّهت إيران أصابع الاتهام إلى إسرائيل في التفجير الذي وقع في منشأة «نطنز» النووية، أكبر منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران، والذي قالت إنه أحدث أضرارًا جسيمة في أجهزة الطرد المركزي. إسرائيل مقتنعة بأنّ إيران تعمل على صيغة عسكرية لبرنامجها النووي تُمكِّن إيران في النهاية من صُنع قنبلة نووية، وترى إسرائيل أن هذا يشكل تهديدًا وجوديًّا لها.

ومنذ إعلان فوز إبراهيم رئيسي بالانتخابات والتصاعد بين إيران وإسرائيل يتسيَّد المشهد، إذ وقع هجوم على ناقلة نفط تابعة لشركة إسرائيلية قبالة سواحل عُمان في نهاية شهر يوليو 2021م، ووجّهت إسرائيل أصابع الاتهام إلى إيران. وأثار ذلك الحادث أيضًا تحذيرات من احتمالية انخراط المملكة المتحدة، التي فقدت أحد أفراد طاقمها في الهجوم، في العمليات الانتقامية، وربما انضمام الولايات المتحدة التي أسست قوة بحرية مع شركائها عام 2019م للمساعدة في حماية الممرات البحرية في الشرق الأوسط.

وبعد حادثة السفينة بأسبوع، عقد مسؤولون في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية ومكتب وزير الدفاع جلسات نقاش مع مسؤولين كبار في إدارة بايدن حول هذا الهجوم. وفي الوقت نفسه طلبت وزارة الخارجية الإسرائيلية من جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن إدانة الحدث، وأوضحت لهم أن إسرائيل ترى الهجوم خطيرًا جدًّا، وأن إيران هي التي تقف خلفه، وأن هذا يُعَدّ مسًّا خطيرًا بأمن الملاحة الدولية.

يُضاف إلى ذلك تحريك الجبهة اللبنانية في اليوم التالي عَقِب تسلُّم رئيسي منصبَه رئيسًا للحكومة، إذ تبادل «حزب الله» والجيش الإسرائيلي قصفًا حدوديًّا جنوبي لبنان. وهذه هي المرة الأولى، منذ التصعيد العسكري الذي وقع بين الطرفين في عام 2019م، التي يُعلِن فيها «حزب الله» استهداف مواقع إسرائيلية، وهي كذلك المرة الأولى منذ عام 2014م التي تشهد غارات جوية إسرائيلية على جنوب لبنان.

دفع التوتر المتسارع بين إيران وإسرائيل وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في كلمته أمام الكنيست إلى القول إنه لا يستبعد أن توجِّه إسرائيل ضربة عسكرية إلى إيران حتى ولو بشكل منفرد، وحذّر غانتس من وجود «مئات الطائرات دون طيار الإيرانية في إيران واليمن والعراق ودول أخرى العام الماضي. كان هناك ما لا يقلّ عن خمس هجمات إيرانية على سفن دولية، بعضها باستخدام طائرات دون طيار تصنعها إيران»(15).

سبق أن ادّعى وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في بداية شهر أغسطس في أثناء اجتماعه بسفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن أن إيران على بُعد عشرة أسابيع فقط من الوصول إلى مادة انشطارية تسمح لها بتطوير قنبلة نووية. وحذّر كل من غانتس ووزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد الولايات المتحدة من أن إيران تقترب من العتبة النووية(16).

أمام هذا التصعيد بين إيران وإسرائيل، زار مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، إسرائيل. وكما تقول بعض المصادر فإنه يأتي حليفًا لطيفًا لتذكير إسرائيل بمصالح وسياسات أمريكا، ومعرفة ما إذا كانت إسرائيل على دراية تامّة وتوافق بشكل عامّ. وإدراكًا لتحفظات إسرائيل العميقة في ما يتعلق باتفاق نووي جديد مع إيران، فإنه من المحتمَل أن يكون بيرنز قد جاء إلى إسرائيل ليطلب منها الحذر وضبط النفس في الخطاب العامّ، وكذلك وقف تصعيد صراعها البحري مع إيران، على الأقل في الوقت الحالي(17).

وفي سياق زيادة التوتر بين إيران وإسرائيل، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد، نفتالي بينيت، واشنطن، والتقى الرئيس بايدن. وقد حذّر بينيت الأمريكيين من تبعات الاتفاق النووي الجديد، خصوصًا في ضوء التقدّم الذي حققته إيران في الفترة الأخيرة في مجال القدرات النووية. وخلال الزيارة صرح بينيت قائلًا: «ناقشنا عديدًا من الجبهات، وعلى رأسها الجبهة الإيرانية، لا سيما الطفرة التي حققها البرنامج النووي الإيراني على مدار السنتين أو السنوات الثلاث الماضية. وتحدثنا عن الخُطط المعنية بكبح هذا البرنامج بشكل خاص، وسنعالج أيضًا عدّة إجراءات ضرورية للحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي»(18). يبدو أن واشنطن مستعدة لدعم إسرائيل، وأنها قد تزوّد الجيش الإسرائيلي بتقنيات عسكرية تمكّنها من تحقيق أضرار كبيرة بالقدرات النووية الإيرانية، أو على الأقل تشكّل ردعًا لإيران للعودة إلى الاتفاق النووي.

أمّا التصريح الأكثر إثارة فكان لبايدن عندما قال: «نحن نضع الدبلوماسية أوّلًا، ننظر إلى أين يقودنا ذلك. لكن إذا فشلت الدبلوماسية فنحن مستعدّون للانتقال إلى خيارات أخرى»(19). وقد لقي هذا التصريح استهجانًا كبيرًا من النظام الإيراني، خصوصًا من قِبل المرشد الأعلى الذي وصف إدارة بايدن بأنها «ذئب مفترس»، لا تقلّ وقاحة عن إدارة ترامب. هذا التصعيد يمكن وصفه مؤشّرًا على أنّ المشهد «الأزْمَوِيّ» بين إيران والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل قد يأخذ منحى أكثر حدّة، ومن المحتمَل أنّ تنسيقًا عسكريًّا أمريكيًّا-إسرائيليًّا يتزايد لاستهدافٍ نوويّ إيرانيّ حال لم تنجح جهود إعادة إحياء الاتفاق.

في ذات السياق، يقول الخبير الأمريكي دنيس روس، الرجل الأول لعملية السلام في الشرق الأوسط في أثناء ولاية إدارة كلٍّ من جورج بوش الأب وبيل كلينتون، في مقالٍ له، إنه يتعين على إدارة بايدن -حسب مطالبات البعض في الكونغرس- النظر في تزويد إسرائيل بصواريخ «GBU-57 Massive Ordnance Penetrator»، وهي أداة اختراق جبلية تزن 30 ألف رطل. يمكن استخدام مثل هذا السلاح لتدمير منشأة التخصيب الإيرانية «فوردو» تحت الأرض، بالإضافة إلى مواقع نووية أخرى محصنة. الاستعداد لتزويد إسرائيل بمثل هذا السلاح المخيف والاستعانة بقاذفة «بي2» لإيصاله، سوف يرسلان رسالة قوية إلى الإيرانيين. في الواقع، قد يكون توفير صاروخ «GBU-57» لإسرائيل أفضل دافع لإيران للتفاوض على صفقة في المِلف النووي «أطول وأقوى». عندها فقط قد يقبل النظام الإيراني حقيقة أن الولايات المتحدة جادّة في منع إيران من أن تخطو أولى خطواتها على عتبة السلاح النووي، وستدرك إيران أنها تخاطر ببنيتها التحتية النووية بالكامل في غياب اتفاق يحدّ منها. في ظل هذه الظروف، سيكون لدى قادة إيران حافز للحصول على شيءٍ ما لقبول خيارٍ ما، بدلًا من فرض نتيجة قد تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل(20).

نستنتج من كل هذا أنه أمام استمرار المرشد الأعلى وحكومة رئيسي في إعاقة المفاوضات حول الاتفاق النووي، سعيًا من إيران إلى ولوج عتبة السلاح النووي، فإنه لا يُستبعَد أن تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بشنّ ضربات جوية استباقية تستهدف تدمير منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية، وتُلحِق بها أضرارًا جسيمة، وقد تؤخرها عن العمل لسنوات طويلة قادمة. هذا الموقف يعني أننا سنشهد في الأشهُر القادمة تصاعدًا ملحوظًا في مستوى التوتر بين الطرفين الإيراني والإسرائيلي، وسنكون أمام دوامة تصعيدية تخاطر بالخروج عن نطاق السيطرة، وقد تجنح إلى الأزمة بخطأ واحد. إنها بداية مضطربة لرئاسة رئيسي، تفتح الباب لمزيد من التوترات وخيارات الردّ بين طهران وإسرائيل وحلفائها الغرب والولايات المتحدة، والخوف أن تأخذ المنطقة إلى منطق الحرب العسكرية.

رابعًا: تحديات التطبيع الدبلوماسي مع السعودية

تُعَدّ علاقة طهران بجارتها الكبيرة السعودية من أكبر التحديات التي ستواجه السياسة الخارجية الإيرانية في عهد رئيسي للأعوام القادمة. تاريخيًّا، مرّ الصراع بين المملكة العربية السعودية وإيران بأطوار كثيرة ومنعطفات عديدة، أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ سنة 2016م، عندما حدث الاعتداء الإيراني على السفارة السعودية في طهران، وأصبح الأفق مسدودًا أمام مشاريع الحوار والتفاوض، إلا أن بعض العوامل الإقليميَّة بات يطرح إمكانية جلوس الطرفين إلى طاولة الحوار والتفاوض لخفض التوتر بينهما.

يدرك العقلاء في طهران أن العلاقة الجيّدة مع السعودية تؤثّر في تواصل إيران مع الدول العربية والإسلامية، وأن مشكلاتهم حتى مع المجتمع الدولي يمكن أن يصبح حلّها أسهل في ظل علاقة طيبة مع الرياض ذات التأثير والثقل السياسي في مراكز صُنع القرار الدولية. وقد كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد قال في مقابلة تليفزيونية في وقت سابق، إنّ بلاده على استعداد لفتح صفحة جديدة مع إيران، إلا أن بينهما جملة من القضايا التي يجب حسمها أوّلًا، لافتًا إلى أن إيران بلد كبير ومهمّ، والتعاون معه قد يكون بنّاءً لحل عدد من القضايا.

حاليًّا، تُجري السعودية مباحثات مع إيران بوساطة عراقية، وعلى الرغم من ترحيب الطرفين فإنَّ المحادثات تبدو شائكة، وقد لا تصل إلى نقطة متقدّمة، على الأقل في الفترة القادمة. فالمملكة تشترط أن تتوقف إيران عن دعم حروبها بالوكالة في الدول العربية، خصوصًا دعمها للحوثي في اليمن وتزويده بالصواريخ والطائرات دون طيار، التي تستهدف الأراضي السعودية بوتيرة متزايدة، وضرورة امتثال إيران لالتزاماتها في الاتفاق النووي، والتوقف عن تطوير برنامجها الصاروخي الذي يُعَدّ أكبر المهدِّدات الخارجية على الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية. لكن النظام الإيراني لا يبدو أنه يريد تقديم أي تنازلات تتعلق بالاشتراطات السعودية، رغم التصريحات السياسية للمسؤولين الإيرانيين برغبتهم في إقامة علاقات جيّدة مع المملكة.

وقد اعترف روحاني نفسُه أخيرًا بهذه الرغبة في بناء علاقات مع المملكة، متّهمًا بعض الأطراف الداخلية بأنها كانت وراء تدهور العلاقات مع الرياض، إذ صرح بقوله: «الجيران بخاصة يجب أن نكون على تواصل معهم عن كثب. لا رحم الله الذين منعوا إقامة علاقات جيدة بين إيران وبعض بلدان المنطقة، فلقد أقدموا على أعمال حمقاء وطفولية من خلال الهجوم على المراكز الدبلوماسية السعودية، ولو لم تكُن هذه القضايا لكان وضعنا أفضل من الآن»(21). ويؤيده في ذلك إبراهيم رئيسي الذي قال: «إنّ تعزيز وبناء العلاقات الشاملة مع الدول الجارة يُعَدّ من أولويات حكومتنا؛ مثل هذه العلاقات يخدم إيران والدول الجارة أيضًا»(22).

وتكمُن المشكلة في أن المملكة تعوّدت مثل هذه التصريحات من كل الرؤساء الإيرانيين في حكوماتهم المتعاقبة دون أن تجد إرادة سياسية لهذه الحكومات أو للمرشد الأعلى لتحويل الأقوال إلى واقع عملي يحترم حقوق الجوار، والرغبة في بناء حالة من الاستقرار الدائم. فعلى الرغم من أن المِلف الرئيسي الذي سيدور حوله النقاش بين الطرفين هو المِلف اليمني، لكن مِلفات أكثر شمولًا ستحكم فرص نجاح التقارب والحوار ومستقبل العلاقات. فهل سيكون الموقف الإيراني مثل سوابقه، أم سيحمل جديدًا؟

في الواقع ستبقى طهران تحاور كما كانت سابقًا بشكلٍ تكتيكيّ، لا من أجل الوصول إلى حلول إستراتيجية تحمل حلًّا نهائيًّا لكل المشكلات العالقة. ولطالما طوّعت طهران كل فرص الحوار للمراوغة والالتفاف وكسب الوقت دون نية حقيقية للسلام الشامل، فالنظام الإيراني، خصوصًا في مرحلته الحالية التي تشهد انقضاض «المتشدِّدين» على كامل مفاصل الدولة، سيبقى وفيًّا لمبادئ الثورة ومنطلقات الدستور ورهينًا للخطط الإستراتيجية الشاملة مثل: إستراتيجية «أُمّ القرى». فهناك أزمة ممتدة متعلقة بصراع المكانة الدينية بين طهران والرياض، وتسعى إيران لأن تخرج من هذه الأزمة بوصفها رائدًا ونموذجًا إسلاميًّا يُحتذى. فإيران دائمًا تريد السير عكس المنطق والزمن، وانتزاع المكانة الدينية من الرياض، وهو ما يفسر هجوم إيران الدائم على السعودية في موسم الحج وتسييس الشعائر الدينية. كما أن هناك أيضًا إشكالية المشروع الأيديولوجي الإيراني في الإقليم، وفي القلب منه مسألة تصدير الثورة وما يتصل بها من استخدام الشيعة والتشيع أداة للضغط، وهو ما يجب وضع حدٍّ له ومناقشته حتى يكون هناك ضمان لاستقرار حقيقي وعلاقات مستقرة. ولذلك، فإنَّ مستقبل الحوار بين البلدين لن يُفضي إلى مقاربات شاملة، ولا إلى حلول جذرية لمعضلات إستراتيجية مركّبة ومتشعّبة في أكثر من ميدان.

خلاصة

كل المؤشِّرات السابقة تعطي دلالة على أن السياسة الخارجية الإيرانية في عهد حكومة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي ستسلك نهجًا متصلبًا يعزّز لها دعم المرشد الأعلى نفسه الذي يشرف على المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وهو الكِيان المحوري في تشكيل سياسات الدفاع والأمن الإستراتيجية. بالتالي فالمجتمع الدولي والإقليم والجوار الخليجي لإيران لن ينعموا برؤية إيران تنهج الاعتدال في سلوكها السياسي والأمني، وتتبنى مقاربة التفاعل البناء والبراغماتية على مستوى علاقاتها ودبلوماسيتها الخارجية، على الأقل في فترة تولي إبراهيم رئيسي للحكم، التي قد تمتدّ إلى فترة رئاسية أخرى، بما يضع الجميع أمام سنوات عجاف قادمة، يغلب عليها طابع إدارة الأزمات أكثر من سيادة لغة الحوار والتقارب. كل هذا بالطبع يتطلب من الدول العربية والدول الخليجية بالتحديد نهجًا مغايرًا وخلّاقًا عن السابق في التعاطي مع نزعة الهيمنة الإيرانية، من خلال توظيف كل الأدوات وَفق مقاربات شاملة قادرة على إحداث صحوة للوعي السياسي الإيراني وجعله يدرك حجم الخسائر التي قد يتعرض لها مقابل المنافع التي سيجنيها حال استمرّ في تثوير الأيديولوجيا والنهج العسكري الصدامي، والتحشيد الولائي الطائفي، والتغريد خارج أُطُر الشرعية الدولية.


[1] موقع «NRT»، رئيسي في أول خطاب له رئيسًا لإيران: حرب تُشَنّ على بلادنا، (05 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 15 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3CUelpr.

[2] موقع «إيران إنترناشيونال»، رئيس البرلمان الإيراني الجديد يتهم حكومة روحاني بـِ«انعدام الكفاءة» ويشدّد على «الانتقام» من واشنطن، (31 مايو 2020م)، تاريخ الاطلاع: 13 أغسطس 2021م، https://bit.ly/2W0Lbnw.

[3]صحيفة «الشرق الأوسط»، «الحرس الثوري» يستولي على أهم وزارة في حكومة رئيسي، (12 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 05 سبتمبر 2021م، https://bit.ly/3h4Ippb.

[4] موقع «FRANCE 24»، إيران: رئيسي يقدّم مرشحيه للمناصب الوزارية في لائحةٍ طغى عليها تيار المحافظين، (11 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3gprUU9.

[5] خبرگزاری تسنیم، امیر آشتیانی:‌ افزایش توان موشکی از برنامه‌های آتی وزارت دفاع است، (01 شهریور 1400هـ.ش)، تاريخ الاطلاع: 26 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3ktAF0C.

[6] خطیب: وزارت اطلاعات باید در چهارچوب بیانیه گام دوم حرکت کند، (31 مرداد 1400هـ.ش)، تاریخ الاطلاع: 26 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3sSDvA3.

[7] موقع «الوفد»، رئيسي: سأدعم أيّ خُطط دبلوماسية لرفع العقوبات عن إيران، (05 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 14 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3iUFMrm.

[8] موقع «FRANCE 24»، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية قلق من «زيادة صعوبة» تمديد اتفاق عمليات التفتيش المؤقَّت مع إيران، (07 يونيو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 15 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3AFZ7T4.

[9] صحيفة «الشرق الأوسط»، إيران تتقدم في إنتاج معدن اليورانيوم رغم تحذيرات الغرب، (17 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 18 أغسطس 2021م، https://bit.ly/2W3NN3V.

[10] موقع «إندبندنت عربية»، إيران تنتج 6.5 كيلوجرام من اليورانيوم المخصَّب 60 في المئة، (15 يونيو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 18 أغسطس 2021م، https://bit.ly/37OEdoa.

[11] موقع «روسيا اليوم»: الطاقة الذرية، إيران استأنفت إنتاج اليورانيوم المخصَّب بنسبة 20%، (23 فبراير 2021م)، تاريخ الاطلاع: 11 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3g8iDQa.

[12] معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، السردية الإيرانية الجديدة: النظام ليس في عجلةٍ من أمره.. لكن على واشنطن أن تكون كذلك، (11 فبراير 2021م)، تاريخ الاطلاع 21 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3sFzcrF.

[13] «CNN» بالعربية، «الرد على إيران سيكون جماعيًّا».. وزير خارجية أمريكا يثير تفاعلًا، (03 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 18 أغسطس 2021م، https://cnn.it/3sFeAQF.

[14] موقع «RT»، خامنئي يدعو روحاني والحكومة إلى قطع الأمل بالاتفاق النووي، (29 أغسطس 2018م)، تاريخ الاطلاع: 24 أغسطس 2021م، https://bit.ly/2WgDABZ.

[15] موقع «روسيا اليوم»، غانتس يدعو لاتخاذ إجراءات ضد إيران ردًّا على استهدافها الناقلة الإسرائيلية بخليج عمان، (02 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 16 أغسطس 2021م، https://bit.ly/37MWnqw.

[16] صحيفة «الاتحاد»، غانتس يدَّعي أن إيران بعيدة أسابيع قليلة عن القنبلة النووية، (04 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 22 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3j9s5EP.

[17] «أوغاريت بوست» نقلًا عن صحيفة «هآرتس»، ليست مهمة لتقصي الحقائق: رئيس وكالة المخابرات المركزية يأتي ليُخبر إسرائيل بما يريده بايدن، (17 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 23 أغسطس 2021م، https://bit.ly/2W9KLvL.

[18] موقع «العين الإخبارية»، رئيس وزراء إسرائيل يصل إلى واشنطن، (25 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 25 أغسطس 2021م، https://bit.ly/2UOpabq.

[19] «CNN» بالعربية، بايدن لرئيس وزراء إسرائيل: أمريكا منفتحة على «خيارات أخرى» إذا فشلت الدبلوماسيّة مع إيران، (27 أغسطس 2021م)، تاريخ الاطلاع: 30 أغسطس 2021م، https://cnn.it/3yv2j2a.

[20] صحيفة «الشرق الأوسط»، كيف نردع إيران عن امتلاك السلاح النووي؟، (26 يوليو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 23 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3kfGTkO.

[21] موقع «إندبندنت عربية»، طريق الرئيس الإيراني الجديد نحو الحكم يؤشّر إلى «مستقبل كالح»، (18 يونيو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2021م، https://bit.ly/381qQBt.

[22] موقع «عربي سبوتنيك»، رئيسي: تعزيز العلاقات مع دول الجوار من أولويات حكومة إيران الجديدة، (16 يوليو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2021م، https://bit.ly/3sGIFzg.

د. أحمد بن ضيف الله القرني
د. أحمد بن ضيف الله القرني
نائب رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية