تحوُّلات المشهد الانتخابي العراقي وتداعياتها على إيران في ضوء انتخابات 2021م

https://rasanah-iiis.org/?p=26418

استحوذت الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2021م على اهتمام الفواعل الداخلية والخارجية لاعتبارات تتعلق بمركزية العراق وأهميته الجيوسياسية في إستراتيجية تلك الفواعل، وطبيعة البيئتين الداخلية التي تشهد صراعًا محمومًا بين تيارين متعارضين حيال مستقبل العراق، أحدهما داعم لمسار الانتقال نحو الدولة بمفهومها الاستقلالي والسيادي والعروبي، والثاني يتمسك بالعراق ضمن مرحلة اللادولة والانجذاب إلى التأييد الإيراني.. والخارجية التي تتمثل في المساعي الإيرانية قُبيل انعقاد الانتخابات البرلمانية لخلق اصطفافات حزبية قوية تمكِّن أذرعها السياسية من تشكيل التكتل الأكبر لتسمية رئيس الحكومة الجديدة على نحو يخدم الأجندة الإيرانية في الساحة العراقية، وكذلك مساعي الفواعل الإقليمية والدولية للحدّ من التأثيرات الإيرانية في نتائج الانتخابات، بما يحول دون تحقيق مزيد من الهيمنة الإيرانية على المعادلة العراقية، ودفع العراق نحو تحقيق طموحات شعبه ومعالجة أزماته المستعصية، كأزمة الكهرباء، والتصدي للفساد، فضلًا عن تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية وسيادة واستقلال الدولة العراقية.

ونظرًا إلى أهمية نتائج الانتخابات وانعكاساتها على طبيعة التوازنات، سواء في الداخل العراقي أو بين الفواعل الإقليمية والدولية، كونها ستفرز كتلًا جديدة ذات أغلبية برلمانية لتسمية أعلى منصب تنفيذي في البلاد، ستعمل إمّا لصالح مسار الانتقال نحو الدولة، وإما لصالح مسار اللادولة، وشكْل الخريطة السياسية خلال السنوات الأربع القادمة.. فسوف تحلل هذه الدراسة نتائج الانتخابات وأيّ المسارين يمكن له أن يتحقق، وانعكاساتها على مستقبل الدور الإيراني في العراق، من خلال عدة محاور رئيسية، تتناول: بيئة الانتخابات ومركزية دور إيران، وخريطة التحالفات والقوى المتنافسة، والقضايا الانتخابية، ونتائج الانتخابات وحصص التحالفات، ودلالات التحول في المشهد الانتخابي، وحدود تأثير نتائج الانتخابات في الدور الإيراني في العراق. وذلك على النحو التالي:

أولًا: بيئة الانتخابات البرلمانية ومركزية دور إيران

أُنجزت الانتخابات البرلمانية المبكرة في ظل توقيت وبيئة مغايرة لبيئات الانتخابات السابقة، كانتخابات 2005م التي جاءت في ظل حكومة انتقالية وبعد عامين من الغزو الأمريكي للعراق، فيما أُجريت انتخابات برلمان العراق عام 2010م على خلفية المساعي الإيرانية وحلفائها في الداخل العراقي لترسيخ الطائفية في المعادلة العراقية، وأُجريت انتخابات 2014م بعد الانسحاب الأمريكي من العراق واندلاع ما يسمى بالاحتجاجات الشعبية العربية. أما انتخابات برلمان 2018م فأُجريت بعد أزمة استفتاء انفصال كردستان العراق، الذي أُجري في سبتمبر 2017م، فضلًا عن إعلان رئيس الحكومة العراقية الأسبق حيدر العبادي خلال عام 2017م القضاء على تنظيم داعش عسكريًّا، وإقرار البرلمان العراقي خلال 2016م قانون هيئة الحشد الشعبي لإدماج قوات الحشد بالجيش العراقي([1])، ولكن يظل عدم الاستقرار ملمحًا رئيسيًّا يجمع بين هذه البيئات الانتخابية كجزء من طبيعة المشهد العراقي منذ التدخل الإيراني في العراق بعد الغزو والاحتلال الأمريكي 2003م.

على الصعيد الداخلي، أُنجزت الانتخابات البرلمانية لعام 2021م عقب ثلاثة متغيرات رئيسية ألقت بظلالها على مخرجات الانتخابات البرلمانية وعلى المشهد الانتخابي العراقي برمّته، وهي:

1- انطلاق ما يسمى بـ«احتجاجات تشرين» في أكتوبر 2019م، وهي احتجاجات شعبية حاشدة جابت كل المحافظات العراقية، لا سيما الجنوبية التي تمثل الحاضنة الشيعية الشعبية الواسعة لإيران، احتجاجًا على تفاقم الأزمات، ورفضًا للتدخلات الخارجية في الشؤون العراقية، لا سيما التدخلات الإيرانية. ورفع المحتجّون -من كل فئات وأطياف وانتماءات ومناطق العراق- شعارات وهتافات معادية لإيران وأذرعها في العراق، مثل «إيران بره بره، والبصرة حرة حرة»، و«إيران بره بره، عراق تبقى حرة»([2])، وأضرم المحتجّون النيران في القنصلية الإيرانية بالنجف ثلاث مرات خلال الاحتجاجات، والقنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء التي يزورها الملايين من الشيعة سنويًّا، وحرقوا العلم الإيراني في عديد من المحافظات العراقية، خصوصًا المحافظات ذات الكثافة الشيعية([3])، وهاجموا صور المرشد وقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في عديد من المحافظات الشيعية، بالأحذية([4])، واستهدفوا مقرات الميليشيات المسلحة الموالية لإيران في بعض المدن العراقية، وغيَّر المحتجّون اسم شارع الخميني إلى شارع شهداء ثورة العشرين.

وكذلك أطلق المحتجون على مواقع التواصل الاجتماعي خلال ديسمبر 2019م حملات إلكترونية ضد إيران مثل هاشتاغ «خلوها_تخيس» على «فيسبوك» و«تويتر» ([5]) لمقاطعة المنتجات الإيرانية وتحويلها إلى بضائع فاسدة، ونشروا صورًا لأشهر المنتجات الإيرانية في الأسواق العراقية، مطالبين بمقاطعتها واستبدال أخرى عراقية بها. ومن بين تفاعلات العراقيين مع الحملة قيام شاب عراقي بإشعال النيران في سيارته من نوع «سابا» الإيرانية الصنع، تعبيرًا عن سخطه ورفضه للنفوذ الإيراني في العراق. وكشف مقطع فيديو انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي عن مجموعة من المحتجين وهم يرقصون فوق سيارة نوع «بيجو» الإيرانية الصنع، إذ بدا واضحًا أن المحتجين يريدون إتلاف السيارة وتكسيرها. والأغرب رد فعل مالك السيارة إذ قال ضاحكًا: «هذه سيارة إيرانية، لا أريدها بعد اليوم» ([6])، وقد أسفرت الاحتجاجات عن تقديم عادل عبد المهدي استقالته من رئاسة الحكومة العراقية في نوفمبر 2019م.

هذا المتغير يكشف عن حجم التذمر والسخط الشعبي العراقي من تعاظم النفوذ الإيراني، ممثلًا في تنامي دور الميليشيات المسلحة على حساب مصلحة المواطن العراقي، وخدمة وتنفيذًا للأجندة الإيرانية، وعن مدى رغبة الشعب العراقي في طرد إيران وميليشياتها وأذرعها من العراق، ويعكس أيضًا نمو إدراك ووعي المواطن العراقي بأبرز المخاطر التي تواجه دولته، ولذلك باتت إيران تواجه تحديدات جديدة في تنفيذ المشروع الطائفي العابر للحدود في أهمّ دولة في المشروع التوسعي الإقليمي. ومن ناحية أخرى كان لاستهداف الأذرع الإيرانية للنشطاء والمحتجين الرافضين للدور الإيراني في العراق الدافع الأكبر لتغيير الحالة المزاجية للناخبين وتصويتهم لغير صالح التحالفات المدعومة من إيران، وهو ما يبرز الضغط الشعبي على عملية تشكيل الحكومة لصالح تسمية رئيس حكومة يتبنى المطالب التشرينية.

2- يتمثل استخدام الكهرباء كورقة ضغط إيرانية ضد الحكومة العراقية في رفضها تزويد العراق بحصته من الغاز بذريعة عدم سداد الديون المستحقة نظير حصة الغاز، ولكن يفسر الخبراء ذلك بأن إيران تستخدم ورقة ضاغطة ضد حكومة الكاظمي لكونها تطمح إلى تحقيق التوازن الخارجي واستقلالية العراق وسيادته، وهو ما لا ترتضيه إيران لكونه يتعارض مع الحفاظ على مكتسباتها في الساحة العراقية، ولا يضمن لها تنفيذ بقية مخططاتها التوسعية. وتمثل الحصة الإيرانية للعراق نحو الثلث تقريبًا من إجمالي إنتاج العراق من الكهرباء([7])، لذلك يشكل خفض إيران لإمدادات الغاز للعراق منذ أكتوبر 2020م، ثم وقفها يوم 29 يونيو 2021م خطوط إمداد الكهرباء للعراق بشكل كامل([8])، أحد أهم أسباب معضلة الكهرباء العراقية. وفي ما يُعَدّ إدراكًا عراقيًّا للدور الإيراني في تعقيد الأزمة، تساءل الكاظمي في يوليو 2021م عن أسباب اكتفاء الحكومات طيلة الـ17 سنة الماضية بالربط الكهربائي مع إيران فقط في ظل تنويع كل دول العالم مصادرها من الكهرباء([9])، ولذلك بادرت حكومته بطرح مشروع الربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن ومصر لتنويع مصادر الطاقة وعدم الاكتفاء بمصدر واحد.

3- المتغير الثالث يتمثل في تحوُّل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بعد أن سلكت الأخيرة مسلكًا عسكريًّا ضد الأهداف الأمريكية في الساحة العراقية بواسطة ميليشياتها المسلحة، في إطار الضغوط المتبادلة لتعظيم الشروط التفاوضية ودفع الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات الاقتصادية القاسية، وتبني الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الخيار العسكري ضد التمركزات الميليشياوية الإيرانية في الساحة العراقية، بتقديم عديد من الضربات ضد الأهداف الإيرانية في المحافظات العراقية، وأبرزها التي حملت رسائل ردع أمريكية قوية للإيرانيين اغتيال مهندس المشروع الإيراني الإقليمي الجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس الإيراني، ورئيس هيئة الحشد الشعبي السابق أبو مهدي المهندس في يناير 2020م، وردّ إيران بضربات محدودة ورمزية تجاه قاعدة عين الأسد الجوية الأمريكية، وما زالت الضربات الميليشياوية للأهداف الأمريكية تتوالى في بغداد وأربيل في عهد الرئيس جو بايدن، وردّ الولايات المتحدة بالضربات العسكرية ضد التمركزات الميليشياوية في الساحتين العراقية والسورية.

وعلى الصعيد الخارجي، جرت الانتخابات العراقية لعام 2021م فيما يتباحث الجانبان السعودي والإيراني على الملفات الإقليمية العالقة، لا سيما النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، في إطار الجولة الرابعة من المحادثات بين الجانبين في العاصمة العراقية بغداد. كما تشهد منطقة الشرق الأوسط توازنات جديدة وتحولات عديدة فرض خلالها الرئيس بشار الأسد، الحليف الأهم لإيران، سيطرته من جديد على الدولة السورية المجاورة للعراق بفضل الدعم الروسي والإيراني، الذي يزيد اهتمام إيران بالعراق في ظل هذه الظروف التي تواجه فيها إيران ضغوطًا على الساحة السورية من إسرائيل وروسيا، وفي الساحة اللبنانية جراء توالي الاحتجاجات الرافضة لحزب الله اللبناني، أقوى ذراع عسكرية لإيران في المنطقة.

وكذلك أُجريت الانتخابات البرلمانية العراقية بعد أسابيع قليلة من تغيير الرئاسة الإيرانية بوصول الرئيس المتشدد إبراهيم رئيسي إلى سدة الحكم في إيران، وهو ما يحمل رسائل بمزيد من العسكرة في السياسة الخارجية الإيرانية وإعطاء الميليشيات المسلحة الدور الأكبر في تنفيذ الأجندة الإيرانية في ساحات النفوذ، ومنها الساحة العراقية.

أيضًا انعقدت الانتخابات فيما تشهد الولايات المتحدة إدارة جديدة منذ يناير 2021م بقيادة الرئيس جو بايدن، التي تتبنى الخيار الدبلوماسي في التعامل مع إيران لجرِّها نحو تعديل الاتفاق النووي، وإن لجأت إلى القوة المسلحة في بعض الأحيان ضد التمركزات الميليشياوية الإيرانية في الساحتين السورية والعراقية بشكل محدود. وما زالت مفاوضات فيينا لتعديل الاتفاق النووي متعلقة، في وقت تسعى فيه إيران لتنفيذ صفقات الأسلحة الموقعة مع الروس على خلفية رفع الأمم المتحدة قرار الحظر على شراء أو بيع إيران للأسلحة في أكتوبر 2020م، وهو ما تستطيع من خلاله إيران تحديث عتادها الحربي وإبرام مزيد من مبيعات الأسلحة، سواء لإيران أو لميليشياتها المسلحة وحلفائها في سوريا والعراق واليمن، بما يجعل من أذرع إيران أرقامًا معقدة في المعادلات الداخلية للدول في ساحات النفوذ.

تقدم بيئة الانتخابات البرلمانية العراقية تفسيرات للدور الإيراني الدؤوب في المشهد الانتخابي العراقي لخلق تحالفات انتخابية موالية، تمكّن أذرعه السياسية من تشكيل التكتل الأكبر لتسمية رئيس الحكومة الجديدة على الهوى الإيراني بما يضمن لإيران الحفاظ على مكتسباتها وتنفيذ بقية مخططاتها، كما أن التحديات الداخلية العراقية والخارجية المتراكمة أمام المشروع الإيراني الإقليمي لا تمنح إيران رفاهية قبول تراجع نفوذها في العراق، الذي يحظى بمركزية في الإستراتيجية الإيرانية لأهميته الجغرافية والاقتصادية والثقافية والأمنية لإيران.

ثانيًا: التحالفات والقوى المتنافسة

لتقديم تفسيرات للمساعي الإيرانية الدؤوبة تجاه الاصطفافات الانتخابية قُبيل إجراء الانتخابات التشريعية، بما يخلق تكتلًا شيعيًّا ذا تأثير وثقل يخدم إيران في معركة تسمية رئيس الحكومة العراقي الجديد يكون على الهوى الإيراني، لا بد من التطرق إلى طبيعة التركيبة الإثنية والطائفية العراقية، وشكل التحالفات الانتخابية، واختصاصات رئيس الحكومة التي تمنحه ثقلًا كبيرًا في المعادلة العراقية داخليًّا وخارجيًّا.

ينقسم الشعب العراقي عرقيًّا إلى عرقيتين كبيرتين، هما: العربية والكردية، مع وجود عرقيات صغيرة تمثل نحو 5% من الشعب مثل الشبك والتركمان. وينقسم طائفيًّا إلى: المسلمين والمسيحيين، وينقسم المسلمون الذين يشكّلون الغالبية العظمى من الشعب إلى مكونين: الأول شيعيّ، غالبيته من ذوي الأصول العربية مع أعداد من ذوي الأصول غير العربية والأصول الكردية. وتتمركز غالبية المكون بالمحافظات الجنوبية في النجف وكربلاء وزي قار والبصرة وبابل وواسط والقادسية وميسان والمثنى. والثاني سني، تتمركز غالبيته بشمال وغرب بغداد في الأنبار والسليمانية ونينوى وديالى وأربيل وصلاح الدين وكركوك ودهوك، فيما تجمع العاصمة بغداد خليطًا من المكونين الشيعي والسني. أمّا المسيحيون وأصحاب الديانات الأخرى من الصابئة وغيرها فأعدادهم قليلة للغاية، لا تتجاوز 2% تقريبًا.

شارك في الانتخابات التشريعية قرابة 44 تحالفًا انتخابيًّا، يضمّون مجموعة من الأحزاب والكيانات السياسية، إلى جانب عدد من المترشحين المستقلين لانتخاب 329 نائبًا بالبرلمان العراقي حسب قانون انتخابيّ جديد([10]) يقوم على النظام الفردي (التصويت الأحادي)، بحيث تذهب أصوات المقترعين إلى مرشحهم مباشرة، ويفوز الحاصل على أعلى الأصوات، بخلاف القانون القديم الذي يتبنى النظام النسبي القائم على أصوات القائمة الانتخابية. وفيما يلي أبرز التحالفات الانتخابية المتنافسة على الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي الجديد لعام 2021م:

1- التحالفات الشيعية: خاض المكون الشيعي الانتخابات البرلمانية بعدد من التحالفات، منها الطائفي ومنها شديد الطائفية ومنها العابر للطائفية، وذلك على النحو التالي:

أ-  الكتلة الصدرية: برئاسة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، واقتصرت الكتلة على مترشحين من التيار الصدري فقط، وخاضت الانتخابات بـ95 مترشحًا.

‌ب-  تحالف «الفتح»: يرأسه الأمين العام لمنظمة «بدر» -المقرب من إيران- هادي العامري، ويضم إلى جانب منظمته عددًا من الأحزاب السياسية لبعض ميليشيات إيران، مثل حركة «الصادقون» برئاسة الأمين العام لميليشيا «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، وحركة «الجهاد والبناء» برئاسة القيادي في الحشد الشعبي المدعوم من إيران حسن الساري، وتجمع «السند» برئاسة القيادي في الحشد النائب السابق أحمد الأسدي، و«المجلس الإسلامي الأعلى» برئاسة النائب السابق همام حمودي، ومترشحين عن كتائب «سيد الشهداء» برئاسة هاشم الولائي. وقد خاض الانتخابات بـ73 مترشحًا.

‌ج-  حركة «حقوق»: ويرأسها الناطق باسم «كتائب حزب الله العراقي» -أقوى حليف لإيران في العراق-حسين مؤنس (أبو علي العسكري)، وذلك قبل إعلانه تأسيس الحركة والاستقالة من الحزب في يوليو 2021م، وبذلك تعتبر الجناح السياسي للحزب، ومن بين أهدافها العمل على تحقيق الأهداف الإيرانية في العراق، لا سيما إخراج القوات الأمريكية من العراق. وقد خاضت الانتخابات بـ32 مترشحًا.

‌د- تحالف «دولة القانون»: يرأسه رئيس الوزراء العراقي الأسبق -المقرب من إيران- نوري المالكي، ويضم إلى جانب حزب الدعوة الإسلامية برئاسة المالكي عددًا من الأحزاب والحركات السياسية مثل «الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق» (شيعي)، حركة «إرادة»، حركة «البشائر»، حركة «معًا للقانون»، حركة «بداية». وقد خاض الانتخابات بـ72 مترشحًا.

‌هـ- تحالف «قوى الدولة الوطنية»: برئاسة زعيم تيار «الحكمة» عمار الحكيم، ويضم إلى جانب تيار «الحكمة» تحالف «النصر والإصلاح» برئاسة رئيس الحكومة العراقية الأسبق الدكتور حيدر العبادي، وتيار «المؤتمر الوطني»، و«المد العراقي»، و«وطنيون». وقد خاض الانتخابات بنحو 78 مترشحًا.

‌و- تحالف «العقد الوطني»: يتزعمه رئيس هيئة الحشد الشعبي المدعوم من إيران فالح الفياض، ويضم إلى جانبه عددًا من الحركات والأحزاب والتيارات مثل حركة «عطاء»، حركة «الحزم الوطني»، حزب «الثبات العراقي»، حزب «الوارثون» الإسلامي، تيار «الإصلاح الوطني»، تجمع «رجال العراق». وقد خاض الانتخابات بـ80 مرشحًا.

2- التحالفات السنّية: يلي المكون السني المكون الشيعي مباشرة في التركيبة الديمغرافية العراقية، ودام حكم السنّة للعراق من نهاية ستينيات القرن العشرين حتى مطلع الألفية الثالثة، وسيطر الشيعة على الحكم بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003م الذي أطاح بحكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وفي ما يلي أبرز التحالفات السنّية لعام 2021م:

أ-  تحالف «عزم العراق»: برئاسة رجل الأعمال خميس الخنجر، وإضافة إلى حزب «المشروع العربي» الذي يترأسه الخنجر، يضم عددًا من الأحزاب السياسية مثل حزب «الوفاء» برئاسة وزير الكهرباء الأسبق قاسم الفهداوي، وحزب «الحل» برئاسة جمال الكربولي -الموقوف بالعراق لتورطه في قضايا فساد- وحزب «التصدي»، وحزب «المسار المدني»، وحزب «المجد العراقي»، و«التجمع المدني للإصلاح»، و«الكتلة العراقية الحرة»، مع مشاركة شخصيات عراقية وازنة مثل خالد العبيدي وسليم الجبوري. وقد خاض الانتخابات بـ123 مترشحًا.

‌ب- تحالف «التقدم الوطني»: ويترأسه رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، ويضم إلى جانب حزب «التقدم» الذي يرأسه الحلبوسي حزب «الحق الوطني»، و«الخيار العربي»، و«مقتدرون للسلم»، و«تجمع التعاون»، و«تجمع نهضة جيل»، و«المبادرة الوطنية»، و«البناء». وقد خاض الانتخابات بنحو 105 مترشحين.

‌ج-  تحالف «المشروع الوطني العراقي»: برئاسة رجل الأعمال جمال الضاري، ويضم التحالف مجموعة من المعارضين المطالبين بعقد مؤتمر دولي حول العراق لمعالجة الأزمات الداخلية.

‌د- تحالف «جبهة الإنقاذ»: بقيادة رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق أسامة النجيفي.

3- التحالفات الكردية: المكون الثالث في المجتمع العراقي، ويلعب دورًا رئيسيًّا في حسم مسألة التكتل الأكبر لتسمية رئيس الحكومة الجديد. وقد خاضت التحالفات الكردية الانتخابات البرلمانية في كردستان العراق بـ146 مترشحًا للتنافس على 46 مقعدًا في مجلس النواب العراقي. ومن أبرز التحالفات الكردية المشاركة في الانتخابات:

أ- الحزب الديمقراطي الكردستاني: برئاسة الرئيس السابق لكردستان العراق مسعود البارزاني، واقتصرت قائمته على المترشحين من أعضاء الحزب، وخاض الانتخابات بـ55 مترشحًا في 11 محافظة داخل وخارج كردستان.

‌ب-  تحالف كردستان: برئاسة شريك بافل طالباني في رئاسة الاتحاد الوطني الكردستاني -ثاني أكبر الأحزاب الكردية في العراق- لاهور شيخ كنجي طالباني، ويضم إلى جانب الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة كنجي وبافل طالباني أحزابًا وحركات كردية أخرى، مثل حزب «العدالة» التركماني العراقي، وحزب «القرار» التركماني، وحزب «الإرادة» التركماني، وحزب «تركمان ايلي»، وحزب «الحق المدني» التركماني، وحركة التغيير الكردستانية، والحركة القومية التركمانية، وحركة الوفاء التركمانية، والجبهة التركمانية العراقية. وقد خاض الانتخابات بـ42 مترشحًا، بيد أن هناك أحزابًا قررت خوض الانتخابات بمفردها دون الانضمام إلى تحالفات، مثل «حراك الجيل الجديد» وجماعة «العدل» الكردستانية وحزب «كادحي كردستان»، إلخ.

4- المقاطعون للانتخابات: قاطع الانتخابات عديد من الأحزاب والحركات الجديدة التي ولدت من رحم الحركة الاحتجاجية المعروفة باسم «احتجاجات تشرين»، وبعض التحالفات والأحزاب القديمة مثل تحالف «الوطنية» برئاسة رئيس الوزراء الأسبق رئيس حزب الوفاق الوطني إياد علاوي، والتحالف المدني الديمقراطي برئاسة علي الرفيعي، ويضم الحزب الشيوعي العراقي وحزب البصمة الوطني، والتيار الاجتماعي الديمقراطي. ويبدو أن هناك حزمة من الأسباب تقف وراء مقاطعة الانتخابات، منها: عدم محاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين، واستمرارية الفساد بشكل كبير، وعدم معالجة أزمات الكهرباء والمياه والبطالة، وعدم ضبط السلاح المنفلت.

تكشف القراءة السياسية لخريطة التحالفات الانتخابية لبرلمان 2021م عن أربعة ملامح رئيسية:

1- استمرارية الانقسام بين التحالفات الانتخابية على الصعيدين الطائفي والعرقي كما كانت الحال في التحالفات الانتخابية لانتخابات عام 2018م.

2- امتدّ الانقسام إلى داخل المكونات العرقية والطائفية ذاتها، إذ انقسمت التحالفات الشيعية إلى أكثر من 5 تحالفات شيعية كبرى، والسنية إلى 4 تحالفات سنية كبرى. والأبرز خلال انتخابات 2021م الانقسام بين الأجنحة السياسية بين من يدينون بالولاء للمرجعية في قم وبين من يدينون بالولاء للنجف، ثم الانقسام داخل الأجنحة السياسية الموالية لإيران، التي تعكس الانقسامات التي تشهدها ميليشيات إيران المسلحة في العراق، إذ خاضت الأجنحة السياسية لأبرز ميليشيتين متناحرتين مواليتين للولي الفقيه الانتخابات: عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله العراقي، ضمن تحالفين مختلفين، فقد خاض الجناح السياسي للعصائب الانتخابات ضمن تحالف الفتح الذي يرأسه هادي العامري، فيما خاض الجناح السياسي لحزب الله العراقي الانتخابات ضمن حركة «حقوق».

3- مقارنة بانتخابات عام 2018م، زاد عدد التحالفات الانتخابية شديدة الطائفية في انتخابات 2021م، إذ أسس حزب الله العراقي -أقوى حليف في العراق لإيران- جناحًا سياسيًّا لخوض الانتخابات برئاسة أبو علي العسكري، كما أسس فالح الفياض المدعوم من إيران تحالف العقد الوطني لخوض الانتخابات، وذلك مقابل تراجع عدد التحالفات العابرة للطائفية، فقد تفكك تحالف «سائرون» العابر للطائفية الذي حصد المرتبة الأولى في انتخابات 2018م، وخاض التيار الصدري، الذي شكل الكتلة الأكبر في تحالف «سائرون»، الانتخابات بمفرده دون الانضمام إلى تحالفات شيعية، كما انضم تحالف الحكمة وتحالف النصر الذي حصد مرتبة متقدمة في انتخابات 2018م إلى تحالف جديد يسمى بتحالف قوى الدولة الوطنية برئاسة عمار الحكيم.

4- زاد عدد تحالفات المكون الشيعي على السني في التنافس على الانتخابات، فهناك 6 تحالفات شيعية بينها تحالفات شديدة الطائفية، خاضت الانتخابات مقابل بعض التحالفات السنية الجديدة، وبعض الأحزاب السنية غير المؤثرة في المعادلة العراقية.

هذه السمات تؤدي إلى تشتيت الأصوات بين التحالفات العرقية والطائفية على نحو يؤدي إلى استمرارية الإشكالية المستمرة مع كل دورة انتخابية، المتمثلة في عدم قدرة تحالف وحيد على تشكيل الحكومة الجديدة بمفرده، ومن ثم الدخول في سيناريوهات تشكيل الحكومة الجديدة ومضيّ وقت طويل للاتفاق على تشكيل حكومة، وعادة ما يُحسَم الأمر لصالح مرشح توافقي لتشكيل الحكومة، إذ يتطلب تشكيل الحكومة حصول التحالف على أغلبية المقاعد بالبرلمان العراقي 165 مقعدًا.

ويرتبط الانقسام بين التحالفات الشيعية بالخلافات المتنامية بين الأجنحة العسكرية والسياسية المدعومة من إيران بعد غياب سليماني عن المشهد وتراجع الدعم الإيراني، وذلك على ساحات النفوذ والسيطرة والموارد المالية والمعابر الحدودية وضرب الأهداف الأمريكية. وكذلك يرتبط الانقسام بالتنافس بين مرجعية النجف وقم، إذ يرفض المرجع الشيعي العراقي علي السيستاني السيطرة الإيرانية على مقاليد الأمور في المجتمع العراقي، ويرى في ذلك مساعيَ إيرانية لتقليص نفوذ الحوزة النجفية لصالح حوزة قم، لا سيما أن بين مرجعيتي النجف وقم خلافًا تاريخيًّا تجاه نظرية ولاية الفقيه، إذ ترفض المرجعية الدينية في النجف نظرية ولاية الفقيه وتطالب بفصل الدين عن الدولة وتدعو إلى تأسيس دولة مدنية([11])، ولذلك تجد مواقف التحالفات الانتخابية الشيعية تنقسم إلى فريقين:

  1.  يؤيد مرجعية قم، مثل تحالفات الفتح وحركة حقوق ودولة القانون، التي تحظى بدعم إيراني كبير، وهذا الدعم يشكل نقطة خلافية بين قم والنجف، إذ ترفضه الأخيرة، وقد كشفت الاحتجاجات الحاشدة التي شهدها العراق، لا سيما المحافظات الجنوبية ذات الظهير الشيعي، عن تدني شعبية النظام الإيراني عامّةً وخامنئي خاصّةً بين شيعة العراق.
  2.  يؤيد مرجعية النجف، التي ترفض المساعي الإيرانية للهيمنة على القرارات الداخلية والخارجية للدولة العراقية، ونبذ السلاح المنفلت، بما يعني رغبتها في دعم مسار الانتقال نحو الدولة بمفهومها السيادي والاستقلالي، مثل الكتلة الصدرية، وبعض ممن ينتمون إلى حزب الدعوة الإسلامية. لكن لا يزال السيستاني يحظى بتأثير واسع في العراق بدليل تلبية الآلاف من العراقيين دعوته بالانخراط لمحاربة «داعش» بعد فتواه حول الجهاد الكفائي في يونيو 2014م لمحاربة «داعش»، وحجم المشاركة الواسع للناخبين العراقيين خلال انتخابات 2005م نتيجة دعوته بالمشاركة في الانتخابات والتصويت على الدستور، مقارنة بعدم تأثير دعوته في نهاية سبتمبر 2021م العراقيين للمشاركة في الانتخابات لبرلمان 2021م بشكل كبير مقارنة بالدعوات السابقة بالنظر إلى تراجع نسبة المشاركة الشعبية بشكل ملحوظ.

وعادةً ما تكثف إيران ضغوطها قبل كل دورة انتخابية برلمانية في العراق منذ عام 2003م، بهدف حصول أذرعها السياسية على نسبة التكتل الأكبر لتسمية رئيس الحكومة العراقية الجديد، إذ يتيح ذلك لإيران تنفيذ مخططاها وتحقيق طموحاتها لأن نظام الحكم العراقي نظام برلماني وفق الدستور العراقي الصادر عام 2005، يشكل فيه منصب رئيس الحكومة أعلى منصب تنفيذي في البلاد يمنحه الدستور سلطات وصلاحيات تنفيذية واسعة([12])، فهو المسؤول التنفيذي الأول والمباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وله الحق بإقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب، والتوصية إلى مجلس النواب بالموافقة على تعيين السفراء، ورئيس أركان الجيش، ورئيس جهاز المخابرات، ورؤساء الأجهزة الأمنية، والتفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية والتوقيع عليها، واقتراح مشروعات القوانين، ولذلك تحرص إيران على تسمية رئيس حكومة عراقي على الهوى الإيراني.

ثالثًا: القضايا والبرامج الانتخابية

البرامج الانتخابية للتحالفات المتنافسة للحصول على النسبة الأعلى في برلمان 2021م اشتملت على عدد من القضايا وثيقة الصلة بالمرحلة الراهنة، لا تختلف كثيرًا عن قضايا انتخابات 2018م، مثل الفساد وهوية العراق ومستقبله، التي كان لها بالغ الأثر في حصة كل تحالف من التحالفات في توزيع الحصص وفق نتائج الانتخابات. ومن بين أبرز القضايا الانتخابية ما يلي:

1- معالجة الأزمات الخدمية ومحاربة البطالة والفقر: تضمنت غالبية البرامج السياسية للتحالفات تداعيات أزمة الكهرباء وسبل معالجتها كأولوية قصوى بجانب قضايا الفساد، إذ بات عدم معالجة أزمة الكهرباء أبرز تحدٍّ أمام الحكومات العراقية المتعاقبة، لكون الأزمة الدافع الأبرز لخروج الاحتجاجات الحاشدة التي أطاحت بحكومات سابقة مثل حكومة عبد المهدي، وستظل تحديًا كبيرًا أمام الحكومة الجديدة لعدم الجدية في معالجة أسبابها. ويشكل الامتناع الإيراني عن تقديم حصة الكهرباء إلى العراق، كورقة ضغط ضمن أوراق عديدة ضد الحكومة العراقية لعرقلة خطاها نحو الانتقال إلى الدولة المستقلة ذات السيادة، أحد أهم أسباب معضلة الكهرباء في العراق. وكذلك احتلت أزمة الفساد أولوية متقدمة في برامج التحالفات الانتخابية، لحصول العراق على تصنيف مُقلِق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2020م، إذ احتل المرتبة رقم 160 من بين 180 دولة خلال 2020م ضمن تقرير منظمة الشفافية العالمية([13]).

وقد أدى الفساد إلى اختفاء ما يعادل ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق منذ عام 2003م، وقدرت هيئة النزاهة التي تشكلت لمحابة الفساد بعد تعيين الكاظمي رئيسًا للحكومة العراقية اختفاء قرابة 500 مليار دولار على مدى السنوات الـ17 الماضية في شكل عقود وهمية، وذكرت أنها استعادت أكثر من 3 مليارات دولار، اختُلست خلال العامين الماضيين فقط، بعد أن جرى استثمارها في شراء عقارات بلندن([14])، وتحتل محاربة الفساد أولوية كبرى لدى العراقيين لكونه حوّل العراق ذا الموارد النفطية الكبيرة إلى دولة عاجزة عن تلبية متطلبات المواطنين، وأدخل العراقيين ضمن دائرة الفقر، وأدى إلى عجز الخدمات العامة مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم التي دفعت المواطنين إلى الخروج في احتجاجات حاشدة.

ويقول الكاتب العراقي مثنى الجادرجي: «لتفشي الفساد وشيوعه في العراق أسباب مختلفة، لعل أهمها وأخطرها دور النظام الإيراني صاحب أكبر وأسوأ نفوذ في العراق»، مضيفًا: «هذا النظام لكي يضمن بقاء واستمرار نفوذه في بلد مهم وإستراتيجي كالعراق فإنه لا بد من أن يبعد الشخصيات ذات الحس والشعور الوطني عن مراكز القيادة والمسؤولية، ولا بد من أن يجعلها دائمًا بأيدي بيادق تابعة له ومسيرة من جانبه ولا تخرج عن طاعته»، موضحًا أن «محاربة الفساد، والقضاء المبرم عليه، وتخليص الشعب العراقي من شره المستطير، تبدأ من محاربة نفوذ النظام الإيراني والقضاء عليه»([15]).

2- استقلالية العراق وسيادته: احتوى بعض البرامج الانتخابية لبعض التحالفات، مثل تحالف الصدر والنصر والحكمة وغيرهم ممن يؤيدون مرجعية النجف، على أولوية مسألة سيادة العراق واستقلاليته، ومن ثم ركزت هذه البرامج على ضرورة عودة العراق إلى موقعه الريادي واستقلالية قراراته وتوجهاته عبر المضيّ قُدمًا في مسار الدولة بمفهومها السيادي والاستقلالي والعروبي، ضمن أُسس وطنية غير طائفية، والتحرك بجدّية نحو حصر السلاح المنفلت بيد مؤسسات الدولة، وكبح جماح ميليشيات إيران المسلحة المنتشرة في ربوع الدولة العراقية، ورفض التدخلات الخارجية بما فيها الإيرانية والأمريكية، فيما أغفل بعض البرامج الخاصة بالتحالفات الأخرى، مثل تحالف الفتح ودولة القانون وغيرهم ممن يؤيدون مرجعية قم، مسألة سيادة العراق واستقلاليته في برامجها، لتمسكها بمسار اللادولة باستمرارية السلاح المنفلت وانتشاره في المناطق الإستراتيجية للدولة العراقية حتى يظل العراق ضمن السيطرة الإيرانية من خلال ميليشياتها المسلحة، وهذه المسألة كان لها بالغ التأثير في التصويت لصالح التحالفات الانتخابية من عدمه.

3- التوازن في العلاقات الخارجية: تميل برامج التحالفات العابرة للطائفية إلى تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية بعودة العراق إلى محيطه العربي، وعدم الارتهان لإيران وأذرعها المسلحة التي أضرت بالعراق وموقعه ومكانته وجعلته ضمن الدول المأزومة التي تعاني أزمات مستعصية عديدة رغم موارده النفطية الهائلة، فيما يميل بعض برامج التحالفات الطائفية المدعومة من إيران مثل الفتح وتحالف دولة القانون إلى بقاء العراق ضمن دائرة النفوذ الإيراني، وقد شكل التوازن في العلاقات الخارجية قضية محورية لتصويت الناخب العراقي لصالح التحالفات الانتخابية المولية عروبة العراق أولوية في برامجها الانتخابية، إذ إنّ عديدًا من الناخبين ينظرون إلى العراق كدولة حضارية عريقة الأصالة والمكانة والدور.

رابعًا: نتائج الانتخابات وحصص التحالفات

يتكون مجلس النواب العراقي من 329 مقعدًا، حسب قانون انتخابات مجلس النواب العراقي الجديد رقم 9 لسنة 2020م، موزعين على المحافظات العراقية الثماني عشرة استنادًا إلى عدد سكان كل محافظة (الشكل رقم 1)، وتنقسم المقاعد إلى: المقاعد الاعتيادية 237 مقعدًا، والمقاعد المخصصة للمكونات (الكوتا) 83 مقعدًا (74 مقعدًا للنساء و9 مقاعد للمكونات: 5 للمكون المسيحي في بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد للمكون الكردي الفيلي(*) في واسط، ومقعد واحد لمكون الشبك في نينوى، ومقعد واحد للمكون الإيزيدي في نينوى، ومقعد واحد للمكون الصابئي في بغداد)([16])، وبذلك يصبح عدد مقاعد المكون الإسلامي (سني وشيعي) في البرلمان 320 مقعدًا.

شكل (1): توزيع مقاعد البرلمان العراقي لمختلف المحافظات

المصدر: إعداد مركز البحوث والدراسات، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، بالاعتماد على بيانات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية، تعليمات توزيع المقاعد لانتخابات مجلس النواب العراقي 2021م، تاريخ الاطلاع: 11 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3anJsg9.

وحسب الموقع الرسمي للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، جاء توزيع حصص التحالفات الانتخابية في برلمان العراق 2021م، على النحو التالي:

(المرتبة الأولى) الكتلة الصدرية: احتلت المرتبة الأولى بحصولها على 73 مقعدًا (ما نسبته 22%) من إجمالي 329 مقعدًا بالبرلمان العراقي، متقدمة بنحو 19 مقعدًا عن تحالف «سائرون» الذي حصد المرتبة الأولى في انتخابات 2018م بحصوله على 54 مقعدًا، ما سيمنح الصدر وضعًا أفضل في مفاوضات اختيار من سيتولى أعلى منصب تنفيذي في البلاد([17])، وتعود صدارة الكتلة الصدرية إلى ملامح برنامجها الانتخابي، وهي:

(2) عابر للطائفية: تُعَدّ الكتلة الصدرية أهم القوى الشيعية الأكثر شعبية وقوة في العراق بنزولها على مطالب المحتجين الذين يرفضون نظام المحاصصة، وبتمسكها بالبعد الوطني ورفض الطائفي ودعوتها لحماية السيادة العراقية بما يتناسب والحضارة العراقية، ووضع حدّ للتدخلات الخارجية، وضبط السلاح المنفلت، ووضعه تحت سيطرة الجيش، ورفض هيمنة مرجعية قم على القرار العراقي، وعودة العراق إلى محيطه العربي.

تكررت هذه القضايا في الخطاب الذي ألقاه الصدر بعد إعلان النتائج الأولية، الذي وصف فيه فوز كتلته بأنه نصر للإصلاح بقوله: «إنه يوم انتصار الإصلاح على الفساد، ويوم انتصار الشعب على الاحتلال والميليشيات والفقر والظلم والاستعباد. يوم أزيحت فيه الطائفية والعرقية والحزبية لتفتح أبواب العراق والعراقيين، فلا فرق بين أحد منهم ونحن لهم خادمون»، مضيفًا: «إنه يوم الأقليات المضطهدة، وإنه يوم الشيعي المحروم، ويوم السني المظلوم، ويوم الكردي المهموم»، مستطردًا: «كل السفارات مرحب بها ما لم تتدخل في الشأن العراقي وتشكيل الحكومة، وأي تدخل فسيكون لنا ردّ دبلوماسيّ أو لعلّه شعبي يليق بالجرم، فالعراق للعراقيين فقط، ولن نسمح بالتدخل على الإطلاق، ومن الآن فصاعدًا يجب حصر السلاح بيد الدولة، ويُمنع استخدام السلاح خارج هذا النطاق.. فقد آن للشعب أن يعيش بلا احتلال ولا إرهاب ولا ميليشيات تخطف وتروع وتنقص من هيبة الدولة، فالعراق عراق المرجعية وعراق الحكماء والعقلاء والوجهاء»([18]). ومن ذلك يتضح التمسك الصدري الشديد بحصر سلاح الميليشيات بيد الدولة، ورفض التدخلات الخارجية وبينها الإيرانية، وتحقيق استقلالية العراق وسيادته.

(2)  إدراكه لهموم المواطن العراقي: أولت الكتلة الصدرية في برنامجها محاربة الفساد الأولوية القصوى لمعالجة الأزمات العراقية، وأكدت منحها أزمات الكهرباء والبطالة والمياه أولوية متقدمة لتحقيق مستوى معيشة أفضل للمواطنين يتناسب وحجم الموارد العراقية وتاريخ العراق وحضارته، وسبق أن هتف أنصاره ضد إيران وميليشياتها المسلحة في العراق والفساد، مشددين على استقلالية القرار العراقي([19]).

علاقاته الجيدة داخليًّا وخارجيًّا: بات الصدر يحظى بعلاقات جيدة داخليًّا مع عديد من التحالفات السنية والكردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وعلاقات جيدة أيضًا مع الشيوعيين والعلمانيين من جراء حشد أنصاره لمساندتهم في الاحتجاجات التي تلت انتخابات برلمان 2018م ضد الفساد، وبعلاقات جيدة خارجيًّا مع عديد من الدول الخليجية والعربية المرحبة بعودة العراق إلى محيطة العربي، وقد تلاقي كتلته قبولا غربيًّا وأمريكيًّا لعاملين: الأول تأكيده استقلالية القرار العراقي ورفض الهيمنة الإيرانية، الثاني انفتاحه على حلفاء واشنطن الإقليميين، لا سيما المملكة العربية السعودية، نتيجة مساعي الصدر لعودة العراق إلى محيطه العربي.

(المرتبة الثانية) تحالف التقدم الوطني: بخلاف انتخابات 2018م، التي حلّت فيها التحالفات السنية في المراتب الدنيا، أحرز التحالف الذي يُعَدّ من أبرز التحالفات السنية التي خاضت من خلالها القوى السنّية الانتخابات البرلمانية لعام 2021م تقدمًا كبيرًا للغاية، بإزاحته تحالف الفتح المدعوم من إيران والذي حظي بالمرتبة الثانية في انتخابات 2018م، وذلك بتبوُّئِه المرتبة الثانية بحصوله على 38 مقعدًا في انتخابات 2021م، وهو ما يكشف عن مؤشر غاية في الأهمية يتمثل عودة ثقة الناخب السني بالقيادات السنية، وبداية إدراك ووعي سني بأهمية الصوت الانتخابي ومزاحمة الأصوات الانتخابية لتحقيق قدر من التوازن في الداخل العراقي مع التحالفات الشيعية، خصوصًا بعد أن تراجعت حصص التحالفات السنية خلال دورات الانتخابات السابقة نتيجة تبني الشيعية منذ سيطرتهم على الحكم سياسة استئصال وتهجير بحق أبناء المكون السني، وهي سياسة إيرانية ممنهجة للتأثير في نتائج الانتخابات لصالح التحالفات الشيعية([20])، فضلًا عن أن المكون السني لم يكن لديه ثقة بقدرة كل القيادات السنية المترشحة.

(المرتبة الثالثة) تحالف دولة القانون: تقدم التحالف المقرب من إيران مرتبة خلال انتخابات 2021م، إذ حصد المرتبة الرابعة في انتخابات 2018م بعدد مقاعد 26 مقعدًا، فيما احتل المرتبة الثالثة في انتخابات برلمان 2021م بحصوله على 37 مقعدًا، ما يعني قدرة التحالف على الحشد للانتخابات.

(المرتبة الرابعة) الحزب الديمقراطي الكردستاني: مقارنة بعدد مقاعده في انتخابات برلمان عام 2018م التي بلغت 25 مقعدًا، تقدم الحزب الديمقراطي الكردستاني في انتخابات برلمان 2021م من المرتبة الخامسة إلى المرتبة الرابعة بحصوله على 32 مقعدًا، ما يعني أنه حصد 7 مقاعد جديدة في برلمان 2021م، وهو ما يؤشر على تصويت الناخبين للحزب لدعمه على ما يبدو لمسار الانتقال نحو الدولة ومطالب المحتجين في تشرين 2019م.

(المرتبة الخامسة) تحالف الفتح: يُعَدّ تحالف الفتح المدعوم من إيران من أبرز القوى الخاسرة في انتخابات 2021م، بتراجعه من المرتبة الثانية في انتخابات برلمان 2018م بحصوله على 47 مقعدًا إلى المرتبة الخامسة في انتخابات برلمان 2021م بحصوله على 14 مقعدًا فقط، ما يعني خسارته 33 مقعدًا في برلمان انتخابات 2021م، ومن ثم تُعَدّ النتيجة بمثابة تراجع مدوٍّ للتحالف على صعيد الحياة السياسية العراقية، وقد يعود ذلك إلى تنامي إدراك ووعي الناخب العراقي بخطورة التحالفات الشيعية المدعومة من إيران على مستقبل العراق، إذ يرى المواطن بنفسه نتائج الحضور الإيراني في العراق لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمان، إذ تراجعت الأوضاع الاقتصادية وتدهورت الحياة السياسية وانقسم الشعب العراقي على أُسُس طائفية مذهبية، وتراكمت الأزمات والمشكلات الخدمية والاقتصادية والأمنية والسياسية، وتحوّل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

وبتعرض القوى الشيعية عامة وتحالف الفتح -الحليف الأقرب لإيران- خاصة لهزيمة مدوية في انتخابات 2021م، لم يكن إعلان الإطار التنسيقي للقوى الشيعية وتحالف الفتح رفضهم الكامل للنتائج الأولية للانتخابات المبكرة مفاجئًا، لما له من انعكاسات سلبية على مستقبل التحالفات الشيعية في العراق، إذ أكد القيادي بالفتح أبو ميثاق المساري وجود ظلم كبير وقع على الفتح في الانتخابات([21])، وأعلن الإطار التنسيقي للقوى الشيعية رفضه الكامل لنتائج الانتخابات، محملًا مفوضية الانتخابات المسؤولية الكاملة عما وصفه بـ«فشل الاستحقاق الانتخابي»([22])، ويشكل عدم الاعتراف بالنتائج رفعًا للسقف من جانب التحالفات الشيعية لإجبار التحالفات الفائزة على تقديم التنازلات لصالحها في أي عملية تفاوض لتسمية رئيس الحكومة الجديد تجنبًا لدخول العراق في سيناريو تفجير الساحة أو أزمة سياسية ممتدة.

(المراتب المتأخرة): حصد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني 15 مقعدًا ليأتي في المرتبة السادسة، فيما حلّ تحالف العزم في المرتبة السابعة بحصوله على 14 مقعدًا، وجاءت حركة الجيل الجديد في المرتبة الثامنة بحصولها على 9 مقاعد. أما الخسارة المدوية وغير المتوقعة، التي فاجأت الأوساط السياسية في الداخل والخارج، فهي خسارة تحالف قوى الدولة الذي يضم كلًّا من تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وتحالف النصر بزعامة حيدر العبادي، بعدما تراجع تحالف النصر خلال انتخابات 2018م إلى المرتبة الثالثة بعد «سائرون» و«الفتح» بحصوله على 42 مقعدًا في انتخابات 2021م هو وتحالف الحكمة الذي حصد 20 مقعدًا في انتخابات 2021م، بحصول التحالفين خلال انتخابات 2021م على 4 مقاعد فقط([23])، بمعنى خسارتهم نحو 58 مقعدًا من إجمالي عدد مقاعدهم البالغ 62 في انتخابات برلمان 2018م، أما الاتحاد الوطني الكردستاني فقد خسر بعض المقاعد.

خامسًا: دلالات التحول في المشهد الانتخابي العراقي

تكشف نتائج الانتخابات وحصص التحالفات الشيعية والسنية والكردية التي خاضت انتخابات برلمان 2021م عن الاستنتاجات التالية:

  1.  معضلة التكتل الأكبر: كشفت نتائج الانتخابات عن عدم حصول أي من التحالفات الانتخابية المشاركة على الأغلبية النسبية المتمثلة في 165 مقعدًا لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وبالتالي فالسيناريو المتوقع للحصول على الأغلبية لتسمية رئيس حكومة جديد يتمثل في التكتل بين بعض التحالفات لتشكيل حكومة توافقية أو حكومة تسوية تتفق عليه التحالفات الانتخابية المتكتلة لتشكيل الحكومة الجديدة.
  2. 2-   التحول في وعي وإدراك الناخب العراقي: يبرز تنامي الوعي والإدراك العراقي الذي ظهر جليًّا منذ تنظيم انتخابات 2018م لحضارة العراق الممتدة عبر التاريخ وانتمائه إلى محيطة العروبي، مقابل نبذ التحالفات ذات النزعة الطائفية بتصويت الناخبين لصالح تحالف «سائرون» العابر للطائفية آنذاك، وارتفع وعي وإدراك الناخب بشكل ملحوظ وكبير للغاية خلال 2021م، بتقديم الناخبين ضربة مدوية إلى التحالفات الشيعية ذات النزعة الطائفية، بعدم تصويتهم لها باستثناء تحالف دلة القانون، فقد تراجع تحالف الفتح إلى المرتبة الخامسة بعدما كان في المرتبة الثانية في انتخابات 2018م، والتراجع الكبير لتحالفَي النصر والحكمة بحصدهما 4 مقاعد فقط، ما يعني خسارتهم 58 مقعدًا عند المقارنة بعدد مقاعدهم في برلمان 2018م.
  3. 3-   تشوُّه إدراك إيران لميول الناخب العراقي: هذه النتيجة وثيقة الصلة بسابقتها، إذ بات المواطن العراقي الرقم الأكثر تأثيرًا في العمليتين السياسية والانتخابية خلال الأعوام الخمسة الماضية، ولعب الدور الأكبر بواسطة الاحتجاجات الحاشدة في عدم قدرة رئيس الحكومة العراقية الأسبق الدكتور حيدر العبادي على الحصول على ولاية جديدة بعد انتخابات 2018م، وفي الإطاحة بحكومة عادل عبد المهدي في نوفمبر 2019م من خلال احتجاجات تشرين 2019م، وفي تقديم قرار عقد الانتخابات البرلمانية من 2022م إلى انتخابات مبكرة أجريت خلال أكتوبر 2021م، والأهم قدرة رئيس الحكومة العراقية الحالي مصطفى الكاظمي على وضع برنامج سياسي لحكومته يعلي من مسار الانتقال نحو الدولة واستقلاليتها وعودتها إلى محيطها العربي، وهو ما يتعارض والمخططات الإيرانية في الدولة العراقية، فقد بات المواطن العراقي، خصوصًا من الشريحة الشبابية، منفتحًا رافضًا للعمائم والمؤدلجين بحكم اطلاعه على التجارب العالمية الناجحة، وتطلعه إلى الحريات والحقوق ومواجهة الفساد، وهذه نتيجة غاية في الأهمية ينبغي استثمارها والتعويل عليها ضد المشروع الإيراني في المنطقة العربية لكون هذه الأجيال الشابة ليست في صالح المشروع الإيراني، وهذا يعكس سوء إدراك إيراني بالتحولات الفكرية لدى الشرائح الشبابية، وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات لعام 2021م، بتقديم الناخب ضربة إلى التحالفات الشيعية المدعومة من إيران مقابل التصويت للكتلة الصدرية العابرة للطائفية التي نزلت على مطالب المحتجين ولامست هموهم وقضاياهم.
  4. 4-   أزمة ثقة الناخب بالمؤسسات التقليدية: يكشف تراجع نسبة التصويت في الانتخابات من 44.5 خلال انتخابات عام 2018م إلى 43% خلال انتخابات 2021م، بتصويت 9.6 مليون ناخب من أصل 22.1 مليون ناخب يحق لهم التصويت حسب أرقام مفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عن استمرارية أزمة ثقة الناخب بالعملية السياسية برمتها، وهذا من ناحيةٍ مؤشر على عدم رضا المواطنين والمحتجين الذين شاركوا في الحراك الاحتجاجي الذي أطاح بحكومة عبد المهدي عن العملية السياسية والتشريعية، وفقدانهم الثقة بقدرة البرلمان على الدفع نحو تلبية مطالبهم الاحتجاجية، خصوصًا محاكمة مرتكبي جرائم قتل المحتجين والنشطاء، أو حتى معالجة المشكلات المستعصية مثل أزمة البطالة والكهرباء والمياه الصالحة للشرب، فضلًا عن أزمة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة. ومن ناحية أخرى هو مؤشر على عدم اكتراث الناخبين لدعوات رجال السياسة والدين (دعوات المرجعية العليا بالنجف) للمشاركة في الانتخابات، من واقع تراجع نسبة التصويت في انتخابات 2021م مقارنة بنسب المشاركة خلال انتخابات 2005 تلبية لدعوات المرجعية، وتلبية الآلاف من العراقيين دعوتها بالانخراط لمحاربة «داعش» خلال 2014م.
  5. 5-   اتساع رقعة الخلاف بين أقطاب البيت الشيعي: بفوز الكتلة الصدرية بالمرتبة الأولى في الانتخابات المبكرة، وتأكيد الصدر المضيّ قُدمًا ضمن مسار الدولة بمفهومها السيادي والاستقلالي والعروبي عبر حصر السلاح في يد الدولة، وتحويل العراق إلى دولة قوية غير تابعة، وتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية من ناحية، ورفض الإطار التنسيقي للقوى الشيعية وتحالف الفتح لنتائج الانتخابات برمتها من ناحية ثانية، فمن المتوقع صعود الانقسام بين أقطاب البيت الشيعي بين من يدعمون الأجندة الإيرانية من أمثال التحالفات الشيعية ذات النزعة الطائفية، ومن يدعمون مسار الدولة المستقلة في قرارها من التحالفات الشيعية المتوازنة العابرة للطائفية، وسيتعمق الانقسام بين أقطاب البيت الشيعي مع كل مرحلة تخطوها التحالفات الشيعية ضمن خطوات استكمال المعركة الانتخابية عند التكتل لخلق التكتل الأكبر لتسمية رئيس حكومة جديد، وصحيح أن الانقسامات بين التحالفات الشيعية ليست جديدة لكن نتائج هذه الانتخابات تُظهِر بأنّ الانقسامات ستصل إلى مستويات حادّة من الانقسام، وتؤثر في قوة وشكل الدولة العراقية ذاتها، وطريقة إدارتها، وشكل تحالفاتها وعلاقاتها الخارجية، ومستقبلها، ومن المتوقع أن تتعمق أكثر وأكثر بعد الانسحاب العسكري الأمريكي وإنهاء المهامّ القتالية للقوات الأمريكية الباقية بالعراق بنهاية ديسمبر 2021م.
  6. 6-   تحوُّل ثقافة المجتمع تجاه مشاركة المرأة في العمل النيابي: ظلّت المرأة العراقية طيلة الدورات الانتخابية السابقة بالكاد تحصل على عدد المقاعد المخصصة لها في البرلمان (الكوتا)، ولكن تمكنت خلال انتخابات 2021م من تحقيق نتائج لافتة بفوزها بـ97 مقعدًا، من بينها 57 امرأة فازت بقوتها التصويتية من دون الحاجة إلى الكوتا، وذلك لمشاركتها القوية في الحراك الاحتجاجي منذ احتجاجات تشرين 2019م ضد عمليات الفساد والبطالة وأزمة الكهرباء والمياه والتدخلات الخارجية، وهذا مؤشر جيد وتطور كبير في ما يتعلق بدعم المرأة وتغيير ثقافة المجتمع العراقي تجاه الدور الكبير للمرأة ومنافستها العنصر الرجالي في المجلس النيابي.
  7. 7-   تعاظم فرص تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية للعراق: ظل العراق لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمان منذ الغزو الأمريكي للعراق تابعًا لإيران ولأنصار مسار اللادولة والسلاح المنفلت ممن يدينون بالولاء لإيران، مع الابتعاد الواضح طيلة هذه الفترة عن تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية، ولكن يبدو أننا أمام نقطة فارقة وفرصة لتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية للعراق، منذ تصويت الناخب العراقي لصالح تحالف «سائرون» العابر للطائفية في الدورة الانتخابية السابقة. وتتعاظم هذه الفرصة بتصويت الناخبين لصالح التحالفات الشيعية والسنية العابرة للطائفية، وعدم التصويت للتحالفات الشيعية ذات النزعة الطائفية، ما يعظم من مساحة تحقيق التوازن في العلاقات الخارجية، وهو ما يعزز بدوره من مساعي العراق للعودة إلى محيطه العربي، ويسفر عن تكثيف الزيارات المتبادلة العراقية-العربية والخليجية للتنسيق حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك، على نحو يقلص من النفوذ الإيراني بالعراق.

سادسًا: حدود التأثير في الدور الإيراني

أفرزت الانتخابات المبكرة ملامح معادلة عراقية جديدة ترسم صورة للتوجهات العراقية خلال السنوات الأربع القادمة، عنوانها انكشاف إيران ومخططاتها التوسعية في الدولة العراقية بتنامى كتلة الرفض الشعبي العراقي لإيران وأذرعها ذات النزعة الطائفية، وذلك من خلال تصويت الناخبين العراقيين للمرة الثانية منذ انتخابات 2018م، وإن قلّت نسبة التصويت عن دورة الانتخابات الماضية لصالح الكتلة الصدرية العابرة للطائفية، ويقف على مسافة بعيدة من التحالفات الشيعية ذات النزعة الطائفية، وتقديم ضربات مدوية إلى «الفتح» الحليف الأوثق لإيران في العراق، وهو ما يلقي بظلاله السلبية على مستقبل الدور الإيراني في الساحة العراقية، وإذا ما حدث ذلك فسيلقي بظلاله على الدور الإيراني في ساحات النفوذ لكون العراق هو الدولة المركزية في الإستراتيجية الإيرانية.

على خلفية هذه النتائج التي كشفت عن الخسائر الكبيرة للتحالفات الشيعية الحليفة لإيران، من المتوقع شعور إيران بالقلق على نفوذها في البلد العربي الأهم للإستراتيجية الإيرانية، ولذلك كشف بعض الأوساط الإعلامية عن زيارة سرية لقائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني للعراق بعد إعلان النتائج الأولية للانتخابات العراقية، وذلك على ما يبدو لترميم التحالفات المدعومة من إيران في الحكومة الجديدة بما يضمن الحفاظ على المكتسبات وتنفيذ بقية المخططات.

تدرك إيران أن تشكيل حكومة عراقية غير موالية لها ستمضي قدمًا في مسار الانتقال نحو الدولة مقابل مزيد من التراجع لمسار التمسك باللادولة، وهو ما يعني تراكم العقبات أمام المشروع الإيراني في العراق إذا ما أصرت الحكومة الجديدة على المضيّ ضمن مسار الكاظمي بضرورة حصر السلاح بيد الدولة والحدّ من النعرات الطائفية والنزعات المذهبية وتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية بما يضمن مزيدًا من خطوات عودة العراق إلى محيطة العربي، وذلك عبر طرح مشروع وطني بديل مغاير للمشروع الطائفي، يُعلي استقلالية القرار العراقي ويقلل تأثير الميليشيات.

ولأجل الحفاظ على مكتسباتها، التي لن تتخلى عنها بسهولة، ستوظف إيران كل أوراقها في العراق لتسمية رئيس حكومة يحظى بالقبول الإيراني كما حدث في أثناء تسمية الكاظمي رئيسًا للحكومة، وقد يلجأ بعض أذرعها إلى التصعيد لتأكيد أن إيران تمتلك أوراقًا مؤثرة، إذ يمثل العراق أهمية جيوسياسية لإيران كإحدى أهم حلقات الممر الإيراني الذي يربط إيران بالبحر المتوسط، وممرًّا رئيسيًّا لتهريب السلاح لميليشياتها في سوريا ولبنان، ومتنفسًا اقتصاديًّا للتخفيف من وطأة العقوبات، كما يأتي العراق في المرتبة الثانية عربيًّا بعد السعودية في قائمة البلدان التي تحتوي على أكبر احتياطيّ نفطيّ خام، ولا يمكننا إغفال انتشار المراقد الشيعية في النجف وكربلاء، واحتواء العراق على أكبر المرجعيات الشيعية في العالم، إذ تحتضن النجف أكبر جامعة علمية للشيعة (الحوزة العلمية)، ولذلك تسعى إيران لسحب البساط من مرجعية النجف لصالح مرجعية قم.

كما تدرك إيران أن الفرصة التاريخية التي خلّفها الغزو الأمريكي للعراق بإطاحته نظام صدام حسين لن يكررها التاريخ، وأن ظهور عراق قوي وفاعل إقليمي من جديد في المعادلة الإقليمية يناطح إيران ويحدّ من قدرتها على مد نفوذها ويفاقم التهديدات على حدودها الغربية، خصوصًا إذا ما جاءت حكومة موالية للولايات المتحدة تعمل على تطويقها وخنقها، فيما يمنح وجود حكومة عراقية موالية لطهران إيران حدودًا آمنة في الجهة الغربية من الغرب ويساعدها على مد نطاق نفوذها، ومن ثم سيظل العراق على الدوام ذا أهمية إستراتيجية كبرى لإيران، وهو ما يفسر سرعة قيام إيران بمدّ نفوذها للداخل العراقي بعد الغزو الأمريكي للعراق حتى باتت اللاعب الأبرز على الساحة العراقية.

الخلاصة

تكشف النتائج عن أن العراق سيدخل مرحلة جديدة من النضج السياسي، بخريطة سياسية وشيعية مغايرة تمامًا عن المرحلة السابقة، تتراكم خلالها التحديات أمام الحضور الإيراني في العراق بتقديم الناخب العراقي ضربة كبيرة إلى التحالفات الشيعية ذات النزعة الطائفية المدعومة من إيران، إذ فقدت تحالف الفتح -أحد أبرز التحالفات القوية لإيران- حضوره القوي في البرلمان العراقي الجديد، مقابل صعود كتل عابرة للطائفية سنّية وشيعية بحصولها على عدد مقاعد لافتة.

وكذلك تكشف النتائج عن وجود كتلة عراقية وطنية عابرة للطائفية ضد التخندق المذهبي والطائفي والنفوذ الإيراني المستشري في مفاصل الدولة العراقية، أدت إلى انكشافه وفقدان شرعيته، بل وتعريته أمام الداخل والخارج في خلق دولة نموذج يمكن تعميمها على بقية الدول المستهدفة بالمشروع الإيراني كما تزعم إيران. وتعظم هذه الكتلة من فرص مسار الانتقال نحول الدولة، بما يجعل مساعيَ إيران لتحقيق المشروع الإيراني العابر للحدود مجرد وهم إيراني غير قابل للتنفيذ على أكثر من صعيد، في ظل ظهور أجيال شابة عراقية عبَّرت عن رفضها للعمائم والمؤدلجين، وهو ما يُعلي بدوره التكلفة إذا ما أرادت إيران المضيّ في تنفيذ مشروعها الإقليمي، لكن سيظل مسار الانتقال نحو الدولة بضبط السلاح المنفلت وتخفيف قبضة ميليشيات إيران في العراق هدفًا محفوف المخاطر، يرتبط بتصعيد العنف في المجتمع العراقي من قِبل الميليشيات التي باتت تحظى بنفوذ وتأثير كبيرين في المعادلة العراقية، ومن ثم سيكون المشهد العراقي تجاه تسمية رئيس الحكومة العراقية الجديدة مفتوحًا على كل الاحتمالات، مع ترجيح تشكيل تكتل أكبر والتوافق على تسمية شخص رئيس الحكومة العراقية الجديد.


([1]) مجلس النواب العراقي، مجلس النواب يصوت على قانون هيئة الحشد الشعبي ويباشر بقراءة قانون تنظيم الوكالة التجارية، (26 نوفمبر 2016م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3n74K7q.

([2]) فيديو على «يوتيوب»، مظاهرات العراق: بغداد حرة حرة .. إيران تطلع برا، (04 أكتوبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3naWCDb.

([3]) العرب، تغريدات العراقيين معاول تحطم صنم خامنئي على «تويتر»، (08 أكتوبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3vufFfk.

([4]) فيديو على «يوتيوب»، صور سليماني وخامنئي تحت أحذية المتظاهرين العراقيين (فيديو)، (03 نوفمبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3m13gMJ.

([5]) هاشتاغ على «فيسبوك»، #خلوها_تخيس، (13 ديسمبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3aTQdqh، وهاشتاغ على «تويتر» #خلوها_تخيس، (10 ديسمبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3G3m4D8.

([6]) صحيفة الاستقلال، هتافات معادية وحرق قنصليات.. لماذا زاد سخط العراقيين على إيران؟، (08 ديسمبر 2019م)، تاريخ الاطلاع: 21 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3aURQnl.

([7]) هيئة الإذاعة البريطانية، كهرباء العراق: ما البُعد الإيراني في أزمة الكهرباء التي يعيشها العراق؟، (02 يوليو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bbc.in/3E2iPtK.

([8]) Joe Snell, Intel: Iraq’s power crisis prompts resignation of electricity minister, al-monitor, June 30, 2021, Accessed: , Jan 20, 2021, https://bit.ly/3lZujIg.

([9]) سكاي نيوز، سنوات من الفشل.. تساؤلات تحوم حول «الربط الكهربائي» للعراق، (04 يوليو 2021م)، تاريخ الاطلاع: 19 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3G6rGMO.

([10]) للمزيد حول القانون الانتخابي العراقي الجديد لعام 2020م، انظر الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي، قانون انتخاب مجلس النواب العراقي، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/2Z72vcf.

([11]) مصطفى حبيب، يختلفان حول فكرة ولاية الفقيه: السيستاني وخامنئي.. صراع تاريخي يتفّجر بشكل سياسي، العراق نت، (04 سبتمبر 2015م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، http://cutt.us/KLA2.

([12]) لمزيد من المعلومات حول سلطات وصلاحيات رئيس الحكومة العراقية يمكن النظر في النص الكامل للدستور العراقي، دستور جمهورية العراق ٢٠٠٥، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م،https://bit.ly/3n7KhPS.

([13]) منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد 2020م، العراق في مؤشر مدركات الفساد 2020م، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3G0tRl4.

([14]) الجزيرة، ميديا بارت: العراق ينخره الفساد منذ 18 عامًا والشعب هو الضحية، (17 فبراير 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م،https://bit.ly/3lYu6VY.

([15]) مثنى الجادرجي، الحرب الوهمية على الفساد في العراق، كتابات، (27 مارس 2018م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/2Z7xJQv.

* الأكراد الفيليون هم من الشيعة ويتحدثون بلهجة كردية تختلف عن مثيلاتها في كردستان العراق.

([16]) المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، توزيع المقاعد لانتخابات مجلس النواب العراقي 2021م، تاريخ الاطلاع: 11 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3anJsg9.

([17]) السومرية، في نتائج الانتخابات الأولية: الكتلة الصدرية في المقدمة وتحالف الفتح يتراجع، (12 أكتوبر 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/2XBIv0M.

([18]) الموقع الرسمي، المكتب الخاص لسماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتضى الصدر، النص الكامل لخطاب سماحة القائد السيد مقتدى الصدر (أعزه الله) الموجه الى الشعب العراقي بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية بتاريخ ١١ أكتوبر ٢٠٢١م، (13 أكتوبر 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3niqLAx.

النص الكامل لخطاب سماحة القائد السيد مقتدى الصدر (أعزه الله ) الموجه الى الشعب العراقي بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية بتاريخ ١١ / ١٠ / ٢٠٢١

([19]) اليوم العراقي، الصدر يتقدم في الانتخابات.. وأنصاره يهتفون برحيل إيران، (15 مايو 2018م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، http://cutt.us/YKTUc.

([20]) إذاعة صوت ألمانيا، الثابت والمتغير في معادلات الانتخابات العراقية، (20 يناير 2018م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3vFdwgN.

([21]) قناة الفلوجية، القيادي بتحالف الفتح أبو ميثاق المساري: هناك حيف كبير وقع على تحالفنا في الانتخابات، (13 أكتوبر 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3npkdjB.

([22]) السومرية، الإطار التنسيقي للقوى الشيعية يعلن عدم قبوله بنتائج الانتخابات، (16 أكتوبر 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3oVBfbs.

([23]) السومرية، في نتائج الانتخابات الاولية: الكتلة الصدرية في المقدمة وتحالف الفتح يتراجع، (12 أكتوبر 2021م)، تاريخ الاطلاع: 20 أكتوبر 2021م، https://bit.ly/3C97esq.

عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية