الإعدامات آلية لحماية النظام ومنهج الدولة الإيرانية

» مقِّدمة
تشير العلوم السياسية في شِقّها المعنيّ بدراسة الأنظمة السياسية إلى قاعدة مَفادُها أن مُجمَل النظم السياسية في الوحدات الدولية الكبرى والصغرى على السواء، بخاصة تلك التي تشهد نظام حكم غير ديمقراطي، تسعي للحفاظ على ذاتها لاستمراريتها واستدامتها أطول مدّة ممكنة من الزمن، لا سيما إذا كانت تحمل أفكارًا ذات بعد آيديولوجي عقَدِيّ، وهنا يصبح بقاء النِّظام وقوته في وحدة دولية ما مرهونًا بقدرته على تبنِّي سياسات تُطِيل عمره، فالأنظمة العقَدِيّة عادة ما تكون أكثير ميلًا إلى تَبَنِّي وسائلَ صدامية مع معارضيها كالإقصاء أو الاستئصال، سواء من خلال التصفية أو الإعدام، ضدّ أي فصيل أو جماعة عرقية أو طائفة كانت، ما دامت تري فيها تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر لمنظومتها الفكرية المختلفة عن آيديولوجيا تلك الجماعة أو الطائفة.
بَيْد أن النِّظام السياسي الحاكم في إيران منذ ما يقرب من 37 عامًا تحديدًا إثر انتصار ثورة 1979، لم يحد عن تلك القاعدة، فهو نظام سياسي عقَدِيّ يسعى للحفاظ على ذاته وتوجهاته داخليًّا وخارجيًّا من خلال حزمة من الوسائل والآليات، من بينها سياسة “الاعتقالات والإعدامات” بحقّ المعارضين والسجناء السياسيين من الذين يرى فيهم النِّظام الثيوقراطي تهديدًا مباشرًا لبقائه واستمراره، مبررًا ذلك بمحاربته مؤيدي الإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي وأنصار النِّظام الإيراني السابق على الثَّوْرة بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي، وبتُهَم أخرى منها محاربة الله والعمل ضدّ الأمن القومي والفساد في الأرض.
بمجيء عقد الثمانينيات من القرن الماضي اندلعت الخلافات السياسية بين حلفاء الأمس الفرقاء السياسيين الماركسيين والشيوعيين والاشتراكيين والليبراليين والإسلاميين ضدّ الشاه ونظامه الحاكم، حول تفسير أهداف الثَّوْرة ومآلاتها وملامح وجوهر النِّظام السياسي الجديد وتوجهاته وأنساقه العقَدِيّة الحاكمة، انتهت لصالح رجال الدين الإيرانيين بقيادة الخُمينيّ وأصبحوا الرقم الأقوى في المعادلة الإيرانية الجديدة وأرسوا دعائم نظام سياسي جديد وَفْقًا لرؤيتهم بصياغة دستور جديد يعطي رجال الدين والمرجعيات الشيعية ثقلًا وتأثيرًا في الحياة السياسية الإيرانية ويؤطِّر لـ”ولاية الفقيه” كنظام للحكم يتمتع فيه الوليّ الفقيه (الخُمينيّ) بسلطات واسعة وصلاحيات ضخمة على الأصعدة كافَّةً، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية، مستحدثين أجهزة جديدة لحماية مكتسبات الثَّوْرة، كالحرس الثوري الإيراني وفيالقه المختلفة.
وما إن انتصرت الثَّوْرة وتوطدت أركان النِّظام الجديد في مطلع عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، حتى دخلت الثَّوْرة الإيرانية مرحلتها الثانية باندلاع الصراع بين حلفاء الأمس وقيام قادة النِّظام الجديد للوالي الفقيه ومراجع الشِّيعَة بتحديد المعارضين والخصوم السياسيين المناوئين للنِّظام وأفكاره وتوجهاته الجديدة، ومنهم نشطاء “مجاهدي خلق”، والانفصاليون من عرب الأحواز والبلوش والأكراد، فضلًا عن البهائيين، لتبدأ موجات من النفي والتضييق والاعتقالات والإعدامات بحقّ كل هذه الجماعات، لإيمانهم بآيديولوجيات وأفكار مغايرة لا تتَّسق مع آيديولوجيا الوليّ الفقيه، مِمَّا يمثِّل عقبة كؤودًا في طريق تنفيذ النِّظام رؤيته ومخطَّطاته في الداخل والخارج، وذلك على النحو التالي:

» “مجاهدي خلق”
تُعتبر منظَّمة “مجاهدي خلق” -مقرُّها باريس- حاليًّا من أكبر وأنشط الحركات الإيرانية المعارضة للنِّظام الإيراني، وقد تأسست عام 1965 تحت رئاسة حنيف نجاد، بهدف إسقاط نظام الشاه، وترأسها الآن مريم رجوي ابنة مسعود رجوي، الذي تولَّى رئاستها بعد اندلاع الثَّوْرة 1979. وهي من الحركات التي عارضت النِّظام الجديد بقيادة الخُمينيّ بعد انتصار الثَّوْرة 1979 وصلت بعد عامين ونصف من الثَّوْرة إلى حدّ التقاتل بين الجانبين في صراع محتدم مستمرّ حتى الآن بمعارضة المنظَّمة للنِّظام الحاليّ وكشفها عن بعض عمليات الإعدام التي نفّذها النِّظام ضدّ شركائه في الثَّوْرة.
فقد أصدر الخُمينيّ فتواه عام 1988 لإضفاء البعد الشرعيّ على عمليات الإعدام المرجوَّة في رسالته الشهيرة التي جاء فيها: “أعضاء (مجاهدي خلق) يحاربون الله، واليساريون مرتدُّون عن الإسلام، وأعضاء المنظَّمة لا يعتقدون في الإسلام بل يتظاهرون به، ومِن ثَمَّ فنظرا إلى شَنّ منظَّمتهم الحرب العسكرية على الحدود الشمالية والغربية والجنوبية لإيران، وتعاونهم مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، والتجسُّس ضدّ إيران، ولصلتهم مع القوى الغربية للمطالبة بالاستقلال؛ فإن جميع أعضاء المنظَّمة مشمولون باعتبارهم مقاتلين أعداءً، ونحتاج إلى تنفيذ أحكام الإعدام بشأنهم”[1].
وقد استند القضاء الإيراني إلى تلك الفتوى في أحكام السجن والإعدامات بحقّ السجناء السياسيين البالغ عددهم وفقًا لمنظَّمة “مجاهدي خلق” 30 ألفًا غالبيتهم من المنظَّمة، ومِمَّن يصفهم النِّظام بالمعارضين، وهو ما كشف عنه تسجيل صوتي مدته 40 دقيقة نُشر في أغسطس 2016 على الموقع الرسمي للمرجع آية الله حسين علي منتظري نائب المرشد السابق يوثِّق محادثات أجراها منتظري بتاريخ 15/8/1988 مع أربعة من أعضاء “لجنة تنفيذ أوامر الخُمينيّ للإعدام” (المعروفة إعلاميًّا باسم “لجنة الموت” والمكونة من 18 عضوًا) بعدما اختاره الخُمينيّ نائبًا له، إذ يُظهِر التسجيل رفض منتظري المطلق لـ”الإعدامات” التي طالت هؤلاء السجناء السياسيين بقوله “أنتم حكمتم على بعضهم بالسجن 5 أو 10 أعوام، واليوم تُعدِمون دون دليل إدانة وحكم بإعدامهم”، إذ كان عديد من الأشخاص الذين أُعدِموا صدرت أحكام عليهم بالحبس في وقت سابق، أو كانوا يقضون مدة أحكامهم أو حتى كانت مدة محكوميتهم انتهت، أو من الذين أُفرِجَ عنهم، لكن أعيد اعتقالهم بقرار من الخُمينيّ، أو كانت لهم روابط عائلية بمنتمين إلى منظَّمة “مجاهدي خلق”[2].
ومنتظري، لمن لا يعرفه، كان من أبرز قادة ومؤسِّسي النِّظام بعد الثَّوْرة، وعُيِّن نائبًا للوليّ الفقيه آنذاك حتى استُبعِد من منصبه ثمنًا لموقفة من فتوى الإعدامات، وإخضاعه للإقامة جبرية بمنزلة بمدينة قم منذ عام 1997 لمدة 5 سنوات نتيجة نقده اللاذع للمرشد الحالي، إذًا فقد كان شخصيَّة رسميَّة أدلى بشهادة موثقة صوتًا أذهلت الجميع في قوة منطق الإدانة ومباشرة الاحتجاج على لسانه، ومن الناحية الفقهية كان “أَفْقَهَ المَراجع” ومن أول المنظِّرين لمشروع “ولاية الفقيه”، وساهم بقوة في نجاح الثَّوْرة ضدّ الشاه الذي حكم عليه بالإعدام ليُطلَق سراحه عام 1975 بعد أن أمضى 3 سنوات في السجن، ومن ثم فمن الصعوبة بمكان على القادة الإيرانيين التشكيك في التسجيل[3]. ويعكس ذلك إعلان وزير العدل مصطفى بور محمدي، أحد أعضاء لجنة الموت، في حكومة الرئيس حسن روحاني، أنه “فخور” بأنه قد شارك في عمليات الإعدام، وأن مشاركته لم تمنعه من النوم رغم مرور 28 عامًا على الجريمة[4].
وقد كشف التسجيل عن تورُّط القادة الإيرانيين على أعلى المستويات سابقين وحاليين منهم الولي الفقيه الراحل الخُمينيّ بتوقيعه قرارات الإعدامات، ونجله أحمد الخُمينيّ كما تبين من حديث منتظري بشَنِّه حملة واسعة لإعدام كل شخص يؤيِّد أو يقرأ أي صحيفة لـ”مجاهدي خلق”، ثم المرشد الحالي علي خامنئي الذي كان آنذاك رئيس الجمهورية للنِّظام (1982-1989) وكان أحد المعنيِّين الرئيسيِّين في اتخاذ القرار، وعلي أكبر رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النِّظام الذي كان آنذاك رئيس البرلمان، وكان منتظري ذكر بالتحديد في تسجيله أن الخُمينيّ كان يستشير هذين الرجلين في اتخاذ قراراته الخطيرة[5].
أضف إلى ذلك الأعضاء الأربعة الذين حضروا الاجتماع مع منتظري: مصطفى بور محمدي ممثل وزارة الاستخبارات في سجن إيفين آنذاك، ويشغل حاليًّا منصب وزير العدل في حكومة روحاني، وحسين علي نيري الذي يشغل منصب رئيس محكمة القضاة والديوان العالي للبلاد، وكان الرجل الرئيسي في لجنة الموت في طهران، ومرتضى إشراقي زوج بنت الخُمينيّ، الذي كان قاضيًا شرعيًّا آنذاك، وإبراهيم رئيسي الذي وعُيِّن بضعة أشهر مدّعيًا عامًّا للنِّظام وعيَّنه خامنئي حديثًا رئيسًا لأوقاف الإمام الرضا التي هي واحد من أهمّ مراكز السُّلْطة والنفوذ السياسيّ والاقتصاديّ في هذا النِّظام.
بالإضافة إلى هؤلاء تَوَرَّط في قضية الإعدامات أشخاص آخَرون، منهم: علي فلاحيان وكيل وزارة الاستخبارات في أثناء الجريمة، ووزير الاستخبارات تباعًا، وغلام حسين محسني أجه إي ممثل القضاء في وزارة الاستخبارات، ومجيد أنصاري رئيس هيئة السجون في أثناء قرار الإعدامات الذي هو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النِّظام في الوقت الحاضر، وعلي مبشري المساعد القضائي في ديوان العدل الإداري، وكان حاكم الشرع ونائب نيّري عام 1988، وعلي رازيني المساعد الحقوقي للسُّلْطة القضائية، وكان في أثناء القرار رئيس هيئة القضاء للقوات المسلحة، وغلام رضا خلف رضايي معاون الديوان العالي للبلاد، وكان عضو لجنة الموت في دزفول بمحافظة خوزستان[6].

» البهائيون
تعود جذور البهائية إلى محمد علي الشيرازي الملقَّب بـ”الباب” (البابيَّة)، وقد نشأت “البابية” في إيران (فارس آنذاك) في منتصف القرن التاسع عشر (بداية من 1844)، أما البهائية نفسها فأسسها حسين علي النوري المعروف باسم “بهاء الله” في أثناء وجوده بالمنفى خارج إيران (في بغداد ثم إسطنبول) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، (إعلان الدعوة كان في حديقة النجيبية في بغداد، التي يعرفها البهائيون بحديقة الرضوان، سنة 1863) [7].
قبل اندلاع الثَّوْرة 1979 كانت في إيران خلافات جذرية بين أتباع الفكر البهائي وأتباع الفكر الشيعي بشكل عامّ، خصوصًا في ما يتعلق بمن هو “المهدي المنتظر”، واتهام النِّظام للبهائيَّة بإتاحة زواج المحارم، ففي حين يطلق البهائيون لقب “المهدي المنتظر” على محمد الشيرازي، يؤمن الشِّيعَة بأن المهدي المنتظَر سوف يظهر بعد انتشار الظلم والفساد لينشر العدل، كما يذكر المرجع الشيعيّ الإيراني والباحث في الطوائف الدينية كاظم موسوي أن البهائية تبيح زواج المحارم، مشيرًا إلى أن بهاء الله حرَّم تعدُّد الزوجات، في حين أباح زواج الرجل بابنته وشقيقته وخالاته وعماته[8].
وقد ازدادت حِدّة الخلافات مع ولادة نظام ولاية الفقيه بعد انتصار الثَّوْرة 1979 لخشية قادة إيران من انتشار أفكارهم وتأثيرها على آيديولوجيا الوليّ الفقيه وانتشارها بين الإيرانيين، وبناءً عليه يتعرضون للمضايقات الأمنية والملاحقة بين حين وآخر، ويتهمون بالعمالة لإسرائيل وتلقي تمويل أجنبي والتآمر على الدولة وقلب نظام الحكم، وفي هذا السياق بدأ النِّظام موجة من الاعتقالات والإعدامات في حقّ البهائيين، فحُكم على أكثر من 200 بهائيّ بالإعدام منذ بداية الثَّوْرة الإسلامية في عام 1979، وسُجن كثير منهم في معتقلاتها بعد أن رفضوا إنكار عقيدتهم عند إعطائهم الخيار بين ذلك وبين إطلاق سراحهم، فخلال عام 2005 اعتُقل أكثر من 890 من البهائيين، وخلال عام 2008 شنَّت إيران موجة اعتقالات كبيرة ضدّ صفوف البهائيين، وفي مطلع عام 2016 اعتقلت 24 بهائيًّا[9].
ومن أشهر البهائيات اللاتي تَعرَّضْن للاعتقال ووُجِّهَت إليهن اتهامات بالعمالة لإسرائيل وتشوية صورة إيران عبر برنامجها، فرناز قاضي زاده، التي تعمل صحفية ومذيعة بقناة “بي بي سي” الموجَّهة بالفارسية، وفى 4 أبريل 2012 نشر موقع “رجا نيوز” المقرَّب الحكومة الإيرانية أن فرناز وزوجها سينا مطلبي ارتدَّا عن الإسلام واعتنقا البهائية، التي وصفها الموقع بأنها ديانة “ضالَّة”، كما استُولِيَ على عديد من المقابر البهائية وأماكن العبادة والأماكن المقدَّسة ودُمّرَت ولم يعُد بإمكان البهائيين اليوم الاحتفاظ بمراكزهم ووظائفهم الحكومية، حتى إنه لا يعترف بشرعيّة زواجهم أو وثائق التسجيل والولادة وغيرها[10].

» الأحواز
لم يشفع الانتماء المذهبي إلى الشيعة العرب في إيران أمام الحكومة الإيرانية، فاتهمت بعض الأحوازيين العرب البالغ عددهم ما يقارب مليونًا ونصف مليون، يقطنون بالأحواز عاصمة محافظة خوزستان، بالنزعة الانفصالية، وأيضًا الفساد في الأرض والترويج لأفكار دول أخري في المجتمع الإيراني، واعتبار ذلك مهدِّدًا للأمن القومي الإيراني، فمنذ عام 2005 تَعرَّض عشرات الأحوازيين للإعدام عند بداية انتفاضة الشعب العربي الأحوازي عقب الكشف عن الرسالة الشهيرة الصادرة من مكتب رئاسة الجمهورية الإيرانية وتحتها توقيع محمد علي أبطحي مدير مكتب الرئيس خاتمي آنذاك، وكانت الرسالة تقترح تغيير الديموغرافية (التركيبة السكانية) في المحافظة الأحوازية وتفتيت النسيج الاجتماعي العربي، وكذلك نقل بعض العائلات الأحوازية إلى مدن ومحافظات أخرى، أي إن الهدف من المشروع يتمثل في تفتيت الهوية القوميَّة لعرب الأحواز، وكانت المدة المقترحة لتنفيذ هذه الخطة عشر سنوات، والهدف خفض نسبة العرب في الإقليم إلى الثلث من إجمالي تعداد السكان هناك، ومِن ثَمَّ تحويلها إلى أقلية في موطنها الأصلي[11].
ومنذ أبريل 2005 حتى 2013 أُعدِمَ نحو 70 أحوازيًّا (غير مَن قُتل في المظاهرات السلمية) بتهمة المشاركة الفعَّالة في المظاهرات والمسيرات، وخلال عام 2014 أفاد أهالي قرية جوبجي (من توابع مدينة رامز شرقي الأحواز) بأن قوات الأمن دفنت جثمانَي الناشطين هادي راشدي وهاشم شعباني في بداية 2014 في الصحراء بالقرب من القرية، كما أكّد أحمد شهيد، المقرِّر الخاصّ للأمم المتحدة لحالة حقوق الإنسان في إيران، أن السُّلُطات أعدمت 4 نشطاء من عرب الأحواز منذ بداية 2014 حتى يونيو 2014.

» البلوش
لم يكُن البلوش أفضل حالًا من عرب الأحواز، فقد تَعرَّضوا على مدى العقود الثلاثة الماضية لعمليات إعدام شتَّى بدوافع سياسية بحتة، ويشكِّل البلوش الغالبية العظمى من سكان محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقيّ إيران، وينتمون جميعًا إلى المذهب السُّنِّيّ، وقد كانت هذه المنطقة -ولا تزال- من أكثر مناطق الصراعات الداخليَّة في إيران، وهي المحافظة الثالثة من حيث مساحتها، إذ تمتدّ على أكثر من 181 ألف كيلومتر مربَّع من الأراضي الإيرانية، ويتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة.
وتؤكِّد تقارير حقوقية أن البلوش في إيران يشكِّلون أعلى نسبة في الإعدامات التي تنفِّذها السُّلُطات الإيرانية بتهمة محاربة الله والإفساد في الأرض، ففي 20 ديسمبر 2010 أعدمت إيران 11 بلوشيًّا في زاهدان عاصمة محافظة سيستان وبلوشستان، ووجهت إليهم تُهَم الانتماء إلى حركة المقاومة البلوشية المسلَّحة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع في 15 ديسمبر في تشابهار في بلوشستان، وفي 26 أكتوبر 2013 أعدمت إيران أيضًا 16 سجينًا بلوشيًّا في سجن زاهدان، وفي اليوم التالي أعدمت شابًّا بلوشيًّا في سجن خرم آباد بتهمة الانتماء إلى حركة المقاومة البلوشية التي اتُّهِمَت بشَنِّ هجوم ضدّ أحد مراكز حرس الحدود أودى بحياة 14 جنديًّا إيرانيًّا في مدينة سراوان على الحدود الباكستانية-الإيرانية، وشهد عامَا 2014 و2016 أعلى نسبة إعدامات بحقِّ البلوش[12].

» الأكراد
عانت الأقلِّيَّة الكردية البالغ عددها ما يقارب 8 ملايين في محافظات کردستان وکرمانشاه وإيلام -ولا تزال تعاني-من تعامُل الحكومة المركزية في طهران بعد قيام الجمهورية الإيرانية 1979، ففي العام نفسه سادت أجواء الغضب المناطق الكردية في إيران بسبب عدم إتاحة الفرصة لممثلين عن الأكراد للمشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد، وعلى نمط التعامل مع الأقليتين العربية والبلوشية رأت الحكومة الإيرانية أن معالجة المطالب الثقافية والسياسية والاجتماعية لهذه الأقلية تكون عبر الإعدامات، فقد أعدمت إيران وَفْقًا لتقارير حقوقية منذ عام 1979 حتى عام 2016 مئات الأفراد المنتمين إلى الأكراد، ناهيك بآلاف المعتقلين بالتُّهَم نفسها الموجَّهة إلى أعضاء “مجاهدي خلق” والبهائيين والبلوش والأحوازيين، وهي الإفساد في الأرض[13].
وإجمالًا، فحسب لأرقام المعلَنة في تقارير المنظَّمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، تحتلّ الصين المرتبة الأولى دوليًّا في الإعدامات، في حين تحتلّ إيران المرتبة الثانية، وفي حالة حساب النسبة وفقًا لعدد السكان فإن إيران تتصدر القائمة الدولية بفارق كبير عمَّن يليها[14]، وقد ارتفع معدَّل الإعدامات منذ وصول الرئيس الإصلاحي حسن روحاني إلى السُّلْطة في مارس 2013 ليصل عدد المحكوم عليهم بالإعدام منذ تولِّيه حتى 2016 ما يقارب 3 آلاف شخص، وهو عدد يفوق بكثير عدد الإعدامات في أثناء فترة حكم المحافظ أحمدي نجاد (انظر الجدول التالي)، كما يبين الرسم البياني الفرق في عدد الإعدامات بين نجاد وروحاني خلال عام واحد فقط، من أغسطس 2012 إلى أغسطس 2013 لنجاد، ومن أغسطس 2013 إلى أغسطس 2014 لروحاني. وخلال أغسطس 2016 أعدمت إيران 21 سُنِّيًّا كرديًّا، و80 آخرين خلال سبتمبر 2016، بتهمة “التآمر والفساد في الأرض”[15]، في حين لا يزال سجناء آخَرون ينتظرون نفس المصير، وخلال عام 2015 أعدمت إيران 957 شخصًا وَفْقًا لتقارير “هيومان رايتس ووتش”، و753 شخصًا خلال عام 2014 وَفْقًا للأمم المتحدة، وتستخدم إيران “أعواد المشانق” وسيلةً للإعدام، وهي من أكثر أساليب الإعدام بُطْئًا وإيلامًا[16].

» خاتمة

يتضح مِمَّا سبق أن الأنظمة المؤدلَجة، بخلاف الأنظمة غير المؤدلَجة، تضع نصيب أعيُنها هدف “الحفاظ على ذاتها” عقيدةً لها لحمايتها ولبقائها أطول مدة ممكنة من الزمن، بكل السُّبُل والوسائل المشروعة وغير المشروعة، كإعدام للمعارضين لتنفيذ أطروحاتها ورؤاها داخليًّا وخارجيًّا، إذ يكون للنِّظام العقَدِيّ رؤية في الداخل تجاه الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية وَفْقًا لمنظومته الفكرية، وفي الخارج تجاه مشروعاته ومخطَّطاته. والنِّظام الإيراني هكذا نظام مؤدلَج عقَدِيّ يلجأ في سبيل استدامته وبقائه وتنفيذ مخطَّطاته إلى الإعدامات وسيلةً لحمايته وتخليصه من معارضيه رغم مخالفتها للقواعد وقوانين حقوق الإنسان.
كما تَبيَّن أيضًا أن النِّظام الإيراني يُعدِم المعارضين والخصوم السياسيين سواء أعضاء “مجاهدي خلق” والبهائيون والأحوازيون والبلوش والأكراد، وبتُهَم ثابتة، ففي بداية الثَّوْرة نفذ أغلب الإعدامات بتهمة محاربة الإمبريالية وتأييد النِّظام البهلوي والانتماء إلى الجماعات الاشتراكية، ثم تهم أخرى منها العمل ضدّ الأمن القومي والفساد في الأرض. لكن يبدو أن نظام ولاية الفقيه كان يريد من هذه الإعدامات القضاء على جميع الفئات والمجموعات المؤثِّرة في قيام الثَّوْرة، والتي لعبت الدور الأساسي في تحرير الشعوب من ظلم النِّظام البهلوي، ليخلو له الجوّ في الانفراد بالسُّلْطة والتحكُّم في جميع الأمور وإدارتها وَفْق منظومته الفكرية التوسُّعية[17].
الولاية الثانية المحتمَلة لروحاني -مؤشِّرات عديدة تؤكِّد مجيئه لولاية ثانية- لن تقدِّم جديدًا في ملف الإعدامات الذي تفاقم في عهده بمراحل عن عهد سابقة نجاد، لكون المقرِّر وصاحب اليد الطُّولَى في النِّظام الإيراني هو المرشد لا الرئيس، لامتلاكه سلطات واسعة يستطيع من خلالها إصدار القرارات والفتاوى دون رقابة أو نقد من الداخل الإيراني، ومِن ثَمَّ فمن المتوقَّع ارتفاع معدَّل الإعدامات ضدّ السُّنَّة دون اكتراث بالاحتجاجات الداخليّة والإدانات الدولية، فقد ارتكبت إيران الجرائم بحقِّ النشطاء السياسيين في إيران وفي تدخلاتها في شؤون دول الجوار، وكل هذا على مرأى ومسمع الأمم المتحدة، وكل ما تفعله الأمم المتحدة تجاه تلك الجرائم والتجاوزات هو التنديد.
وفي ضوء ما سبق فإن حملة النداءات الدولية لوقف الإعدامات ودعوة 60 نائبًا بالبرلمان الأوروبي في 10/10/2016 وكذا 6 نواب بريطانيين في 9/10/2016 أجهزةَ الأمم المتحدة المعنيَّة إلى تعيين لجنة لتقصِّي الحقائق وتقديم مرتكبي ومدبِّري الجريمة للعدالة، وعدم الاكتفاء برعاية ما يُسَمَّى “لجنة العدالة من أجل ضحايا إبادة عام 1988” كثمرة لمؤتمر انعقد بمقرِّها في جينيف في 21/9/2016 قد لا تُفضِي إلى شيء إلا مجرَّد تصريحات سياسية لمسؤولين إيرانيين لتلطيف الأجواء مع المجتمع الدولي في ظلّ الدور النشِط الذي تؤدِّيه رئيسة المجلس الوطني للمعارضة الإيرانية مريم رجوي في باريس، من معارض لصور الانتهاكات وتنظيم مؤتمرات وعرض الإعدامات منذ الإعلان عن التسجيل الصوتي، لمقاضاة المسؤولين المتورطين ووقف الإعدامات المتكررة في إيران.

[1]
MosaZahed, thearabweekly, New audio tape sheds light on Iran’s 1988 mass executions, 2016/08/21, https://goo.gl/W5ayS4
[2]
Saeed KamaliDehghan, The guardian, Audio file revives calls for inquiry into massacre of Iran political prisoners, 11 August 2016, https://goo.gl/Hik4G7
[3]
Radiozamaneh, Audio file released: IRI involvement in mass execution of 4000 political prisoners in Iran, August 10, 2016, https://goo.gl/DqtQzr
[4]
پاسخ مستقيم بور محمدي به مطهري درباره إعدام هاي ٦٧: در زمين دشمن بازي نكنيم، ۸ شهریور۱۳۹۵، متاح على الرابط:https://goo.gl/QJbB2s
[5]
The Washington post, An opponent of political violence was once set to lead Iran. One last quarrel changed it all, I bed.
[6]
Iran Execution Rate: Number Of Iran Executions Higher Under President Hassan Rouhani Than Ahmadineja,international business times, 30/10/2014, https://goo.gl/I4leQb
[7]
مروة سلامة، الإعدام شنقًا عقوبة اعتناق البهائية في إيران، https://goo.gl/549Dl1
[8]
Iran Execution Rate: Number Of Iran Executions Higher Under President Hassan Rouhani Than Ahmadineja,international business times, 30/10/2014, https://goo.gl/I4leQb
[9]
مروة سلامة، الإعدام شنقًا عقوبة اعتناق البهائية في إيران، مرجع سابق.
[10]
المرجع السابق.
[11]
Adel al-Salmi, english.aawsat, 1988’s Execution Haunts Top Iranian Officials, August 31, 2016, https://goo.gl/TNKZib
[12]
البلوش مآساة أخرى للسُّنَّة في إيران، 5/6/20111،https://cutt.us/sMZvR
[13]
راديو فردا، انتشار فایل اظهارات آیت‌الله منتظری درباره اعدام ‌های تابستان۶۷ در دیداربا مسئولان قضایی، 20 مرداد 1395، https://cutt.us/UqRyh
[14]
Iran’s ‘staggering’ execution spree: nearly 700 put to death in just over six months، Amnesty international, 23/7/2015, https://cutt.us/iQ5NF
[15]
بي بي سي فارسي، https://soo.gd/TNOO
[16]
Iran hits back at criticism over executions, The execution of 26-year-old Reyhaneh Jabbari in Iran has prompted international condemnation [AFP], Tehran says 93 percent of 852 execution cases reported by UN in less than a year involved drug smuggling, aljazeera, November 2014, https://cutt.us/QhEm
[17]
dailymail, Released tape rekindles memory of 1988 Iran mass execution, 29 August 2016, https://cutt.us/7SbX
د. عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية