البازار والنظام الإيراني: جدلية الاقتصاد والسياسة

بواسطةيوسف عزيزي

مدخل
“بازار” مفردة فارسية تعني السوق، أو بالأحرى السوق الكبير، وهو مكان للبيع والشراء، غير أن البازار في إيران تحوّل عبر القرون إلى مؤسسة اقتصادية تقوم بدور توزيع السلع والمنتوجات على نطاق واسع، وتمثل الرأسمالية التقليدية في إيران.
تعود نشأة البازار إلى ما قبل الإسلام، وبالتحديد إلى عهد السلالة الساسانية، غير أنها استقرت وتطوّرت بعد الإسلام، من حيث الطراز المعماري وأسلوب التجارة، وقد تضاعف وتوسّع هذا الدور بعد احتكاك إيران بالغرب، ودخول الصناعات الحديثة إلى البلاد، وأصبح للبازار تأثير سياسي بارز في العصر الحديث، ويتكوّن البازار في المدن الإيرانية العريقة من عدة دهاليز مسقوفة، تحتوي على عدة دكاكين، يسمون كلّ واحد منها بالفارسية ” حجرة”، وهي مأخوذة من (الحجرة) العربية.
إذاً يمكننا الحديث هنا عن مثلث يتوسط الدائرة للمدن الكبرى في إيران، ويشكّل مركزها وقلبها الاقتصادي والسياسي والديني النابض عبر التاريخ، وهو يتألف من ثلاثة أضلاع: البازار، والمسجد، والقلعة (1)، يرمز الأول إلى الشعب ونشاطه الاقتصادي، والثاني إلى السلطة الروحية ونشاطها الديني، والثالث إلى السلطة الزمنية ونشاطها السياسي.
أما جغرافيّاً فتقع هذه الثلاثة بالقرب من بعضها البعض، كما نشاهد ذلك على سبيل المثال في العاصمة الإيرانية طهران، حيث يقع البازار بالقرب من الجامع الكبير (مسجد الشاه قبل الثورة ومسجد الإمام بعدها)، وقلعة “ارك”، ومن ثم قصر جولستان الذي حل مكان القلعة بالتدريج، بالإضافة إلى طهران، يوجد حاليا “بازار” أو أسواق كبرى مركزية في كل من مدن أصفهان، وكاشان، وكرمان، وتبريز، ويزد، وقزوين، وشيراز، كرمانشاه، وأراك، وجميعها تتشابه في طرازها المعماري القديم التقليدي، ويلعب البازار في هذه المدن وعواصم الأقاليم الأخرى، نفس الدور السياسي الذي يلعبه في طهران مع الفارق، وهو أن لبازار طهران دوراً اقتصادياً وسياسياً رئيسياً يتخطى جغرافية العاصمة الإيرانية.
فمنذ القرن 16 حتى القرن 18، كان لتحالف المؤسسة الدينية الشيعية والبلاط الملكي دور مهم في الهيمنة السياسية على العباد والبلاد، وذلك من خلال تعزيز ودعم حكم “الشاهات” في الإمبراطورية الصفوية، لكن أخذ البازار يلعب دوراً سياسياً بارزاً إلى جانب البلاط والمؤسسة الدينية خلال الإمبراطورية القاجارية، إثر رواج العلاقات الرأسمالية الوافدة من الغرب، وقد استمر الأمر على ذلك المنوال حتى قيام الثورة الإسلامية في فبراير 1979، إذ تغيّرت، خلال هذه الفترة التاريخية، التحالفات بين أضلاع المثلث: البازار، القصر، والمسجد، فلم يفقد البازار دوره السياسي الفاعل بعد الثورة، بل شهدت الساحة الاجتماعية تقسيماً جديداً للفئات والطبقات الاقتصادية، بمن فيهم التجار وأصحاب المحلات في البازار، مما أدى إلى اصطفافات سياسية مختلفة.
وعندما نتحدث عن “البازار في إيران” نقصد بذلك مؤسسة البازار التي تضم الأسواق الكبرى في المدن الكبرى، مع التركيز على “بازار طهران” الذي له حصة الأسد في الاقتصاد الإيراني، مما يمنحه تأثيراً سياسياً أكبر على مستوى البلاد.

البازار: لاعب رئيسي على الساحة السياسية
جلبت العلاقات الرأسمالية الناتجة عن الصناعات الوافدة من أوروبا، رياحاً هزت أركان المجتمع التقليدي في إيران، وأدت إلى تغيير في تحالفات المثلث الآنف الذكر، حيث أخذ البازار يتحالف مع المسجد ضد القصر، وقد أدى هذا التحالف إلى حركات شعبية احتجاجية ضد الحكم الفردي الاستبدادي لملوك القاجاريين، نشير هنا إلى أهمها: ثورة “التبغ” في عام 1891، والثورة الدستورية (1906 – 1908)، والحركة الوطنية لتأميم النفط في 1950، وانتفاضة 5 يونيو 1963، وأخيراً الثورة الإسلامية في فبراير 1979.
وقد انبثقت ثورة التبغ أساساً من البازار، وقام بها أصحاب المحال والتجار في بازار طهران؛ فيما شكّل البازار العمود الفقري للثورة الدستورية التي شارك فيها رجال دين وفئات اجتماعية أخرى ضد الشاه ناصرالدين القاجاري، كما دعم تجار البازار المؤيدون للزعيم الديني آية الله الكاشاني والزعيم الوطني محمد مصدق، الحركة الوطنية باعتبارهم جزءاً أساسياً من البرجوازية الوطنية التي تختلف مصالحها مع البرجوازية التابعة للغرب في إيران، وكان دعم التجار لانتفاضة 5 يونيو 63 (15 خرداد) وللثورة الإسلامية اللتين قادهما آية الله روح الله الخميني مفصلياً، فعلى سبيل المثال شكّل هؤلاء صندوقاً خاصاً لدعم الصحفيين المضربين عن العمل في الفترة بين 5 نوفمبر 1978 و6 يناير 1979، وهو أكبر إضراب شهدته الصحافة الإيرانية في تاريخها(2).

دور البازار في الثورة الإسلامية
يرى بعض الباحثين أن بازار ما قبل الثورة كان مؤسسة فاعلة ضمن المجتمع المدني الإيراني، استطاعت بفعل تحالفها مع مؤسسة رجال الدين أن تلعب دوراً بارزاً في تقييد النظام الملكي وإسقاطه في نهاية المطاف(3).
ويؤكد هؤلاء الباحثون أنه “خلال فترة التحضير للثورة الإسلامية (1978 – 1979)، قام تجار البازار ورجال الدين بتنظيم نحو ثلثي المظاهرات والمسيرات التي جابت شوارع المدن الإيرانية؛ كما أنهم قاموا بتشكيل 45 لجنة دعم مالي وُصِفت بلجان الرفاه (كميته هاى رفاه) لتأمين التكاليف المالية للحركة الثورية، وخلال هذه الفترة، سقط العديد ممن ينتمون للفئات والطبقات الوسطى والدنيا من العاملين في البازار أو من أعضاء عوائلهم”(3)، وبالأحرى؛ فإنهم سقطوا بين قتيل وجريح خلال المواجهات التي تمت خلال تلك الفترة بين الجيش الشاهنشاهي والمتظاهرين والمحتجين في الشوارع والمساجد والحارات.

بعد قيام الثورة
يقول الباحثان الدكتور حاضري والدكتور فرمي: “إن العلاقة بين البازار والحكومة تغيّرت بعد قيام الثورة، إذ ولج تجار البازار التقليديون مجتمع السياسة، وتسلموا مناصب سياسية واقتصادية في الدولة، وفقدوا بذلك سلطتهم في المجتمع المدني”(3).
فبالإضافة إلى كبار التجار في البازار، كمحسن رفيق دوست، وحبيب الله عسكر أولادي، وأسد الله عسكر أولادي، وسعيد اماني، ومحمد مهدي عبد خدائي الذين أصبحوا وزراءً ونواباً في البرلمان بعد قيام الثورة الإسلامية، ترأس بعضهم كتاجر الحديد حسين مهديان صحيفة كيهان العريقة التي تُعد من أكبر المؤسسات الثقافية في إيران، وقاد رفيق دوست السيارة التي حملت آية الله الخميني من المطار إلى مقبرة بهشت زهراء عند وصوله من باريس إلى طهران.
ورغم انقسام مؤسسة البازار بعد قيام الثورة إلى معسكر سياسي، موالٍ للنظام وآخر مدني، غير موالٍ، غير أن هذا الانقسام لم يَبرز بشكل جلي إلا بعد مرور أكثر من عقد على قيام الثورة، أي بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية في 1988، وبشكل أدقّ خلال عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (89 – 1997).
إذ قامت آنذاك حكومة رفسنجاني ذات الاتجاهات التحديثية المعروفة بالليبرالية الجديدة بإجراءات اقتصادية تتجاوز الاقتصاد الحربي الذي كان سائداً خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية (80 – 1988)؛ وسَعت لتوسيع دور مؤسسات التوزيع التابعة للحكومة، ودشّنت سلسلة متاجر حديثة “مولات” في العاصمة طهران وسائر المدن الكبرى، مما أثار استياء التجار التقليديين المتخندقين في “بازار” طهران، فأخذوا يعملون ضد المسبب الرئيسي لهذه الإجراءات، وهو غلامحسين كرباسجي رئيس بلدية طهران في الفترة 1989 – 1998، لا بل وبادر رجال الدين المتشددون المتحالفون مع البازار والمهيمنون على السلطة القضائية إلى محاكمة كرباسجي واعتقاله لمدة سنتين، ولم تشفع له أعماله الواسعة في تحديث مدينة طهران وتجميلها، وأدت تلك المبادرات الاقتصادية وافتتاح بيوت الثقافة وتأسيس صحيفة همشهري الخارجة عن طاعة المرشد الأعلى آنذاك إلى اعتقاله.

الحرس الثوري يكتسح الساحة وينافس البازار
كان رفسنجاني من فتح الباب أمام قادة الحرس الثوري للولوج في الشؤون الاقتصادية إبّان تصديه لرئاسة الجمهورية في إيران، وعندما اشتد عودهم أخذوا ينافسون الآخرين بمن فيهم الحكومة في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي (1997 – 2004).
في مايو 2004 حالت قوات الحرس الثوري دون افتتاح الرئيس الأسبق محمد خاتمي لمطار الإمام الخميني في طهران، وذلك بواسطة التحليق بمقاتلات فانتوم وميج 29 تابعة لقوة الحرس الثوري الجوية في سماء المطار، ومنع أي طائرة إيرانية كانت أم أجنبية من الهبوط فيه، ويعود السبب في الظاهر إلى احتجاج قوات الحرس الثوري على مشاركة شركة “اي تاو” التركية في مشاريع بناء المطار، لكن في الواقع، كان الحرس الثوري يطالب بحصة الأسد في تدشين المطار، وقد كان لنشر خبر هذا الحادث دوي في إيران والعالم، ووفقاً لصحيفة “انقلاب إسلامي” – الثورة الإسلامية – التابعة للرئيس الأسبق أبو الحسن بني صدر، فقد أخذ أحمدي نجاد، رئيس بلدية طهران الذي كان جنرالاً في الحرس الثوري الإيراني، يمنح خلال رئاسته لأمانة العاصمة (2002 – 2005)، التسهيلات للشركات التابعة للحرس الثوري في طهران، خاصة لمجموعتي “خاتم الأنبياء” و”خاتم الأوصياء”(4).
واستمر زحف العسكر على الساحة الاقتصادية، وحاول أن يهيمن أيضاً على الساحة السياسية، بما فيها البرلمان ورئاسة الجمهورية، كي يضمن توسيع نشاطه الاقتصادي، حيث بلغ عدد عناصره في الدورة السابعة للبرلمان الإيراني (2004 – 2008) نحو 70 – 80 نائباً (5)، وعندما تسلم محمود أحمدي نجاد منصب رئاسة الجمهورية، اتخذ تدخل الحرس الثوري والمافيات العسكرية – المالية في الاقتصاد الإيراني شكلاً علنياً، وبلغ حداً، أعلنت معه الحكومة أن قوات الحرس الثوري والباسيج (قوات التعبئة التابعة للحرس الثوري) تستطيع أيضاً أن تتدخل وتشارك في الشؤون السياسية، ويناقض هذا فرماناً أصدره مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني يمنع فيه قوات الحرس الثوري بشكل خاص، والعسكر بشكل عام، من التدخل في الشؤون السياسية للبلاد.
وقد أدت تدخلات الحرس الثوري في الانتخابات الرئاسية إلى انتخاب أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية في عامي 2005 و2009، وكذلك إلى مشاركة عناصرها كمرشحين في الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس البلدية، وشاهدنا خلال عهد أحمدي نجاد (2005 – 2013) تصاعداً ملحوظاً في عدد العناصر العسكرية، كنواب في البرلمان، ووزراء ونواب وزراء في الحكومة، ومحافظين في المحافظات وأعضاء في المجالس البلدية، كما زاد حجم الميزانية العسكرية في عهد أحمدي نجاد ضعف ما كان عليه في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وقد شملت المقاولات التي حصلت عليها الشركات التابعة للحرس الثوري، قطاع النفط والغاز أيضاً، ومنحت الحكومة مشاريع مربحة لهذه الشركات، وتم استبعاد القطاع الخاص – الضعيف من الأساس في إيران – من معظم المشاريع النفطية والطرق والسكن، كما استثمر الحرس الثوري في مجال النشر والإعلام والصحافة، ويملك حالياً وكالتي “فارس” و”تسنيم” للأنباء، بالإضافة إلى عدة صحف ومجلات، كما أنه استغل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران ليوسع من دائرة استيراد السلع والبضائع المهربة، مما حدا بالرئيس السابق أحمدي نجاد أن يصف قادة الحرس الثوري بـ”الإخوة المهربين” بعد أن اختلف مع المرشد الأعلى علي خامنئي في عام 2010، كما اتهم المرشح للرئاسة مهدي كروبي، خلال حملة الانتخابات الرئاسية في العام 2005 الحرسَ الثوري بإدارة موانئ سرية لتهريب السلع إلى الداخل.
ويقول المحلل الاقتصادي الإيراني سعيد قاسمي نجاد إن “قوات الحرس الثوري مرت خلال العقود الثلاثة الماضية بتطورات عديدة، وأقامت مجموعة عسكرية – اقتصادية معقدة، فلم يقتصر نشاطها على الاقتصاد العادي، بل طورت الاقتصاد السري، وزادت من سيطرتها عليه؛ وتحولت خلال هذه العملية إلى تشكيل عصابي ضخم، فلا عجب إذا حاول فيلق القدس (الذراع الدولية لعمليات الحرس الثوري) أن يستعين بالعصابات المكسيكية لتهريب المخدرات في عملية اغتيال السفير السعودي في واشنطن في العام 2011 “(5).
ويرى قاسمي نجاد أن “القوانين في إيران هزيلة جداً، ولهذا السبب ينتعش الاقتصاد السري فيها؛ ويشكل الحرس الثوري أحد اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال، وهو مصدر دخل غير قابل للمراقبة، وله أهمية خاصة لفهم طاقات الحرس وسلوكه”(5).
ويقدر هذا المحلل الاقتصادي قيمة الاقتصاد السري في إيران بنحو 140 مليار دولار، ويؤكد أنه “بإلقاء نظرة فاحصة على أنشطة الحرس الثوري سيتبيّن حصوله على نصيب الأسد من هذه التجارة غير الشرعية، وأنه يُعد أكبر مهرب في البلاد”(5)، وبما أن الحرس الثوري يسيطر على الحدود البحرية والجوية والبرية لإيران، فهو يسيطر بالتالي على الموانئ والمطارات والطرق، ولا يوجد أي مانع أمام قادته من استخدامها لتهريب السلع والحصول على أموال هائلة.

طبقة صاعدة تنافس الطبقة التقليدية في البازار
منذ أن عززت الشركات التابعة لقوات الحرس الثوري نفوذها في الاقتصاد الإيراني، ووسعت من دائرة نشاطها في هذا المجال، أوجدت بذلك فئة من التجار وأرباب العمل الذين ينتمون إلى الجيل الجديد من المحافظين، تختلف مصالحهم مع المحافظين القدماء الذين يمثلون التجار التقليديين في البازار، ويوصف هؤلاء بالبرجوازية البيروقراطية العسكرية، لانتمائهم إلى القادة الكبار في قوات الحرس الثوري الإيراني، ولا ننسى أن النفط والغاز يشكلان الدماء التي تحرك شريان الاقتصاد الإيراني، بما فيه مؤسسة البازار.
بدأ التجار التقليديون يشعرون بخطر منافسة البرجوازية العسكرية الصاعدة منذ العام 2008، واشتد التنافس والخصومة بين الفئتين بعد الانتفاضة الخضراء التي اندلعت في العام 2009، احتجاجاً على ما وُصف بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية في ذلك العام لصالح المرشح المتشدد والمدعوم من قبل الحرس الثوري محمود أحمدي نجاد، إذ قمعت قوات الحرس الثوري والباسيج بقسوة تلك الانتفاضة السلمية بعد بضعة أشهر من اندلاعها، وتم ضع قادتها، أي المرشحين المغبونين، مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزوجته تحت الإقامة الجبرية التي ما زالت سارية حتى اللحظة.
وقد شهدت أسواق (بازار) طهران وأصفهان خلال عامي 2009 و2010 إضرابات وإغلاقاً للمحلات التجارية بشكل متقطع، احتجاجاً على فرض ضرائب إضافية على إيرادات التجار العاملين في البازار، بل واستمرت هذه الإضرابات – بين الحين والآخر – حتى العام 2012، واتسعت رقعتها في صيف 2010 لتشمل بازار تبريز، عاصمة إقليم أذربيجان الواقع شمال غرب إيران، فقد أدت وطأة العقوبات وانخفاض الإيرادات النفطية إلى اتجاه حكومة أحمدي نجاد إلى مصادر محلية، وكان منها فرض ضرائب أكبر على التجار وأصحاب المحلات في البازار، لذا عزا بعض المحللين تلك الإضرابات إلى دوافع اقتصادية، غير أن محللين آخرين عزوا ذلك إلى تغيير الظروف السياسية والاقتصادية في البلاد بعد الأحداث الدامية التي شهدتها عام 2009، وتعزيز هيمنة قوات الحرس الثوري على المؤسسات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، مما أدى إلى تزايد الاستياء في صفوف تجار البازار بشكل عام، والناس بشكل خاص(6).
وقد أكد شعار “اُترك سورية، وفكّر بحالنا” الذي ردده المحتجون في بازار طهران وبعض المدن الأخرى خلال إضراباتهم المتقطعة في الفترة 2009 – 2012 على الفجوة المتزايدة بين التجار التقليديين في البازار والتجار الجدد المنتمين إلى البيروقراطية العسكرية في إيران.
وها هو النائب الأسبق لوزارة الداخلية الإيرانية والسجين الإصلاحي الحالي مصطفى تاج زاده يطلق اسم “انتفاضة البازار” على استياء تجار البازار واحتجاجاتهم، مؤكداً “أننا نشهد ولادة حركة جديدة، نصفها بالحركة الاجتماعية والاقتصادية ضد ما يقوم به العسكر من إجراءات تحط من العملة الإيرانية وكرامة الإيرانيين الوطنية”(7). ويشير تاج زاده بذلك إلى تداعيات العقوبات الغربية والدولية التي كانت مفروضة على إيران منذ عهد الرئيس السابق أحمدي نجاد وحتى أوائل العام 2016 والتي أدت إلى انخفاض سعر العملة الإيرانية وتدهور الاقتصاد الإيراني، كما أنه يؤكد على الخصومة بين العسكر المتمثلين بالحرس الثوري، وفئات واسعة من تجار البازار.
ولا ننسى أن للمتغيرات الإقليمية أيضاً دوراً في إضعاف مؤسسة البازار في إيران، بما فيها الدور الرائد لميناء دبي في التجارة مع إيران، وكذلك التأثير التجاري للمناطق الحرة في جزيرتي قشم (جسم) وكيش (قيس) على الأسواق الإيرانية.
يجب التأكيد هنا على أن مؤسسة البازار ليست متجانسة طبقياً، بل تتألف من فئات مختلفة؛ إذ تختلف المصالح الاقتصادية والسياسية والمكانة الاجتماعية بين الفئات العليا، أي فئة التجار الكبار من جهة، والفئات الوسطى والدنيا من جهة أخرى، فقد ولج التجار الكبار الذين أمنوا التكاليف المالية للثورة الإسلامية خلال الأشهر التي سبقت قيامها في فبراير 1979، ولجوا الطبقة السياسية وأصبحوا من أركان الحكم الجديد، لكنهم وبدل الإنتاج ركزوا على استيراد السلع والبضائع، وسيطروا على قطاع التوزيع، وقد استمرت هذه الحالة حتى ظهور الطبقة الجديدة التابعة للعسكر في الأعوام الأخيرة والتي أخذت تنافسهم في مجال الاستيراد والتوزيع، وتشعر الطبقة الوسطى والدنيا في البازار بأنها قريبة من فئات الطبقة الوسطى المدنية من حيث المصالح الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، بل – وإلى حد ما – في مجال تفكيرها السياسي، وقد عانت هذه الفئات من العقوبات، ورحبت برفعها في العام الثاني من عهد الرئيس حسن روحاني.
وقد أظهرت الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء في فبراير 2016 التشرذم السياسي في صفوف المحافظين الذين يمثلون مؤسستي البازار ورجال الدين والذين كانوا كتلة واحدة قبل ذلك، ويعود هذا التشرذم إلى الفرز الطبقي الجديد الناجم عن الصعود الاقتصادي للفئات التابعة للعسكر ومنافستها للتجار وأصحاب المحال التجارية في البازار خلال الأعوام الماضية، وقد شاهدنا فوز الإصلاحيين والمعتدلين على المحافظين في تلك الانتخابات بسبب انقسام صفوف المحافظين إلى مجموعات سياسية متخاصمة، وهو انعكاس لتناحرها على المستوى الاقتصادي.
وشهدنا مرحلة جديدة بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى في نوفمبر 2015 وتسابق الشركات الكبرى من أجل الحصول على حصة من الأسواق الإيرانية، وفيما يحذر المتنفّعون من الوضع الحالي للاقتصاد، الذي يسمونه “اقتصاد المقاومة”، من الانفتاح بوجه الشركات الأمريكية، ويرحبون بالشركات الأوروبية فقط، فإن الفئات الاقتصادية المؤيدة لحكومة روحاني ترى مصالحها في فتح الأسواق الإيرانية بوجه كل الشركات الغربية، بما فيها الأميركية، ويخشى مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي وقادة الحرس الثوري – المنتفعون مما يصفونه بالاقتصاد المقاوم – من التداعيات السياسية والثقافية للاستثمارات الغربية في إيران، إنهم يحذرون دوماً تسلل الثقافة الغربية – ومنها قضايا حقوق الإنسان – وضمور الروح الثورية الإسلامية في المجتمع الإيراني (من وجهة نظرهم)، ومن المتوقع أن يخلق الانفتاح الاقتصادي بين إيران والعالم – إذا لم يواجه العراقيل – طبقة برجوازية تابعة تشمل فئات من تجار البازار المقربين من الحكومة المعتدلة الحالية.

 

[1]
أحمد أشرف، موانع رشد سرمايه دارى در ايران"، انتشارات زمينه، تهران 1390 ه.ش، ص 101
[2]
محمد حیدری: حوار مع موقع تاریخ ایرانی https://soo.gd/lQBG
[3]
د. علي محمد حاضري ومهدي حسين زاده فرمي: "نقش سياسي بازار: تحليل تحولات دهه اول جمهوري إسلامي إيران" دراسة منشورة في مجلة "دانش سياسي" السنة السابعة، العدد الأول.
[4]
صحيفة "انقلاب إسلامي" – الثورة الإسلامية – الصادرة في المنفى؛ دراسة مسلسلة تحت عنوان "جريان تحول سپاه پاسداران به حزب سياسي مسلح" نشرتها في أعدادها: 693-694-695-696-697-698
[5]
سعيد قاسمي نجاد: "چگونه سپاه پاسداران مانند مافيا بر بازار سياه إيران حکومت می کند". مقال منشور في موقع "تقاطع" بتاريخ 28/12/2015
[6]
حوار في موقع بي بي سي الفارسي مع خبيرين اقتصاديين إيرانيين، آزاده كيان وجمشيد اسدي، في 15/7/2010 تحت عنوان "پژواک: اعتصاب در بازار تهران؛ معانی وپيامدهای احتمالی".
[7]
مصطفى تاج زاده: "پيوند اعتراضات بازار وجنبش سبز" في موقع "كلمة" التابع للحركة الخضراء في إيران.
يوسف عزيزي
يوسف عزيزي
باحث في الشؤون الإيرانية