اقتصاد إيران والاتفاق النووي.. تقييم الأداء وسيناريوهات المستقبل وخيارات النظام

بواسطةأحمد شمس الدين ليلة

دراسة تحليلية

مع اقتراب الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإيرانية وتولّيها مقاليد الحكم منذ 1979، يترقب الإيرانيون بداية مرحلة اقتصادية جديدة، تبدأ في السادس من أغسطس 2018 بدخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، مرحلة كانوا قد نسوها لمدة عامين منذ تفعيل الاتِّفاق النووي في 2016، لكن سرعان ما عادت من جديد مع تولي إدارة أمريكية جديدة تبنّت منذ اليوم الأول لها موقفًا متشددًا تجاه النظام الإيراني، وقرّرت في مايو 2018 الانسحاب من الاتِّفاق النووي وفرض حصار اقتصادي قاسٍ على إيران على مرحلتين، تبدأ الأولى في السادس من أغسطس وتشمل عقوبات على مشتريات إيران من الدولار الأمريكي، وتجارة المعادن والسيارات وغيرها. والثانية في الرابع من نوفمبر بفرض عقوبات على مشتري النِّفْط الخام الإيراني، ليُضاف فصل جديد في تاريخ النظام الإيراني مع الأزمات الخارجية منذ الثورة، تلك الأزمات المعوقة لتطوّر اقتصاد إيران على مدار أربعين عامًا. أربعة عقود من الزمن كانت كافية لإحداث طفرات اقتصادية كبيرة لاقتصاد يمتلك أصولًا طبيعية ورأسمالية وبشرية كبيرة.
تكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها الجادّ لتحقيق ثلاثة أهداف: الأول تحليل أثر الاتِّفاق النووي في إحداث تقدّم في الأداء الاقتصادي الإيراني من عدمه، وهل خلَق تنمية ملموسة شعر بها المواطن الإيراني على مدار أكثر من عامين أم لا؟ باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي. والهدف الثاني قياس أثر سياسة إدارة ترامب المتشددة على الأداء الاقتصادي خلال النصف الأول من العام الحالي. والهدف الثالث محاولة طرح نظرة استشرافية حول مستقبل اقتصاد إيران بعد عودة العقوبات الأمريكية، وهل يتجه الاقتصاد إلى أزمة جديدة أم ينحدر إلى حافّة الانهيار بعد حرمانه من أهمّ مصادر دخله المتمثلة في عوائد صادرات النفط؟ وما ردود فعل النظام الإيراني والخيارات المطروحة أمامه لمواجهة الحصار الأمريكي؟
ووفقًا للأهداف سابقة الذكر سوف نقسم الدراسة الحالية إلى ثلاثة محاور أساسية: المحور الأول نقيِّم فيه أداء الاقتصاد الإيراني من عدة نواحٍ بعد تطبيق الاتِّفاق النووي أي خلال عامي 2016 و2017، وذلك باستخدام أدوات القياس والتحليل الاقتصادي. والمحور الثاني نقيِّم فيه الأداء الاقتصادي منذ بداية عام 2018 حتى النصف الأول منه مع التطورات المتلاحقة قبل وبعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب من الاتِّفاق النووي. وفي المحور الثالث والأخير نستشرف مستقبل الاقتصاد الإيراني عبر قراءة معمَّقة للمؤشِّرات والمتغيرات السياسية والاقتصادية المختلفة مع وضع أكثر من سيناريو استشرافي لمستقبل الاقتصاد الإيراني، إضافة إلى تفنيد ردود أفعال النظام الإيراني المتوقَّعة والخيارات المطروحة أمامه لمواجهة التأثيرات الاقتصادية الخطيرة المرتقَبة خلال الشهور وربما السنوات القادمة بعد تطبيق العقوبات الأمريكية. ثم نختم بخلاصة ما توصلت إليه الدراسة.

 مقدمة تاريخية

إذا ما تم استثناء سيد أبو الحسن بني صدر و محمد علي رجائي اللذين توليا الرئاسة لفترة قصيرة،خمسة رؤساء تناوبوا على حكم إيران إلى الآن منذ ثورة 1979، تولى كل واحد منهم فترتين رئاسيتين، انتمى بعضهم إلى المعسكر الراديكالي المؤمن بالاقتصاد ذاتي التنمية والانفصال عن قوى العولمة الاقتصادية واستغلال الشركات الأجنبية، وانتمى البعض الآخر إلى المعسكر الإصلاحي المنفتح نسبيًّا على العالم الخارجي وتدفّق رأس المال الأجنبي وأهميته في التنمية الاقتصادية. لكن يمكن الحكم عامةً بطغيان فكر التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي من الناحية العملية والخوف من رأس المال الأجنبي([1])، بوصفه فلسفة اقتصادية مهيمنة على النظام الاقتصادي وعلى صنّاع القرار والنخب السياسية والدينية على مدار عمر الثورة، ما إن يحاول بعض الرؤساء الجنوح عن هذه الفلسفة حتى يعود إليها مرة أخرى أو على الأقل لا يستطيع التصادم معها.
يتألف الاقتصاد الإيرانيّ من ثلاث دعائم رئيسية: الدولة أو القطاع الحكومي، وهو القطاع الأكبر والمسيطر على أغلب مفاصل الاقتصاد كاستخراج النِّفْط (المكوِّن الأهم لنمو الاقتصاد الإيراني) والبتروكيماويات والصناعة والتعدين والخدمات، يليه القطاع التعاوني أو شبه الدولة، وهو قطاع كبير يعلب أدوارًا اقتصادية وسياسية مهمَّة في الدولة، ويأتي على رأس هذا القطاع ما يُطلَق عليه “البنياد”، وهي مؤسَّسات اقتصادية منتشرة في إيران تتّسم بالطابع الوقفي أو الخيري، تخضع مباشرة لسلطة المرشد الإيرانيّ فقط دون رقابة برلمانية أو حكومية، وأشهرها “مؤسَّسة المستضعفين” التي يُعتقد أنها ثاني أضخم مؤسَّسة تجارية في إيران بعد الشركة الوطنية للنِّفْط المملوكة للدولة، وتشغل “المستضعفين” وحدها ما يزيد على 200 ألف موظف، وبجانب “البنياد” تنتشر مؤسَّسات اقتصادية تابعة لجهات عسكرية كالحرس الثوري الإيرانيّ لها أنشطة تجارية واقتصادية كثيرة تأتمر بأمر مرشد الثورة مباشرة. أمَّا القطاع الأخير فهو القطاع الخاصّ، لكنه محدود، وهو الأقلّ تشكيلًا للاقتصاد الإيرانيّ بحكم عدم القدرة على المنافسة الاقتصادية العادلة مع قطاعات الدولة أو شبه الدولة، مع تقييد الحصار الدولي البنكي لتعاملاته التجارية والمالية.

وخلال أربعين عامًا من عمر الثورة الإسلامية في إيران مرّ الاقتصاد الإيراني بأحداث وتطورات متلاحقة، سواء كانت ناتجة عن أزمات داخلية أو أزمات خارجية وحروب مباشرة أو حروب بالوكالة داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، ممَّا أسفر عن حصار اقتصادي وعقوبات دولية متنوعة تقلّ تارة وتزداد تارة، وصلت إلى أقصاها عام 2012 في عهد أحمدي نجاد، وكان لتلك التطورات انعكاس واضح في تقلبات الأداء الاقتصادي ومؤشِّرات التنمية البشرية عبر أربعة عقود من عمر الثورة الإسلامية.
وعندما تَسلَّم الرئيس الحالي حسن روحاني الحكم في عام 2013 كانت مؤشِّرات الأداء الاقتصادي في أسوأ ما يكون بمعدَّل نمو حقيقي سلبي (0.3-%) ومعدَّل تضخم مرتفع جدًّا (35% في الإحصاء الرسمي و45% في غير الرسمي)، ووصل الحال إلى طريق مسدود إلَّا طريق التصالح مع الغرب والولايات المتحدة، فكان عام 2016 هو العام الذي شهد تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة أو ما يطلق عليه الاتِّفاق النووي مع مجموعة 5+1، الذي عولَّ عليه روحاني كثيرًا في إنعاش الاقتصاد وتطوير أدائه وإخراجه من أزماته الحادة، ومع تطبيق الاتِّفاق النووي عادت الصادرات النِّفْطية والاستثمارات الأجنبية، وإن كانت أقلّ من المتوقَّع.
وتحسنت مؤشِّرات أداء الاقتصاد عمومًا منذ عام 2016 لما شكَّلَه قطاع النِّفْط من أهمِّية نسبية لنموّ الناتج المحلي الإجمالي، وإن لم يسِرْ الأمر بنفس مستوى الأداء المنتظر بعد الاتِّفاق النووي مع مؤشِّرات أخرى تمسّ المستوى الاقتصادي اليومي للمواطنين الإيرانيين، كالبطالة، وكذلك على الصعيد التنموي الاجتماعي، فتفاقمت الأزمات الداخلية وازدادت وتيرة الاحتجاجات المندِّدة بتردِّي الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية خلال عام 2017، تزامُنًا مع تولِّي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وتهديده بخروج بلاده من الاتِّفاق النووي وتقويض الاتِّفاق وإعادة العقوبات الاقتصادية على إيران مرة أخرى.
ثم جاء قرار ترامب في مايو 2018 بخروج بلاده من الاتِّفاق النووي وإعادة تطبيق عقوبات اقتصادية قاسية على الاقتصاد الإيراني على مرحلتين، الأولى في السادس من أغسطس وتشمل عقوبات على مشتريات إيران من الدولار الأمريكي، وتجارتها في الذهب والمعادن الخام والصلب والفحم والبرمجيات الصناعية واستيراد الطائرات وقطع غيارها وقطاع السيارات. والثانية في الرابع من نوفمبر من نفس العام على مشتري النِّفْط الخام الإيراني، والمتعاملين بالتحويلات المالية مع البنك المركزي الإيراني وعقوبات أخرى، ليضيف فصلًا جديدًا في تاريخ النظام الإيراني مع الأزمات الخارجية منذ ثورة 1979.

 المحور الأول: الوضع الاقتصادي بعد تطبيق الاتِّفاق النووي 2016- 2017

لكي نحكم على الأداء الاقتصادي لأي دولة نتتبَّع ونعتمد على مجموعة من المؤشِّرات التي تصف ملامح الأداء الاقتصادي الكلي([2])، كمعدَّل نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ومعدَّلات البطالة والتضخُّم، بجانب الاعتماد على متغيرات أخرى مالية ونقدية مثل عجز الموازنة وحالة ميزان المدفوعات وحجم الدَّين العامّ([3]). وكما ذكرنا تَحسَّن أداء الاقتصاد الكلي بدفعة قوية من نموّ قطاع النِّفْط، لكن لم يكُن هذا التحسن ملموسًا في الوضع الاقتصادي اليومي لملايين الإيرانيين، وتُرجِم هذا الوضع في صورة:

1-
كان معدَّل نموّ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي Real GDP قياسيًّا بكل الأحوال ففي عام 2016 سجّل 12.5% مع احتساب القطاع النِّفْطي، مقارنة بركوده عام 2015 (انظر شكل1)، ويلاحظ أن نموّ عام 2016 دون احتساب النِّفْط سجَّل 3.3% فقط (انظر شكل2)، وهو معدَّل ضعيف يُظهِر مدى اعتماد نموّ الاقتصاد الإيراني على قطاع الطاقة، وكذلك ضَعْف مقدرة القطاعات غير النِّفْطية وحدها على دفع عجلة النموّ الاقتصادي في إيران بمفردها دون مساندة النِّفْط([4]) كما يتضح من شكل2.
2- سجَّل معدَّل البطالة 12.4% عام 2016 حسب البنك المركزي الإيراني، ولم تتغير الإحصاءات الرسمية كثيرًا في 2017، في حين يتحدث عديد من المصادر غير الرسمية عن ارتفاع نسب البطالة كثيرًا خلال 2017، خصوصًا بين الشباب، وهو ما أجَّج الاحتجاجات الشبابية في نهاية العام، وتتحدث إحصائيات غير رسميَّة عن وصول المعدَّل الحقيقي للبطالة بين الشباب إلى 45%، ويصل في بعض المحافظات إلى 60%، خصوصًا بين أوساط الجامعيين([5]).
3- بلغ التضخُّم في عام 2016 أقلّ مستوى له خلال السنوات الخمس الماضية، مسجِّلًا 9% فقط، وهو إنجاز يحسب لحكومة روحاني بعد سنوات من الارتفاع الشديد لمستويات الأسعار (انظر شكل3)، ولعب رفع العقوبات فيه دورًا بالتمكن من استيراد مدخلات الإنتاج والسلع المختلفة. لكنه ازداد تدريجيًّا في 2017 مسجلًا 10% وفق الإحصاءات الرسمية ومعدَّلات أعلى في الإحصاءات غير الحكومية، وهي إحصاءات يمكن قبولها في ظلّ الزيادة التي شهدها العام لمعدَّلات طبع النقود بنسب قاربت 30%([6])، وزيادة أسعار بعض الموادّ الغذائية كاللحوم والبيض (50%) وأسعار الإيجارات السكنية.
4- يسير عجز الموازنة العامة للحكومة الإيرانية في اتجاه تصاعدي منذ عام 2014 (انظر شكل4)، وسجَّل العجز 7.6 مليار دولار في عام 2016 وارتفع إلى 9.6 مليار دولار في عام 2017 (تقديريًّا) بسبب نقص الإيرادات الفعلية عن الإيرادات المتوقعة ويرجع جزء منها إلى صعوبة تحصيل المستحقات المالية لصادرات النِّفْط، بجانب الإنفاق خارج الموارنة العامة. ويذهب الجزء الأكبر من نفقات الموازنة إلى النفقات التشغيلية لا إلى النفقات الاستثمارية، مِمَّا دفع معدَّلات البطالة إلى مستويات أعلى.
5- حقَّق صافي الميزان الجاري زيادة كبيرة خلال عام 2016 مقارنة بعام 2015 بعد عودة الصادرات النِّفْطية وتدفق الاستثمارات الأجنبية للداخل (على الرغم من توقيع اتِّفاقيات تمويل أجنبي بـ12 مليار دولار في 2016، وما استثمر فعليًّا كان 2.1 مليار دولار([7])، وسجَّل صافي الميزان الجاري (الصادر مطروح منه الوارد) 16.3 مليار دولار في 2016 مقارنة بـ1.2 مليار فقط أثناء الحصار خلال 2015، لكن هدأت حدة ارتفاعه خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2017 مسجِّلًا 10.9 مليار دولار بانخفاض 8.4% عن نفس الفترة من العام السابق. ويتكون صافي الميزان الجاري من صافي صادرات الدولة من السلع والخدمات وصافي الاستثمارات الأجنبية والمدفوعات التحويلية من جانب واحد (مثل المعونات الخارجية)([8]) ([9]).

على ناحية معاكسة، حدث تراجع لحساب رأس المال بصورة خطيرة خلال العامين الماضيين بعد تطبيق الاتِّفاق النووي (انظر (انظر شكل6) بلغت 18.2مليار دولار في 2016 ونحو 13 مليار دولار خلال 2017 في الربع الأول من العام التالي، ساعد على ذلك تمسك الحكومة بسعر صرف متدنٍّ للعملات الأجنبية وأقل من قيمتها الحقيقية أمام التومان الإيراني (انظر شكل5) ما شجع الإيرانيين على إخراج العملة الأجنبية خارج البلاد إما في شكل شراء عقارات في الخارج وإما بطرق أخرى([10]). كما أسفر تمسك الدولة بسعر صرف للدولار أقل من قيمته الحقيقية عن تراجع الاحتياطي النقدي للدولة خلال عامي 2016 و2017 (أول 9 أشهر) بمقدار 7.6و 8.6 على التوالي، بعد أن يضاف إلى رصيد الاحتياطي الأجنبي حتى في أعوام الحصار (انظر شكل8).
ويعكس تسرّب رؤوس الأموال بكميات كبيرة إلى خارج إيران نقص الثقة في الاقتصاد المحلي من جانب المواطنين والنظرة التشاؤمية تجاه المستقبل، بالإضافة إلى عجز الحكومة في إدارة سوق النقد وتوفير بيئة اقتصادية حاضنة لرؤوس الأموال المحلية، فما بالنا بالأجنبية.

6- تزايد الدَّين العامّ الخارجي من 6.6 مليار دولار عام 2013 إلى 8.4 مليار دولار عام 2016، ثم إلى نحو 9.8 مليار دولار حتى الأشهر التسعة الأولى من عام 2017 وفق أحدث إحصائيات البنك المركزي الإيراني([11]) (انظر شكل7). ورغم اتجاه الدَّين الخارجي إلى الزيادة لا زال بعيدًا عن المستويات الخطرة، إذ يشكِّل أقلّ من 3% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني، لكنه مع هذا يزيد الضغط على أسعار الصرف الأجنبية عند دفع فوائد وأقساط الدَّين للمستفيدين.
7- تهدف إدارة السياسة النقدية بأدواتها المختلفة إلى الحَدّ من تَقلُّبات سعر الصرف واستقرار مستويات التضخُّم في أي اقتصاد([12]). وخلال 2016 و2017 لم تستطِعْ السياسة النقدية تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي وتوحيد سعر صرف العملة، وظلّ بين السعر الرسمي والموازي فارق شبه ثابت، وإن حدث رفع تدريجي للسعر الرسمي لمحاولة تقليص الفجوة بين السعرين (انظر شكل5)، وبينما استطاعت الحكومة السيطرة على التضخُّم خلال 2016 عند مستوى أقل من 10%، ارتفع خلال 2017 إلى ما فوق 10% مع زيادة إصدار البنكنوت وتناقص الموارد الدولارية وتواضع معدَّلات نموّ القطاعات غير النِّفْطية ونقص المعروض من المنتجات المحلية.

باختصار، كان وضع أغلب المؤشِّرات الاقتصادية جيدًا بدرجة ما خلال عام 2016 فقط، مدفوعًا بطفرة عودة صادرات النِّفْط والاستثمارات الأجنبية جزئيًّا والتجارة الخارجية، في ما عدا مشاركة ضعيفة من القطاعات غير النِّفْطية. بينما شهد العام تراجع الاحتياطي الأجنبي وزيادة كبيرة في هروب رأس المال المحلي.
ومع هدوء دفعة نموّ الصادرات النِّفْطية للناتج المحلي في العام التالي 2017 كان مستوى الأداء الاقتصادي متدنيًا وانخفض معدَّل النموّ الإجمالي الحقيقي، وازداد عجز الموازنة وميزان المدفوعات في حين ارتفعت معدَّلات كل من البطالة وإصدار النقود دون ضوابط. وينبغي الإشارة إلى أنه في كلا العامين لم يظهر أثر النموّ الاقتصادي الكلِّي على الوضع الاقتصادي اليومي للمواطن الإيراني بصورة ملموسة، بل على العكس ازدادت أوضاعه الاقتصادية سوءًا مع زيادة معدَّلات البطالة وتكلفة المعيشة وفشل السياسة النقدية في الحفاظ على مستويات الأسعار أو تقليل الفجوة بين سِعرَي الصرف الرسمي والموازي، مِمَّا غذَّى وقود احتجاجات نهاية عام 2017 التي غطت أغلب محافظات إيران.

(شكل1)

(شكل2)

(شكل3)

(شكل4)

(شكل5)

(شكل6)

(شكل7)

(شكل8)

المحور الثاني: الوضع الاقتصادي خلال النصف الأول من 2018 بعد قرار ترامب الانسحاب من الاتِّفاق النووي

شكَّل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب -الانسحاب من الاتِّفاق النووي وإعادة فرض عقوبات جديدة- مرحلة فاصلة في تاريخ الاقتصاد الإيراني، بدأت تظهر ملامحها قبل موعد البدء العملي في تطبيق العقوبات الاقتصادية، حتى قبل اتخاذه القرار، الذي ظهر في تحوّط وحذر دخول الاستثمارات الكبيرة للعمل في السوق الإيراني وتأجيل تنفيذ استثمارات أخرى تم توقيعها عقب الاتِّفاق النووي.

في حين ظهرت بوضوح تبعات القرار الأمريكي بعد اتخاذه فعليًّا، في معدَّل تدفق الاستثمارات للخارج ومعدَّل نموّ الصادرات النِّفْطية ودرجة استقرار أسعار الصرف. وقبل الدخول في تفاصيل الأوضاع الاقتصادية الراهنة من الضروري توضيح ماهية العقوبات الاقتصادية التي اتخذت الإدارة الأمريكية قرارًا بفرضها على إيران، التي تأتي على مرحلتين([13]): الأولى عقوبات تطبق في السادس من أغسطس 2018، وتشمل عقوبات على مشتريات إيران من الدولار الأمريكي، وتجارتها في الذهب والمعادن الخام والصلب والفحم والبرمجيات الصناعية واستيراد الطائرات وقطع غيارها وقطاع السيارات. والثانية ستطبق في الرابع من نوفمبر من العام نفسه، على مشتري النِّفْط الخام الإيراني، والمتعاملين بالتحويلات المالية مع البنك المركزي الإيراني، وعقوبات تؤثر على أنشطة المواني الإيرانية والشحن والنقل والتأمين على نقل النِّفْط، وعقبات أمام استخدام إيران نظام التحويلات المالية الدولي “سويفت”([14]).
تباين أداء كثير من المؤشِّرات الاقتصادية خلال النصف الأول من عام 2018 إذا ما قورن بالعامين الماضيين، وتحديدًا منذ اتخاذ ترامب قرار الانسحاب من الاتِّفاق النووي، وفقد الاقتصاد الإيراني في فترة وجيزة مكتسبات مهمَّة حقَّقها خلال السنتين الماضيتين، إذ أصبح الوضع الاقتصادي لإيران حرجًا للغاية، وتُرجِمَ هذا الوضع في صورة:

1- تراجع في الصادرات النِّفْطية في النصف الأول من شهر يونيو بنسبة 16% كأكبر انخفاض منذ ديسمبر 2016، وتوقفت شركات نفط كبرى عن شراء النِّفْط الإيراني كشركات توتال الفرنسية ورويال داتش الهولندية-البريطانية وغيرها. ليس هذا فحسب، بل رفضت عديد من الشركات الدولية شحن أو نقل النِّفْط الإيراني أو التأمين عليه، ونُقل نحو 70% من الشحنات النِّفْطية بسفن مملوكة لشركات الشحن الإيرانية وبمساعدات من شركات هندية وليبية، ويعدّ هذا تَطوُّرًا خطيرًا يعكس الحذر من العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة على إيران خلال الأشهر القليلة المقبلة، ويُنبِئ بما سيواجه صادرات النِّفْط من صعوبات خلال الأيام القادمة إن لم تجد حلًّا.
2- استجابة كبريات الشركات العالمية العاملة في إيران سريعًا للقرار الأمريكي قبل انتهاء المهلة الموضوعة للخروج من السوق الإيرانية (180 يومًا) خوفًا من أن تنالها غرامات مالية أو تتأثر أعمالها الأكثر جدوى في السوق الأمريكية، وأغلبها شركات عاملة في قطاعات محورية للاقتصاد الإيراني، كالنِّفْط والغاز والطيران والبنوك والتأمين والنقل البحري والصناعة (انظر جدول1) وما زال العدد في تزايد. وفي جانب آخر وقّفت شركات أخرى تعاقدات سابقة مع إيران بمليارات الدولارات، مثل بوينغ الأمريكية التي وقَّعَت عقد توريد طائرات بأكثر من 16 مليار دولار. وكان حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل إلى إيران قد بلغ 5 مليارات دولار في 2017 كأعلى معدَّل سُجّل منذ عام 2012 ([15])
3- ثلاث قفزات سعرية حادَّة لسعر صرف الدولار أمام التومان الإيراني في السوق السوداء منذ بداية 2018 حتى النصف الأول من العام، الأولى في يناير والثانية في أبريل والأخيرة في يونيو، وكانت الأخيرة هي الأكثر حِدَّة، وعلى الرغم من إصدار الحكومة قرارًا بحظر حيازة عملة أجنبية قيمتها أكثر من 12 ألف دولار، ورفع سعر الصرف الرسمي للدولار مقابل التومان في العاشر من أبريل العام الحالي وتثبيته عند 4200 تومان، فإن الفجوة بين السعرين لم تختفِ. خلال الأشهر الستة الأولى من العام الميلادي الجاري اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي بفارق شاسع بلغ 50% من السعر الموازي، وقفز سعر الدولار الأمريكي أمام التومان الإيراني بسعر السوق الموازية بنسبة ارتفاع فاقت 110%، من 4200 تومان للدولار في نهاية ديسمبر 2017 إلى 9000 تومان للدولار الواحد([16]) في الرابع والعشرين من يونيو 2018 (انظر شكل5) (تحديث: ارتفع سعر الدولار إلى 11900 تومان في الثلاثين من يوليو).
4- غياب الاستقرار المجتمعي واحتجاجات داخلية بوتيرة متكررة اعتراضًا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بدأت مع احتجاجات المعلمين في وسط مدينة يزد، تَلَتها احتجاجات عمال مصانع الحديد وأطقم الرعاية الصحية في مدينة الأحواز الجنوبية، ثم عمال السكك الحديد بالقرب من مدينة تبريز([17]). وتكررت الاحتجاجات نهاية عام 2017 واستمرت خلال الأسابيع الأولى من عام 2018، إذ امتدت إلى نحو 85 مدينة في إيران لنفس الأسباب، بالإضافة إلى التنديد بإنفاق أموال الشعب على الصراعات في سوريا والعراق واليمن، ثم عاد الاحتجاج مرة أخرى في أواخر يونيو، لكن هذه المرة قادها تجار البازار المتضررون من تدهور أسعار الصرف وشُحّ الدولار وانعكاسه على غلاء أسعار بضائعهم وركود أعمالهم.
5- ارتفاع حِدَّة النقد الموجه من النخب الإيرانية ورجال الدِّين للفريق الاقتصادي لروحاني والمطالبة بتغيره، بل وتوجيه النقد إلى روحاني نفسه وطلب سماع شهادته في البرلمان الإيراني عن تَرَدِّي الأوضاع الاقتصادية، بالإضافة إلى نقد مرشد الثورة خامنئي لما آل إليه الوضع الاقتصادي، ومطالبته للحكومة بالعودة إلى الاقتصاد المقاوم، وللشعب بالتحلِّي بالصمود والصبر، بما يُشير إلى تزايد مرتقَب لتدخل مؤسسات الأعمال شبه الرسمية التابعة للمؤسسة العسكرية كالحرس الثوري في النشاط الاقتصادي، مثل مجموعة “خاتم الأنبياء”، وغيرها من الشركات التابعة للسلطة العسكرية أو المؤسسة الدَّينية.

جدول1: نماذج شركات عالمية خرجت من السوق الإيرانية

 

المحور الثالث: قراءة لمستقبل الاقتصاد الإيراني والخيارات المتاحة أمام النظام

ينظر الإيرانيون إلى المستقبل بارتياب وقلق، ولهم الحقّ في ذلك، فقد عانوا من قبلُ تبعاتِ الحصار الاقتصادي الدولي وتأثيره على حياتهم اليومية، إذ يتساءلون –كما يتساءل متابعو الشأن الإيراني- عن مستقبل الاقتصاد الإيراني، هل ستكرر أزمات الماضي من تدهوُر مؤشِّرات الاقتصاد ومستويات المعيشة والغلاء؟ أم سيكون الوضع أخطر من ذلك فيقود إلى انهيار الاقتصاد في النهاية، في ظلّ وجود إدارة أمريكية عنيدة مصرَّة على إخضاع صانعي القرار الإيرانيين وتغيير سلوكهم الخارجي؟ إنّ التنبُّؤ بمستقبل اقتصاد عاش متأزمًا ليس بالأمر الهيِّن، لذا سيكون من المناسب وضع أكثر من سيناريو كمحاولة جادَّة لاستقراء المستقبل.

1- السيناريو الأول: أوضاع اقتصادية حرجة للغاية

تُقِرّ أكثر التصوُّرات تفاؤلًا بمستقبل الاقتصاد الإيراني بصعوبة الوضع الاقتصادي في المستقبل، ناهيك بصعوبة الوضع الراهن، بعد أن أصبح للانسحاب الأمريكي من الاتِّفاق النووي تبعات ملموسة على أرض الواقع، وإن لم تدخل العقوبات حيِّز التنفيذ بعد كما وضحنا سابقًا، فأصبح من المرجح إقبال إيران على مرحلة يتسم فيها الأداء الاقتصادي بضعف حادّ في مؤشِّرات الاقتصاد الكلي وتراجع في الأداء المالي وارتفاع تكلفة المعيشة اليومية، استنادًا إلى مجموعة من المؤشِّرات:
1 انخفاض صادرات النِّفْط الخام: توقع تقرير لعملاق صناعة النِّفْط البريطاني برتش بتروليوم (BP) أنّ صادرات النِّفْط الخام الإيراني قد تنخفض ما بين 300 ألف برميل ومليون برميل يوميًّا مستقبلًا (انخفضت بمقدار 143 ألف برميل يوميًّا في النصف الأول من يونيو2018) ([18])، وفي تصريح لوزير النِّفْط الإيراني بيجن زنغنه خلال شهر يونيو أقر بوجود مشكلات في نقل النِّفْط الإيراني والتأمين عليه، وكذلك صعوبة في تحويل إيرادات صادرات النِّفْط، على الرغم من عدم سريان العقوبات الأمريكية بعد.
وبحسبة بسيطة يعني انخفاض صادرات النِّفْط الإيراني من 300 ألف إلى مليون برميل يوميًّا انخفاض الإيرادات الحكومية بمقدار يتراوح بين 22.5 مليون و75 مليون دولار يوميًّا بالأسعار الحالية لبرميل النِّفْط (في حدود 75 دولارًا للبرميل). جدير بالذّكر أنّ اتجاه كبار منتجي النِّفْط في منظمة أوبك وخارجها كروسيا يميل إلى زيادة المعروض العالمي من النِّفْط، وقد تنخفض الأسعار نتيجة هذه الزيادة ليجتمع على إيران خطران، نقص الصادرات النِّفْطية مع انخفاض الأسعار المستقبلية للنِّفط.
2- أثر انخفاض صادرات النِّفْط على الناتج المحلي الإجمالي: بين استمرار صادرات النِّفْط إلى الخارج وتحقيق الاقتصاد الإيراني معدَّلات نموّ مقبولة، علاقة واضحة. ففي عام 2012 تراجع نموّ القطاع النِّفْطي إلى 36.5%، فنما الاقتصاد الإيراني بمعدَّل 6.8% في نفس العام([19])، وعندما طُبّق الاتِّفاق النووي وارتفعت الصادرات النفطية حقق الاقتصاد معدلات نموّ قياسية كما رأينا. لهذا جاءت توقعات شركة BMI التابعة لمؤسسة فيتش الأمريكية بتحقيق معدَّل نموّ ضعيف للناتج المحلي الإجمالي في حدود 3% بنهاية العام الحالي ومعدَّل أقل من 1% في عام 2019([20]). كما توقع أستاذ الاقتصاد في جامعة فيرجينيا تك (Virginia Tech) الإيراني جواد صالح أصفهاني أن معدل نمو الاقتصاد سيظل منخفضًا في السنوات المقبلة([21]).
3- أثر نقص الموارد المالية على عجز الموازنة وتكلفة المعيشة: سيحدّ تراجع الإيرادات المالية الحكومية من قدرتها على تنفيذ مخططات الموازنة السنوية، وسيضطرها إلى تقليل النفقات ربما على حساب البرامج الاجتماعية والتنموية، أو الإنفاق بالعجز واللجوء إلى الاستدانة من الداخل أو الخارج، أو انتهاج الأسلوب الأسوأ على الإطلاق عبر طباعة النقود دون ضوابط -مثل ما حدث العام الماضي- مع ما يُحدِثه هذا الأسلوب من ضغوط تضخمية تزيد تكاليف الحياة اليومية على كاهل الإيرانيين.

وتُعَدّ إيرادات النِّفْط أكبر الموارد المالية المكونة للاحتياطي الإيراني من العملات الأجنبية، ونقص هذا المورد سيؤثر على التصنيف الائتماني لإيران وعلى سعر صرف العملات الأجنبية أمام التومان، مما يقودنا إلى مزيد من الضغوط التضخُّمية وارتفاع في تكاليف المعيشة اليومية إذا لم تجد الدولة الإيرانية بدائل للحفاظ على مواردها من العملة الأجنبية.
4- خسائر تجارية كبيرة منتظَرة إذا قرَّر أهم الشركاء التجاريين لإيران -خصوصًا من دول الاتحاد الأوروبي- وقف أو خفض مستويات التجارة مع إيران حفاظًا على مصالحهم التجارية الأوسع مع الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا ما قرر الشركاء الأوروبيون فقط -على سبيل المثال لا الحصر- الانحياز للجانب الأمريكي، فهذا يعني احتمالية فقدان إيران واردات حيوية من الاتحاد الأوروبي وصلت إلى 10.8 مليار دولار في 2016، أغلبها من الآلات وقطع الغيار الصناعية والمنتجات التقنية([22]). وسوف يترجم ذلك في توقف مزيد من المصانع والقطاعات غير النِّفْطية وفقدان فرص عمل ونقص معدَّلات الإنتاج.
5- هروب رأس المال وعجز الاستثمارات المحلية عن دفع عجلة النموّ: أدَّت إدارة ترامب المتشددة للملف الإيراني إلى هروب حجم ضخم من رأس المال خارج إيران بلغ نحو 13 مليار دولار في العام الإيراني 1396 (مارس 2017/مارس 2018) وفق مركز أبحاث البرلمان الإيراني، بينما تحدثت مصادر أخرى عن هروب ما قد يصل إلى 30 مليار دولار خارج إيران([23]) حتى الآن من رؤوس أموال فعلية أو محتمَلة. ولا يُعوَّل على الاستثمارات المحلية في تحقيق النموّ الاقتصادي، فارتفاع سعر الفائدة المحلي (أعلى من 20%) قاد إلى انخفاض الاستثمار الثابت إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدَّل أقلّ بنسبة 10% من المطلوب لخفض معدَّل البطالة، بينما الاستثمار الحكومي بأقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي بالكاد يكفي لصيانة وإصلاح البنية التحتية المتاحة. كما أن النظام البنكي متعثر بشدة ومكبل بالديون المعدومة ولا يستطيع الإقراض من أجل الاستثمار منذ عام 2012 كما يقول أستاذ الاقتصاد وزميل معهد بروكينز Brookings الإيراني جواد صالح أصفهاني.([24])

ماذا عن تصوُّر بعض الآراء الإيرانية وغيرها لمستقبل الاقتصاد الإيراني في ظلّ التطورات المتلاحقة؟

يقول الاقتصادي الإيراني بيجان خاجه بور Bijan Khajehpour إن استمرار الأوضاع الداخلية الراهنة من تدنِّي الأداء الاقتصادي للحكومة وزيادة وتيرة الاحتجاجات سوف يزيد احتمالية حدوث “أزمات اقتصادية” مع تبعات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة، ويستشهد بموجة الاحتجاجات الأخيرة لتُجَّار البازار على أنها خير دليل على ما يمكن أن يؤول إليه الوضع من توقف للحياة اليومية في إيران إذا لم تتدخل الحكومة. ولتجنُّب حدوث انهيار اقتصادي يرى أنه ينبغي للحكومة التوقف عن لعب دور الضحية -يقصد لوم الحكومة شبكات الفساد بتخريب الاقتصاد- والبدء فورًا في تنظيم الأسواق بناءً على قواعد اقتصادية ورؤية طويلة الأمد([25]).
أما الأكاديمية البريطانية سنام فاكل Sanam Vakil وزميلة معهد شاتهام هاوس البريطاني، ترى المستقبل من وجهة نظر جديرة بالتأمُّل؛ تقول إن النظام الإيراني اعتاد الأزمات الحرجة منذ الثورة الإيرانية في عام 1979، ويمكن القول إن طهران نجت من الحرب الإيرانية العراقية 1980-1988، وموت قائد الثورة الخميني في 1989، ومواجهات امتدَّت لعقود مع المجتمع الدولي على خلفية البرنامج النووي من 2003 إلى 2015، ويرجع ذلك إلى تَوحُّد النخب السياسية -ولو بدرجة ما- أمام التحديات الخارجية. لكن الوضع اليوم أصبح مختلفًا، ويبدو أن الوحدة بين النخب السياسية “معلَّقة بخيط رفيع”، إذ تتقاتل النخب السياسية، ليس فقط من أجل مستقبل الجمهورية الإسلامية، بل على مكانتهم فيها كذلك. وتجادل “فاكل” المختصة في دراسات الشرق الأوسط بأن استمرار الصراع الآيديولوجي الممتد منذ سنوات على هُوية النظام الاقتصادي بين التيارين المتنافسين في إيران، الإصلاحي والراديكالي، سيقود في النهاية إلى الدخول في أزمة جديدة وركود مستمر، أو قد تقود لتطور الدولة الإيرانية إذا ما استطاع النظام تحويل الضغوط الخارجية إلى مكاسب صافية وحشد الصفوف للإصلاح السياسي والاقتصادي الحقيقي([26]).

 

2- السيناريو الثاني: هل ينهار الاقتصاد الإيراني؟

قبل الخوض في هذا السيناريو ينبغي توضيح اصطلاح “الانهيار الاقتصادي” والتفريق بينه وبين مصطلح “الأزمة الاقتصادية”. يعرِّف مفهوم “انهيار الاقتصاد” بأنه حالة قاسية من الكساد الاقتصادي (والكساد هو ركود يستمرّ لسنتين أو أكثر يتصف بتراجع معدَّلات الإنتاج كثيرًا وزيادة البطالة) بحيث يستمر التراجع لسنوات، وربما لعقود، ويتصف الانهيار الاقتصادي الكلي بمجموعة من الخصائص كالكساد المستمر والركود التضخُّمي Stagflation (انخفاض في الإنتاج يصاحبه ارتفاع في الأسعار)، والتضخُّم الجامح Hyperinflation، والاضطرابات المدنية وارتفاع مستويات الفقر وتَعطُّل الأسواق المالية([27])، ومن ضمن علامات الانهيار الاقتصادي كذلك: منح عطلات إجبارية للبنوك للسيطرة على سحب الأموال، والرقابة الشديدة على رؤوس الأموال وتحركاتها، والإطاحة بالحكومات المستقرة.
وكان ما يُعرَف بـ”الكساد العظيم” للاقتصاد الأمريكي عام 1929 أهمّ حالات انهيارات الاقتصادات على مستوى التاريخ الاقتصادي الحديث، بعد سقوط سوق الأوراق المالية ودخول الاقتصاد في كساد([28]) استمر لسنوات (3 سنوات ونصف السنة، وتلاشى قرابة 25% من الناتج المحلي الأمريكي) وارتفعت معدَّلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة (24%). كذلك انهيار اقتصاد الأرجنتين الذي استمر سنوات خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، وقد سجَّل الناتج المحلي الإجمالي مرارًا معدَّلات بالسالب، وانهارت قيمة العملة المحلية وارتفع معدَّل التضخُّم بمعدَّلات خيالية اقتربت من 5000 في المئة في الثمانينيات([29]).
ويختلف مفهوم الانهيار عن مفهوم الأزمة في التأثيرات المصاحبة وطول فترة البقاء والأثر على المجتمع، فعلى سبيل المثال استمرّت الأزمة المالية العالمية 2007-2009 أقل من عامين، وسجَّل الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي على سبيل المثال معدَّلات سلبية لمدة عام ونصف (تراجع 5% من الناتج المحلي الإجمالي)، ووصلت معدَّلات البطالة إلى 10%([30]).
وبالعودة إلى الحالة الإيرانية، يرى الأستاذ المساعد في جامعة كولومبيا الأمريكية ريتشارد نيفيو Richard Nephew أن فكرة سير إيران إلى حافة الانهيار الاقتصادي “مُبالَغ فيها”، وأنها نابعة من الاعتقاد أن حدوث انهيار كهذا سيؤدي إلى ثورة في الداخل، ويشجِّع العلاقات الإيجابية الإيرانية مع العالم الخارجي بعد انهيار اقتصادي يقود إلى ثورة تغيِّر النظام من الداخل([31]).
مِمَّا سبق نستنتج أن وصف الانهيار الاقتصادي من الناحية العلمية الدقيقة لا ينطبق على الحالة الإيرانية في الوقت الراهن، بعكس وصف تَوجُّه الاقتصاد خطوات في مسار أزمة اقتصادية في المستقبل مع الإجراءات المضادَّة التي يمكن أن يتبعها النظام الإيراني، لكن هذا لا يمنع احتمالية اتجاه الوضع إلى الانهيار في ظلّ تَحقُّق الافتراضات التالية أو بعضها:

1- المضي قدمًا في تمويل النفقات العسكرية الضخمة في الخارج على حساب الإصلاح الاقتصادي وتوازن الأداء المالي والنقدي للدولة، إذا ما علمنا أن 350 مليار دولار هي الحجم المقدر للنفقات الإجمالية التي تحملتها إيران جرَّاء التدخُّل العسكري والسياسي في سوريا والعراق واليمن ولبنان إلى الآن، لذا لا يُنتظر أن يحقِّق الاقتصاد الإيراني استقرارًا ماليًّا أو نقديًّا إذا ما استمرّ الإنفاق المتزايد على الصراعات الخارجية (128% زيادة في الإنفاق خلال السنوات الأربع الماضية) ([32])، وفي الوقت ذاته تتآكل الموارد المالية بعد تطبيق العقوبات الأمريكية.
2- طول عمر الأزمة الاقتصادية، أي إذا استمرت الأزمة لسنوات وزادت مؤشِّرات الاقتصاد (سابقة الذكر) وأوضاع المعيشة سوءًا/تراجعًا عامًا بعد عام ولم تُجدِ التدخُّلات الحكومية نفعًا وفقدت الحكومة القدرة على السيطرة على مؤشِّرات الأداء الاقتصادي على المدى القصير.
3- استمرار الحصار الأمريكي والمقاطعة العالمية للاقتصاد الإيراني، وهو أمر مرهون بتغيُّر سلوك السياسة الخارجية الإيرانية والتعاون مع العالم الخارجي لإنهاء حالة الحصار الاقتصادي المفروض، وقد رأينا في ما سبق تأثير انفتاح أو انغلاق النظام الحاكم على مستوى أداء الاقتصاد.
4- زادت وتيرة الاضطرابات الداخلية والمعاناة المجتمعية في مجتمع نصفه أو أكثر من الشباب ويعاني أغلبه البطالة والفقر، بما قد يقود إلى حدوث ثورة شعبية في النهاية تطيح بنظام عتيق يراه البعض غير متناغم مع أفكار مجتمع شابّ منفتح على العالَم رغم القيود الموضوعة.

وتذهب بعض الآراء التحليلية إلى الرهان على رد فعل المجتمع -خصوصًا الشباب- في تحديد مصير الاقتصاد الإيراني، بمعنى عدم قدرة المجتمع الإيراني على تَحمُّل ضغوط اقتصادية إضافية، بعد الصبر على أداء اقتصادي ضعيف قرابة 40 عامًا من عمر الثورة، فمنذ أن وعد الخميني بتحقيق العدالة الاجتماعية وإصلاح الاقتصاد لم يتحقق ذلك إلى الآن، وحدث تفاوت كبير في توزيع الدخل والثروة، وعلى مدار 40 عامًا كان معدَّل نموّ الناتج المحلي ضعيفًا، بمتوسط 2% سنويًّا، وهذا أقل من المعدَّل السنوي لنمو السكان (2.4%) خلال نفس الفترة. بجانب انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمعدَّل 0.4% في المتوسط سنويًّا ([33]).

من ناحية أخرى ترغب أمريكا بشدة في الضغط على إيران بكل الوسائل الممكنة لإحداث تغير في السياسة الخارجية الإيرانية كشرط لإعادة المفاوضات ورفع الحصار عن اقتصاد إيران، أو خنقه من الداخل والخارج حتى تصل إلى هدفها المنشود ([34]).

3- الخيارات المطروحة أمام النظام الإيراني مستقبلًا

من الممكن أن تشتمل الخيارات المطروحة أمام النظام الإيراني على مجموعة واسعة من الحلول/الحيل الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن يستند النظام إلى واحد منها أو أكثر، لمواجهة التأثيرات الاقتصادية المرتقبة بعد تطبيق العقوبات الأمريكية. ويمكن تلخصيها في ستة خيارات:

1- تقديم تنازلات سياسية في اللحظات الأخيرة للإدارة الأمريكية والعودة إلى طاولة المفاوضات، أو ما يُعرف بسياسة حافة الهاوية التي يلجأ إليها النظام عند تَعقُّد الأمور ووصولها إلى طريق مسدود للحيلولة دون الانهيار الداخلي أو سقوط النظام، وقد لجأ النظام الإيراني بعد الثورة إلى هذه السياسة أكثر من مرة على مدار تاريخه. وتؤيِّد هذا الاتجاه الناشطة الإيرانية ابنة أحد دعائم النظام الإيراني فائزة هاشمي رفسنجاني، التي رأت ضرورة اتِّباع حلول غير اقتصادية، وبالتحديد تغيير السياسة الخارجية الإيرانية، وأيَّدَت احتمالية حدوث تغيير قد يظهر مع الوقت، خصوصًا عند تعقُّد الأمور ووصولها إلى حافة الهاوية، حتى “لا تتعرض البلاد لمزيد من الضرر أو الانهيار” ([35]).
وتقول رفسنجاني: “لقد اعتدنا -الإيرانيين- حل المشكلات بعد أن تصل إلى النقاط الحرجة، كما فعلنا عندما أطلقنا سراح الرهائن الأمريكيين عام 1981 وقبلنا السلام مع العراق عام 1988، سنفعل الشيء نفسه مع ترامب، وكما أن مذهبنا (الشيعي) يسمح لنا بتحديث الإسلام، فلم لا نحدِّث سياساتنا (الخارجية)؟”. ويبدو أن هذا الخيار مرجح جدًّا في ضوء التجارب التاريخية للنظام الإيراني مع العقوبات كما سبق وحدث عند قبول إيران للتفاوض الذي انتهى بتوقيع الاتِّفاق النووي في عام 2015 بعد معاناة الاقتصاد والشعب الإيراني من العقوبات.
2- تَبنِّي برامج إصلاح اقتصادي عاجلة، وهي إما أن تكون برامج إصلاح حقيقية، وإما أن تكون برامج إصلاح بهدف كسب التأييد الشعبي والحفاظ على استقرار الأمن المجتمعي في المقام الأول، أو بعبارة أخرى مجرد مسكِّنات لتهدئة الأوضاع، كالإعانات النقدية للفقراء التي سبق وأقرها الرئيس السابق أحمدي نجاد في أثناء الحصار الاقتصادي، ثم جاء روحاني وألغاها لتقليل النفقات، أو ربما منح إعانات البطالة لاحتواء غضب الشباب. وبالطبع وضع الميزانية الحكومية لا يسمح بتزايد الأعباء المالية، لذا ستكون مثل هذه المسكنات –إن حدثت- على حساب الأداء الاقتصادي الرشيد وزيادة الأعباء الاقتصادية في المستقبل وإزاحتها للحكومات اللاحقة، وربما الاتجاه إلى الاستدانة الخارجية أو زيادة الأنشطة التهريبية لتنمية الموارد المالية.

وقد يتبنَّى النظام برامج إصلاح اقتصادي حقيقي يهدف إلى تنشيط الاقتصاد، لكنه لن يُكسِبه الدعم الشعبي المطلوب في الفترة المقبلة، كأن تُوضَع برامج تتبع سياسات مالية أو نقدية بعينها، كخفض النفقات العامة إلى أقصى حدّ، وزيادة الإيرادات المالية للدولة -لتعويض النقص المتوقع فيها- عبر زيادة الضرائب (ضريبة قيمة مضافة على سبيل المثال) أو مزيد من خفض الدعم (الطاقة وغيرها).
3- الاتجاه للاقتصاد المقاوم مرة أخرى، وهو الاتجاه المفضل لدى المرشد الإيراني خامنئي والذى دعا له في عام 2012 ردًّا على الحصار الغربي لإيران كسياسة قائمة على إحلال الواردات وتشجيع المنتج المحلي بدل الاستثمار الأجنبي، وهذا يتيح دورًا أكبر للتدخل الحكومي ولمؤسسات شبه الدولة في النشاط الاقتصادي، وزيادة تهميش القطاع الخاص في المستقبل. ومؤسسات شبه الدولة هي مؤسسات تجارية تابعة للسلطة الدَّينية أو ما يطلق عليه “البنياد”، بجانب مؤسسات الحرس الثوري الاقتصادية، وما أكثرها، ويكفي أن واحدة منها فقط تُدعَى “خاتم الأنبياء” تمتلك ما لا يقل عن 300 شركة وتعمل في مجالات شتى تشمل النِّفْط والغاز والبتروكيماويات والصناعة والتعدين والبنية التحتية وتشغِّل مئات آلاف الأشخاص، إضافة إلى مزاعم تورُّط شركات الحرس الثوري في أنشطة غير قانونية كتهريب الأسلحة أو البضائع، بما فيها النِّفْط وغيره.

4- التحايل على العقوبات لزيادة الموارد المالية والتقليل من وطأة الحصار الأمريكي على الاقتصاد بوسائل مثل تهريب العملة الأجنبية عبر وكلاء وتجار أو دول داعمة، وبيع النِّفْط بالدولار الأمريكي عبر إحدى دول الجوار، أو بيع النِّفْط بأسعار أقلّ مقابل الكاش/النقد، أو الدخول في صفقات مقايضة البضائع والخدمات بالنِّفْط الإيراني بدلًا من دفع الكاش/النقد، وهناك وسائل مختلفة لا يتسع المجال لذكرها، منها ما كشفت عنه وسائل الإعلام مؤخَّرًا بعد القبض على مديري شركات إيرانية بجوازات سفر مزوَّرة بجنسية جزر القمر؛ للتمكن من تأسيس شركات والتجارة الدولية وتحويل الأموال بعيدًا عن الرقابة الأمريكية([36]).
5- التهديدات اليائسة لأمن واستقرار دول الجوار وربما العالم: يلجأ النظام الإيراني أحيانًا إلى التهديدات بالقول بنشر الإرهاب أو التهديد بإغلاق الطرق الملاحية أمام التجارة الدولية أو التحرش بالسفن التجارية الدولية المارَّة في الممرات الدولية، بل وصل العبث بها إلى تهديد الرئيس الإيراني حسن روحاني نفسه، بتأييد من قاسم سليماني قائد الحرس الثوري، بإغراق المنطقة بالمخدِّرات ومنع إمدادات النِّفْط عن العالم بإغلاق مضيق هرمز([37])، أو بمعنى آخر تهديد أمن وسلامة واستقرار العالم كله، خصوصًا الدول الصناعية. ومع أن إقدام إيران على غلق مضيق هرمز أمر مستبعد الحدوث، لكن إذا ما اختارت إيران مثل هذه القرارات، يكون صانعو القرار قد غفلوا عن أنهم بهذا يفتحون الحرب على دول العالم كافة ويعطون للمجتمع الدولي المبرِّر للتدخُّل بالقوة لتغيير الوضع وإعادة الاستقرار لقطاع الطاقة العالمي([38]).
6- التعويل على كسب التأييد والدعم الاقتصادي من حكومات حليفة، سواء من دول جوار كالعراق أو قطر أو تركيا، أو من الحلفاء التجاريين كالاتحاد الأوروبي وأهم مشتري النِّفْط الإيراني كالصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، أو ربما حلفاء سياسيون كروسيا على سبيل المثال.

لكن من الناحية العملية ما الذي يمكن أن يقدمه كل حليف ممن سبق ذكرهم لدعم الاقتصاد الإيراني في الفترة المقبلة؟

أ- قطر والعراق وتركيا: نمت العلاقات التجارية والسياسية بين دولة قطر وإيران عقب المقاطعة الخليجية منذ عام 2017، وازدهرت العلاقات التجارية تحديدًا بين البلدين خلال أول ثلاثة أشهر من العام الحالي بمعدَّل 214%، بجانب تبادل الزيارات بين كبار المسئولين في البلدين، والتنسيق المتبادل على أعلى المستويات السياسية والاقتصادية (أمير قطر ورئيس إيران) لرفع حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 5 مليارات دولار وتسهيل الأعمال التجارية بين البلدين، وإن كان هذا ممكنًا على مدى سنوات، إلا أنه يوجد أمل ضئيل في التعويل على أثر زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين (كان في حدود 250 مليون دولار خلال عام 2017) في تخفيف وطأة الحصار الأمريكي على الاقتصاد الإيراني على المدى القريب.
لكن ما يمكن التعويل عليه هو حجم ما تمتلكه قطر من الاحتياطيات المالية الضخمة (لأنها من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم، بما يمكِّنها من مراكمة ثروات ضخمة مقارنة بعدد السكان)، مما يجعلها قادرة على دعم إيران ماليًّا في شكل منح غير مستردة أو قروض ميسَّرة أو ودائع بنكية بآجال طويلة من أجل أهداف سياسية، مثلما فعلت سابقًا عندما تراجع الاحتياطي الأجنبي لمصر إلى مستويات خطيرة عام 2013 في أثناء رئاسة محمد مرسي لمصر (ممثِّل جماعة الإخوان المسلمين) بإعطاء قرضٍ بقيمة 5 مليارات دولار (منها أربعة مليارات دولار في شكل وديعة لدى البنك المركزي ومليار دولار منحة لا تُرَدّ) ([39])، وسدَّدَتها الحكومة المصرية لاحقًا بعد مطالبات قطرية برَدّ القرض مباشرة عقب سقوط حكم الإخوان في يوليو 2013.
أما بالنسبة إلى تركيا فالتبادل التجاري بينها وبين إيران قديم ويتباين تباينًا واسعًا عن قطر، إذ تستورد تركيا ما يقارب ثلث حاجتها من الطاقة، خصوصًا الغاز الطبيعي الذي يأتي من إيران([40])، وتستورد إيران منتجات تركية مصنعة. ولذا عقب الانسحاب الأمريكي من الاتِّفاق النووي سارع كل من الرئيس التركي ووزير الاقتصاد بالتأكيد على استمرار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وقال وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي: “على الرغم من قرار واشنطن فسوف تحافظ تركيا على علاقتها التجارية مع إيران ولن تستجيب لأيٍّ كان في هذا الخصوص”([41]).
ويسعى البلدان لتوقيع اتِّفاقيات تجارية ومبادلة عملات ورفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 30 مليار دولار، لكن إذا ما نظرنا إلى حجم التبادل التجاري الفعلي بينهما سنلاحظ انخفاضًا كبيرًا فيه خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ نحو 9 مليارات دولار بنهاية عام 2016، هبوطًا من 20 مليار دولار في عام 2012. لكن قد يفيد تراجع قيمة الليرة التركية مؤخرًا أمام الدولار الأمريكي في زيادة صادرتها للخارج. لكن مع شح في الدولار في الأسواق التركية مؤخرًا سيكون من الصعب على الإيرانيين تهريب الدولار عبر بنوك تركية وشركات واجهة كما كان يحدث خلال سنوات الحصار ما قبل توقيع الاتِّفاق النووي لتأمين موارد دولارية للنظام([42]).

أما التعاون العراقي-الإيراني فيمر بمرحلة فاصلة في تاريخه بعد التقارب الكبير عقب سقوط نظام صدام حسين. وبدأت بوادر هذه العلاقة الجديدة تتشكل بالفعل في الوقت الحاضر في ضوء المستجدات الأخيرة على الساحة العراقية وخروج المظاهرات المنددة بالتدخلات الإيرانية في الشأن العراقي واستخدام الكهرباء الإيرانية كورقة ضغط سياسي على العراق. بجانب تنامي التقارب العراقي مع جواره العربي والخليجي، وحاجة الاقتصاد العراقي إلى التعاون مع القوى الدولية والإقليمية، لا التصادم معها، من أجل المساعدة في إعادة إعمار ما خربته سنوات القتال مع تنظيم داعش. وبالتالي من المستبعد تورط العراق في تحالفات تضر بمصالحه مع المجتمع الدولي من أجل إيران، كتهريب النِّفْط الإيراني عن طريق مواني العراق، لكن لن يمنع هذا الميليشيات الإيرانية من محاولة إيجاد ثغرات وحيل تخفف بها الضغط الأمريكي على الاقتصاد الإيراني ما دامت في الداخل العراقي.
ب- التجارة مع الحلفاء الأوروبيين: دول الاتحاد الأوروبي هي خامس أكبر شريك تجاري لإيران (تقاس بإجمالي الصادرات والواردات بين البلدين)، وتوفّر معظم احتياجات إيران في مجالي الطيران المدني والسيارات وقطع غيارها، لذا تمسكت حكومات أوروبا بالاتِّفاق النووي وطالبت الإدارة الأمريكية باستثناء شركاتها من العقوبات المتعلقة بالتجارة مع إيران، ورفضت الإدارة الأمريكية منح هذا الاستثناء حتى الآن، وحتى إن وافقت عليه فهل سيعوض هذا الاستثناء الشركات الأوروبية توتُّر مصالحها التجارية مع الحكومة الأمريكية؟ من غير المنطقي أن تضحِّي كبريات الشركات الأوروبية -ولو تَمسَّكَت حكوماتها بالاتِّفاق النووي- بجني أرباح من أكبر اقتصاد في العالم (الاقتصاد الأمريكي) المقدر حجمه بـ20 تريليون دولار (20 ألف مليار دولار) مقابل حجم الاقتصاد الإيراني البالغ أكثر من 400 مليار بقليل مع مستقبل مضطرب، كما أن غالبية الشركات الأوروبية التي لها أعمال في إيران تحوِّل أموالها بالدولار الأمريكي، ما يضعها تحت طائلة العقوبات الأمريكية عند التعامل مع الجانب الإيراني، فشركة توتال على سبيل المثال التي سارعت بالخروج من السوق الإيرانية عقب الانسحاب الأمريكي تموِّل 90% من أعمالها عن طريق بنوك أمريكية، و30% من المستثمرين فيها حاملون للجنسية الأمريكية([43]). ومن منطلق أن “رأس المال جبان” كما يُقال، فمن غير المنتظر أن يجدي التعويل الإيراني كثيرًا على غالبية الشركاء الأوروبيين، إن لم يكن كلهم، في حال لم يتغير الموقف الأمريكي من النظام الإيراني.
ج- التعاون الاقتصادي مع روسيا: قد يكون التعويل الروسي الإيراني على الناحية السياسية أوثق منه على الناحية الاقتصادية، فأغلب التبادل التجاري بين البلدين تمحور حول المجال العسكري في السنوات الماضية، لكن حتى بعد رفع العقوبات الغربية عن إيران لم يتعدَّ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2.2 مليار دولار بنهاية 2016. ربما يتم تفعيل اتِّفاقيات النِّفْط الإيراني مقابل البضائع أو المعدات الروسية بدرجة أكبر مستقبلًا، مع التحفظ على مستوى الجودة أو التقنية مقارنة بالنظير الأوروبي، بما يعني أن رفاهية الاختيار أصبحت غير موجودة أمام المستهلك والمصنِّع الإيراني على حد سواء. وترجح أصوات احتمالية زيادة الاعتماد الإيراني على توفير الطائرات المدنية الروسية من طراز سوخوي بدلًا من نظيرتها الغربية، ولكن إذا ما تغاضينا عن حقيقة قصر مدى تلك الطائرات مقارنة بالطائرات الأوروبية، وأن أجزاء من الطائرات الروسية من هذا النوع هي صناعة أمريكية، ممَّا يضع الشركة الروسية تحت طائلة العقوبات. وينبغي الإشارة إلى أن الاقتصاد الروسي هو الآخر لديه من الأزمات ما يكفيه مع حصار اقتصادي من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية على خلفية تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، ويحتاج إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف الحصار على الاقتصاد الروسي.
د- كبار مستوردي النِّفْط الإيراني الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان: هذه الدول هي أكبر مستوردي النِّفْط الخام الإيراني، والمورد المالي الأهم للدولة الإيرانية. وقبل إعادة فرض العقوبات الأمريكية كانت تستورد معًا أكثر من ثلثي صادرات الخام الإيراني، ويذهب الثلث الباقي لدول أوروبا، لذا فاستمرار شرائهم للنفط الإيراني هو الهدف الأهمّ للنظام الإيراني خلال الفترة المقبلة. وطالب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية هذه الدول بخفض صادرات النِّفْط الإيراني إلى مستوى الصفر، واتجه بعضها، كالهند، إلى خفض وارداته النِّفْطية بالفعل، والبحث عن بدائل أخرى مع تصريحات غير مؤكَّدة عن توقف استيراد الهند كليًّا عن استيراد النِّفْط الإيراني بحلول نوفمبر 2018([44]).
وبالنسبة إلى الصين، أكبر مشترٍ للنِّفط الإيراني في آسيا، فلم تعلن حتى الآن عن سياسة واضحة في ما يخص استيراد النِّفْط الإيراني، لكن من المحتمل أن تميل إلى ترجيح كفة مصالحها الاقتصادية الضخمة مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى في ظل الخلافات التجارية بينهما مؤخَّرًا حول التعريفات الجمركية، بينما لا يشكِّل إجمالي تجارة الصين مع إيران سوى 1% مقارنة بباقي دول العالم، بمعني تقليل -لا وقف- كميات النفط المستوردة من إيران تجنبًا لعقوبات أمريكية كما حدث قبل الاتِّفاق النووي (انظر شكل9)، ونظرًا لارتفاع تكاليف شحن ونقل النفط من إيران، أما عن طرق الدفع فلا تمثل مشكلة في تعاملات البلدين التي تتم في شكل تحويلات بريدية أو كاش أو باليورو([45]).

أما كوريا الجنوبية واليابان فمن المرجح جدًّا أن تخفضا استيرادهما للنِّفط الإيراني بمستويات كبيرة كما حدث في عام 2013 (انظر شكل9) حفاظًا على العلاقات الاقتصادية والتجارية الوثيقة جدًّا التي تربطهما بالولايات المتحدة، ومصالح كبريات الشركات اليابانية والكورية العاملة في السوق الأمريكية كشركات تويوتا وهيونداي وغيرها من شركات التقنية والصناعة. ففي عام 2013 انخفض استيراد اليابان من النِّفْط الإيراني إلى الصفر تقريبًا بعد تشديد العقوبات على إيران، مقارنة بنحو 200 ألف برميل يوميًّا في عام 2012، وكذا انخفض استيراد كل من كوريا الجنوبية والهند من مستويات أعلى بقليل من 250 ألف برميل يوميًّا، إلى مستويات قاربت 100 ألف برميل يوميًّا خلال نفس الفترة الزمنية ([46]). أما كوريا الجنوبية فقد تراجع استيرادها النِّفْط الإيراني في شهر يوليو ٢٠١٨ بنسبة فاقت 40% وهو أقل مستوى منذ عام 2015، وسط تكهُّنات بأنها ستوقف الاستيراد نهائيًّا لعدم تأكدها من حصولها على استثناءات من العقوبات الأمريكية على المشترين للنِّفْط الخام الإيراني([47]).

(شكل9)

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 2016، https://goo.gl/vy8oNZ

خاتمة

تَبَايَن الأداء الاقتصادي الإيراني خلال العامين التاليين لتفعيل الاتِّفاق النووي، فخلال عام 2016 كان أغلب المؤشرات الاقتصادية على المستوى الكلي جيدًا نسبيًّا، مدفوعًا في الأساس بطفرة عودة صادرات النِّفْط، بالإضافة إلى ازدهار التجارة الخارجية والعودة الجزئية للاستثمارات الأجنبية الهاربة، في حين شهد العام ذاته تراجع الاحتياطي الأجنبي، وزيادة كبيرة في تسريب الإيرانيين لرأس المال المحلي خارج البلاد، مما يعكس نظرتهم سلبية إلى المستقبل على الرغم من توقيع الاتِّفاق النووي. وفي العام الثاني من الاتِّفاق النووي، أي 2017، تراجع مستوى الأداء الاقتصادي الكلي مع هدوء دفعة نموّ الصادرات النِّفْطية للناتج المحلي الإجمالي، كما ازداد عجز كل من الموازنة وميزان المدفوعات، وارتفعت معدَّلات كل من البطالة والتضخُّم وطبع النقود دون ضوابط.
وفي كلا العامين لم يظهر أثر النموّ الاقتصادي الكلِّي على الوضع الاقتصادي اليومي للمواطن الإيراني بصورة ملموسة، بل على العكس ازدادت أوضاعه الاقتصادية سوءًا وتُرجم ذلك في زيادة معدَّلات البطالة، وتكلفة المعيشة، وفشل السياسة النقدية في الحفاظ على مستويات الأسعار أو تقليل الفجوة بين سِعرَي الصرف الرسمي والموازي، مِمَّا غذَّى وقود احتجاجات نهاية عام 2017 التي غطت أغلب محافظات إيران. أما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتِّفاق النووي في الثامن من مايو 2018، فقد تعرض الاقتصاد لصدمات عنيفة للغاية تُرجمت في صورة انخفاض كبير في معدَّل الصادرات النفطية للخارج، وسرعة خروج الشركات الاستثمارية العاملة في مجالات حيوية كالنفط والغاز والشحن البحري والتأمين والبنوك والطيران، كما تعرضت العملة المحلية لسلسلة انهيارات حادَّة أفقدتها أكثر من 45% من قيمتها من مايو حتى نهاية يوليو.
تناولت الدراسة سيناريوهين لمستقبل الاقتصاد الإيراني في ضوء المستجدات، أحدهما يتبنى أن العقوبات الجديدة ستقود إلى نقص حادّ في الموارد سوف يخلق على الأرجح “أزمات اقتصادية” مع تبعات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة ستضغط على النظام الإيراني لإحداث تغيير في سياساته الداخلية والخارجية. والسيناريو الآخَر -وهو أقلّ ترجيحًا- يتناول فرضية انهيار الاقتصاد الإيراني التي تتطلب لتحققها افتراضات قاسية، لا نتوقع أن النظام سيدعها تصل إلى هذا الحد دون تدخل أو تقديم إصلاحات داخلية، وتنازلات خارجية تضمن بقاءه، وهو خيار يجيد النظام الإيراني لعبه، كأحد الخيارات الواسعة المطروحة أمامه لضمان بقائه، والتي منها الدعوة إلى الاقتصاد المقاوم، والتحايل على العقوبات بطرق شتى، وتشكيل تحالفات اقتصادية مع بعض الدول، وربما التهديد بتقويض أمن واستقرار قطاع الطاقة العالمي ودول الجوار، لكن رغم ذلك تظلّ قدرة هذه الخيارات على جلب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إيران محدودة للغاية في ظلّ قسوة العقوبات وشراسة الإدارة الأمريكية في التعامل مع النظام الإيراني لتغيير سياسته الخارجية.

أخيرًا ينبغي الإشارة إلى امتلاك الدولة الإيرانية مقدَّرات اقتصادية هائلة تؤهِّلها لأن تكون في مصافّ الدول المتطورة، إذ تحوي أرضها مقدَّرات طبيعية ضخمة من النفط والغاز وركائز بشرية شابة وأصول رأسمالية متنوعة، لكنها إلى الآن لم تترجَم في شكل نهضة اقتصادية وتنمية بشرية متكاملة، وهو ما ينبغي أن يلتفت إليه صُنَّاع القرار الإيراني بدلًا من توجيه ثروات وموارد البلاد المالية والبشرية بما لا يعود بالنفع على الشعب الإيراني، وبما يثير الصراعات الإقليمية، وتختزل بضعة مؤشرات اقتصادية الوضع دون تنظير، على مدار نحو 40 عامًا نما فيها الناتج المحلي الإجمالي لإيران بمتوسط 2% سنويًّا، وهذا أقلّ من المعدَّل السنوي لنموّ السكان البالغ 2.4% سنويًّا، أي إن تَوَسُّع حجم الاقتصاد لا يكفي ولا يتناسب مع نموّ السكان، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمعدَّل 0.4% سنويًّا في المتوسط، والأخير مؤشِّر على الإنتاجية وتطوُّر مستوى معيشة الفرد الإيراني عبر قرابة 40 عامًا.

[1]
إواليلي بساران، الثورة الإسلامية والاقتصاد صراع النخب حول استقلال الاقتصاد الإيراني، ترجمة مجدي صبحي، طبعة دار التنوير، بيروت القاهرة تونس، 2012، ص11 وما بعدها.
[2]
انظر: عبد المطلب عبد الحميد، السياسات الاقتصادية على مستوى الاقتصاد القومي (تحليل كلي)، مجموعة النيل العربية، الطبعة الأولى 2013، ص27 وما بعدها.
[3]
انظر: عالية المهدي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مستقبل الإصلاح الاقتصادي، الملف المصري، العدد 42، السنة الرابعة، 2 فبراير 2018. ص43 وما بعدها.
[4]
أحمد شمس الدَّين ليلة، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، بعد عام الاقتصاد المقاوم.. أين يقف الاقتصاد الكلِّي الإيرانيّ؟، 28 مارس 2018، https://goo.gl/7R9jfF
[5]
David P. Goldman, Asia Times, Iran’s complex of crises catches up with the regime, 3 January 2018. https://goo.gl/c4B6mZ
[6]
اقتصاد نيوز، تحلیل گزارش صندوق بین المللی پول در مورد اقتصاد ایران + اینفوگرافی 18/10/1395،http://cutt.us/6SFpF
[7]
Djavad Salehi-Isfahani, Project Syndicate, How Iran Will Respond to New Sacctions, 2 May 2018. https://goo.gl/fH2g18
[8]
أوسيلفان وشفرين وآخَرون، الاقتصاد الكلي.. المبادئ الأساسية والتطبيقات والأدوات، مكتبة لبنان ناشرون الطبعة الأولى 2014. ص509 وما بعدها.
[9]
دبليو تشارلز سوير وريتشارد د ل وآخرون، الاقتصاد الدولي، مكتبة لبنان ناشرون الطبعة الأولى 2015، ص334.
[10]
Djavad Salehi-Isfahani, djavadsalehi.com, How large is capital flight from Iran?, 19 April 2018. https://goo.gl/rKoJWP
[11]
Central Bank of Iran(CBI), Economics Trends No: 87(1395 Fourth Quarter) and 90(1396 Third Quarter).
[12]
انظر: شيرين الشواربي، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، السياسة النقدية: الاستقرار الاقتصادي وأشياء مهمة أخرى(2014-2017)، الملف المصري، العدد 42، السنة الرابعة، 2 فبراير 2018، ص5 وما بعدها.
[13]
BMI Research, Sanctions Impact Not As Bad As 2012, 22 May 2018.https://goo.gl/Gfv2Xd
[14]
US withdraws from Iran Nuclear Deal, EY Global Tax Alert Library, 14 may 2018, https://goo.gl/98YBMw
[15]
UNCTAD, 2018, World Investment Report 2018.
[16]
تقرير الحالة الإيرانية، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، الملف الاقتصادي، عدد يونيو 2018، ص19.
[17]
DW, How will Iran's economy hold up if sanctions return?, 11 May 2018.https://goo.gl/nrPFLk
[18]
BMI Research, Op. Cit.
[19]
أمیر أفسردیر، صحيفة تجارت، مسیر اقتصاد إیران در ماه‌های آینده، ۲۹خرداد ۱۳۹۷http://soo.gd/OL4E
[20]
BMI Research, Op. Cit.
[21]
Djavad Salehi-Isfahani, Project Syndicate, Op. Cit.
[22]
Shivani Singh, Institute of Peace and Conflict Studies, Iran's Economic Losses and the Nuclear Deal- Analysis, 27 June 2018. https://goo.gl/BiS6Rj
[23]
Ilan Berman, The Wasington Times, Optimizing America's outreach toward Iran, 27 June 2018.https://goo.gl/tFYE8G.
[24]
Djavad Salehi-Isfahani, Brookings, With the US out, how can iran benefit from the JCPOA?, 16 May 2018. https://goo.gl/Zds2qF
[25]
Bijan Khajehpour, Al Monitor, Will Iran's economy collapse?, 25 Jun 2018. https://goo.gl/GJHifC
[26]
Sanam Vakil, Hoover Institution- Stanford university, Iran on the brink: Challenges and Opportunities for Washington. May 2018. https://goo.gl/TdqJYs
[27]
Economic Collapse, Investopedia, https://goo.gl/wf7XJN.
[28]
جون كينيث جالبريث، الانهيار الكبير 1929، ترجمة حمدي أبو كيلة، المركز القومي للترجمة(مصر) الطبعة الاولي 2014، ص109 وما بعدها.
[29]
Reed College, Economics 201, Case of the Day: Money and Inflation in Argentina. https://goo.gl/bPNX57
[30]
Economic Collapse, Op. Cit.
[31]
DW, Op.Cit.
[32]
DW, Op.Cit.
[33]
Sanam Vakil, Op.Cit.
[34]
Blaise Misztal with others, Bipartisan Policy Center, U.S. Policy Toward Iran: Strategic Options, May 2018. P:12,P:5. https://goo.gl/XpuiQv
[35]
وكالة تسنيم، واکنش مثبت بازار به تصمیم جدید دولت/ قیمت دلار و سکه کاهشی شد، 4 تير 1397، http://soo.gd/2SbT
[36]
موروني، الشرق الأوسط، مع بدء تأثير العقوبات.. مديرو شركات إيرانية يشترون جوازات سفر إفريقية، 1 يوليو 2018، https://goo.gl/6ceXoB
[37]
بثينة عبد الرحمن وآخرون، الشرق الأوسط، الحرس الإيراني يهدّد بقطع إمدادات النِّفْط، 5 يوليو 2018، https://goo.gl/vT2tN4
[38]
محمد السلمي، سكاي نيوز عربية، د.محمد السلمي، إيران.. بين ضغط العقوبات والتهديد بنشر الفوضى، مداخلة تليفزيونية، 4 يوليو 2018. https://goo.gl/1LHmWH
[39]
هيثم محمد، الشرق، مليارات قطر الخمسة لمصر، 10 يناير 2013. https://goo.gl/4k4CnA
[40]
Financial Tribune, Turkey Affirms Iran’s Economic Importance Amid US Sanctions, 22 july 2018.
[41]
Sinem Cengiz, Arab News, Implications for Turkey of the US withdrawal from Iran nuclear deal, 11 May 2018. https://goo.gl/75gniH
[42]
كاثرين باور، معهد واشنطن، جوانب تأثّر إيران المحتملة بالعقوبات الأمريكية(الجزء الثاني): العمل بطريقة أكثر ذكاءً، وليس أكثر شقاءً، 18 يونيو 2018. https://goo.gl/nx7LeW
[43]
Shivani Singh, Op. Cit.
[44]
العربي الجديد، هل توقف الهند استيراد النِّفْط الإيراني كليًّا؟، 28 يونيو 2018، https://goo.gl/Y3SnYK
[45]
ICIS Chemical Business, Market intelligence: China-Iran petrochemicals trade insulated from US sanctions, 17 May 2018.https://goo.gl/8Yu9dJ
[46]
أحمد شمس الدَّين ليلة، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، مستوردو النِّفْط والغاز الإيرانيَّين.. الواقع والمستقبل، 16 أغسطس 2016.https://goo.gl/vy8oNZ
[47]
Reuters, UPDATE 1-S.Korea's June crude oil imports drop lowest since Jan 2015, 2018. https://goo.gl/M5RnuL
أحمد شمس الدين ليلة
أحمد شمس الدين ليلة
باحث اقتصادي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية