الأفغانيات المهاجرات في إيران يتحدثن عن أوضاعهن

بواسطةجنور مكي

ما يلي نتيجة لدراسة أجرتها باحثة الاجتماع الإيرانية جنور مكي في ربيع وصيف 2016 حول «الظروف المعيشية للمرأة الأفغانية المهاجرة في إيران»، ولم تُنشر هذه الدراسة إلا في يوليو 2018 لأسباب لم تتطرق إليها الباحثة.
تبحث هذه الدراسة في عدد من مؤشرات الرفاهية بين النساء المهاجرات الأفغانيات في إيران. ويجدر بالذكر أن ظروف الرفاهية لدى النساء الأفغانيات غير منفصلة عن ظروف الأسرة التي يعشن فيها. كما تتطرق الدراسة إلى المؤشرات الكلية التي تنطبق على كل العائلات الأفغانية المهاجرة، إضافة إلى مؤشرات أخرى تخص النساء اللواتي تُستطلَع آراؤهن في الدراسة. وتتضمن المؤشرات التالية: الرواتب الشهرية للأُسَر، وحجم استهلاك البروتين الحيواني (اللحوم والدجاج والسمك) والفواكه، ومستوى التعليم، والحصول على الإمكانات العامّة (السينما والمسرح والنوادي الرياضية، إلخ) والصحة، والشعور بالأمن الاجتماعي.
واستطلعت الدراسة رأي 90 امرأة أفغانية يُقِمن في طهران (أحياء مخفر نعمة أباد، ومولوي، وخيام، وبانزده خرداد) ومدينة شهريار، والأحياء المحيطة بمعامل الطابوق في قرية محمود آباد في جنوبي طهران.

مدخل
تحولت إيران إلى مكان يقصده الأفغان للهجرة منذ بداية الحرب الأهلية والاضطرابات الاجتماعية في أفغانستان في الثمانينيات، وشهدت أفغانستان 3 موجات هجرة تعود إلى فترة الوجود العسكري لقوات الاتحاد السوفياتي في أفغانستان والحرب الداخلية في البلاد وفترة حكم طالبان[1]، واختلفت نسبة المهاجرين الأفغان في إيران في الفترات الزمنية المختلفة بسبب تغير الظروف الداخلية وتغيير سياسات الهجرة في الدول المستضيفة، ونشرت وزارة شؤون المهاجرين والعائدين الأفغانية إحصائية في 2017 أشارت إلى أن مليونين و430 ألف مهاجر أفغاني يقيمون في إيران، حيث لا يملك نحو مليون شخص منهم بطاقة هُوية، وحصل البقية على بطاقة إقامة قصيرة الأمد وبعيدة الأمد، وبعضهم يمدد إقامته[2].
وتمتع المواطنون الأفغان المقيمون في إيران بحقوق مواطنة على غرار رخص العمل والتعليم المجاني في 1979 إلى 1992، غير أن الحكومة الإيرانية سلبت منهم العديد من الحقوق والمزايا منذ منتصف التسعينات[3]. على سبيل المثال، تم حظر إقامة الأفغان في عدد من المدن الإيرانية، ويحظر عليهم تولي بعض الوظائف، كما أن الأطفال الأفغان من المهاجرين يواجهون موانع عديدة للدراسة في إيران على غرار الرسوم المدرسية الباهظة وعدم الحصول على تمديد لبطاقة الإقامة، ما جعل كثيرين منهم يُحرَمون من التعليم.
وتتحمل الطبقة العاملة والفقيرة أعباء اقتصادية مضاعفة إثر تنفيذ مرحلة جديدة من السياسات النيوليبرالية في إيران خلال الأعوام الأخيرة، وتطبيق هذه السياسات، فضلًا عن ارتفاع الأسعار والتضخم الجامح وارتفاع نسبة البطالة وانخفاض الرواتب إلى ما دون خط الفقر، يهدّد حياة الملايين من الأفراد، والسؤال هنا هو: كيف هي الظروف المعيشية للمهاجرين الأفغان، خصوصًا النساء منهم في إيران، وعلى الأخص أولئك اللواتي لم يحصلن في نفس الوقت على حقوق المواطنة؟

العيِّنة
المستطلعة آراؤهنّ في هذه الدراسة هنّ نساء أفغانيات تتراوح أعمارهنّ بين 18 و70 عامًا، وقد تواصلت الباحثة مع عدد من العائلات الأفغانية بسبب نشاطها لعدة سنوات في منظمات حماية الأطفال، ومنها مؤسسة حماية الأطفال العاملين، وأطفال الشوارع، كما أن أبناء بعض النساء المستطلعة آراؤهنّ ينشطون كمساعدين اجتماعيين في مؤسسة حماية أطفال الشوارع والأطفال العاملين، وبهذه الطريقة تمكنت الباحثة من التحاور مع عدد منهم، وتمكنت أيضًا عن طريق صديق كان ينشط كمساعد اجتماعي في الأحياء المحيطة بمعامل صنع الطابوق في محيط طهران من التحاور مع عدد من النساء الأفغانيات المقيمات في هذه الأحياء الواقعة في منطقة محمود آباد في جنوبي طهران، واستفادت في هذه الدراسة من كل المعلومات التي حصلت عليها.
وتحاول الدراسة التطرق إلى مستوى الرفاهية بين النساء الأفغانيات المهاجرات إلى إيران، ويستخدم باحثو علم الاجتماع مؤشرات عديدة لتحديد مستوى الرفاهية الاجتماعي، وعليه فقد استخدمت الباحثة مؤشرات على غرار: حجم الإيرادات الشهرية للأُسَر، وحجم الاستهلاك الشهري من البروتين الحيواني (اللحم الأحمر والدجاج والسمك) وحجم الاستهلاك الشهري من الفواكه، ومستوى التعليم، وحجم الحصول على المرافق العامة (السينما والمسرح والنوادي و…)، ومستوى الحصول على الخدمات الصحية، والشعور بالأمان الاجتماعي، بالإضافة إلى تقديم صورة واضحة وموضوعية عن وضع النساء الأفغانيات المهاجرات إلى إيران.

هدف الدراسة:
وفقًا للباحثة فإن الهدف من الدراسة ليس كتابة مقال علمي من أجل الأرشفة في المواقع الأكاديمية أو على رفوف مكتبات الجامعات، بل القصد أن يفهم النشطاء الاجتماعيون وطلائع الطبقة العاملة الوضع المعيشي للمهاجرين الأفغان في إيران، وخصوصًا المهاجرات الأفغانيات كفئة من الطبقة العاملة والمسحوقة في إيران بشكل صحيح. وفي ملحق هذا المقال ستجدون جداول مفصلة يجب قراءتها بدقة بسبب أهميتها الفائقة، لأن كل سطر منها يظهر زوايا من حياة الأفغان، وخصوصًا النساء المهاجرات في إيران، وفي الواقع كل صف من هذا الجدول يروي لنا حياة عائلة أفغانية في إيران.

تحليل المعطيات
في هذا الجزء تذكر الباحثة أنها قامت بالكتابة عن مؤشرات الرفاه الاجتماعي، كل على حدة، إذ توجد معطيات خاصة ببعض هذه المؤشرات مرفقة في الجدول الملحق، بعد تحليل المعطيات الأخرى الخاصة بسائر المؤشرات دون جداول وبشكل موجز.

دخل الأُسرة في إيران
إن أحد أهمّ مؤشرات الرفاه الاجتماعي في إيران هو دخل الأسرة الذي يؤثر على جميع المؤشرات الأخرى، ويمكن مشاهدة البيانات الخاصة بدخل الأُسر الأفغانية في الجداول المذكورة في نهاية الدراسة، فعلاوة على دخل الأسرة، تشير هذه البيانات إلى مصدر هذا الدخل، وذلك تحت عنوان عدد الأشخاص العاملين في العائلة، فإذا حاولنا أن نأخذ معدلًا من الدخل الشهري للمستطلعة آراؤهنّ في هذه الدراسة فسيكون الرقم 697 ألف تومان تقريبًا (166 دولارًا حسب سعر الصرف الرسمي الذي يبلغ 4200 تومان للدولار الواحد، بينما وصل سعر الصرف في السوق السوداء إلى 15000 تومان للدولار الواحد تقريبًا)، لكن يجب أن أشير إلى بعض الأمور حول معدل الدخل هنا.
 الأمر الأول: في عام 2016 حددت الحكومة الحد الأدنى للأجور للعمال بنحو 812 ألف تومان (193 دولارًا بحسب سعر الصرف الرسمي)[4]، وهذا يعني أن دخل الأُسر الأفغانية عند كتابة هذه الدراسة كان أقل من الحد الأدنى لأجور العمال في ذلك العام بنحو 14.4%، ويجب التذكير بأن خط الفقر في ذلك العام بلغ 3 ملايين و500 ألف تومان (833 دولارًا) وفقًا لتصريحات الخبراء الاقتصاديين، وكذلك البيان الذي أصدرته التنظيمات العمالية المستقلة في نهاية ذلك العام[5]، وبالتالي فإن الحد الأدنى لأجور العمال الذي تم تحديده في عام 2016 وكذلك معدل الأجر الشهري للأُسر الأفغانية في ذلك العام كانا أقل بكثير من خط الفقر ولا يلبيان مستلزمات حياة إنسانية عادية.
♦ الأمر الثاني: في ما يتعلق بمعدل الدخل الشهري للأُسر الأفغانية، هناك أمر أشرت إليه في المقدمة وهو أني كتبت هذه الدراسة في ربيع وصيف 2016، لكن كما تشاهدون في الجداول فإن الأشخاص العاملين في معظم الأُسر الأفغانية هم إما عمال موسميون وإما عمال يشتغلون في أفران الطوب، وهم في الواقع يخسرون أعمالهم خلال فصل الشتاء، إذ تتوقف أفران الطوب ومعظم الأعمال الموسمية، وهذا يعني أن أفضل توقيت لعمل هؤلاء العمال هو فصلا الربيع والصيف، وبهذا لا تحصل العوائل الأفغانية المهاجرة على معدل الدخل الآنف الذكر خلال فصلي الخريف والشتاء، وعليها أن تدّخر جزءًا من دخلها خلال الربيع والصيف لأشهر الخريف والشتاء، إذ لا يوجد لديها فرص عمل، ويمكن القول إنني لو قمت بهذه الدراسة في الخريف والشتاء لكانت أرقام العاطلين عن العمل مرتفعة جدًّا. والجدير بالذكر أنني عندما كنت أقوم بهذا البحث وجدت 4 أُسر عاطلة عن العمل تمامًا، وقالت بأنها تعيش على مساعدات المنظمات الخيرية التي تصل إليهم أحيانًا.
♦ الأمر الثالث: إذا طالع القارئ وبدقةٍ الجداول فسيرى درجة عالية للاستغلال الذي يتعرض له العمال الأفغان في إيران، على سبيل المثال في الترتيب 73 نشاهد الدخل الشهري لأسرة تتألف من 7 أشخاص أعلى بكثير من دخل سائر الأسر، إذ تكسب هذه الأسرة شهريًّا 3 ملايين تومان (714 دولارًا)، لكن هذا المبلغ جاء نتيجة لعمل كل الأعضاء السبعة لهذه الأسرة، أي في الواقع يشتغل هؤلاء كلّهم كعمال أو باعة ويصل دخلهم الشهري بالمجموع إلى 3 ملايين تومان، فإذا قسمنا هذه الـ3 ملايين تومان على هؤلاء السبعة سيكون معدل دخل كل منهم نحو 429 ألف تومان (102 دولار)، وفي الترتيب 62 نشاهد معلومات تخص أسرة تتألف من 6 أشخاص تكسب شهريًّا مليونًا وثلاثمئة ألف تومان فقط (309 دولارات). لكن هذا المبلغ نتيجة العمل الشهري في أفران الطوب لكل أعضاء الأسرة، كما يوجد في الترتيب 5 معلومات تخص أسرة تتألف من 8 أشخاص يبلغ دخلها الشهري 500 ألف تومان (119 دولارًا)، وهو نتيجة عمل بدوام كامل لطفلين عمرهما أقل من 18 عامًا.
♦ الأمر الرابع: في حالات كثيرة ينهب أرباب العمل الأجور القليلة للعمال الأفغان، وذلك بسبب فقدان هؤلاء العمال لبطاقات الإقامة القابلة للتمديد، فهم بدورهم لا يجرؤون على الاحتجاج خشية الترحيل إلى أفغانستان، فعلى سبيل المثال قالت لي سيدة أفغانية كانت تقوم بتنظيف البيوت سابقًا، إنه وفي حالات عديدة لم يدفع لها أصحاب البيوت أجرها بعد تنظيف البيوت قائلين لها: «إنك أفغانية، ومن واجبك العمل لدينا».
بالنظر إلى ما أشرتُ إليه سابقًا، يمكنني القول إنّ معدل الدخل الشهري للأسر الأفغانية (697 ألف تومان أو ما يعادل 166 دولارًا) لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوضح الظروف الحقيقية لهذه الأسر ومدى الاستغلال الذي تتعرض له، فالأجور المنخفضة وعدم وجود وظائف دائمة يؤثر على جميع جوانب الحياة للأسر الأفغانية، وتؤكد النسبة المرتفعة للأطفال العاملين في الأسر الأفغانية المهاجرة في إيران على الدخل القليل لهذه الأسر، إذ يضطر الأطفال الأفغان إلى أن يعملوا منذ نعومة أظفارهم بأجور زهيدة -أقل من سائر العمال- لسدّ الاحتياجات الاقتصادية لأسرهم، وقد يتعرضون في أمكنة العمل لأنواع الأضرار الاجتماعية.

أوضاع التوظيف
في هذه الدراسة وجدنا فقط 22.2% من النساء الأفغانيات المهاجرات يشتغلن كعاملات، ومعظمهن كن يعملن مع بقية أفراد الأسرة في أفران الطوب، وكان لهن دور في دعم اقتصاد الأسرة، كما تعمل هؤلاء النساء كبائعات، وعاملات في مجال الخياطة وورش الجوارب والنظافة في البيوت وتعبئة الفاكهة.
وقد ذكرنا في الجداول مدة الإقامة في إيران حسب السنة أو الشهر، وكما تشاهدون لم تؤثر مدة إقامة النساء الأفغانيات في إيران على إمكانية توظيفهن أو على دخل الأسرة، على سبيل المثال في إحدى الحالات عثرنا على امرأة أفغانية عاطلة عن العمل رغم أنها تقيم في إيران منذ 42 عامًا، وابنها عامل موسمي يكسب شهريًّا 600 ألف تومان (143 دولارًا)، وفي حالة أخرى كانت هناك امرأة أفغانية عاطلة عن العمل تقيم في إيران منذ 3 أشهر، وزوجها عامل بناء يكسب 600 ألف تومان شهريًّا.

حجم استهلاك البروتين
أحد مؤشرات الرفاه الاجتماعي في هذه الدراسة هو نسبة استهلاك البروتين الحيواني (اللحم والدجاج والسمك)، فإذا أخذنا معدل استهلاك البروتين شهريًّا للأسر المشاركة في هذا التحقيق فسيكون الرقم 2.44 وجبة، أي أقل من 3 وجبات، بالأحرى إن هذه الأُسر تستهلك شهريًّا أقل من ثلاث وجبات مزودة بالبروتينات، وكما نشاهد في الترتيب الخاص بنسبة استهلاك البروتين، هناك 7 أُسر لم تستهلك أيّ بروتين حيواني عند كتابة هذه الدراسة، و12 أسرة كانت تستهلك البروتين مرة واحدة في الشهر، إذ قالت تلك النساء إن تلك الوجبة (أو الوجبتين) المزودة بالبروتينات شهريًّا، كانت تصل إليهم بواسطة المساعدات الخيرية وأطعمة «النذور».

كمية استهلاك الفاكهة
يبلغ حجم استهلاك الفاكهة شهريًّا بين الأُسر التي دُرست نحو 3 وجبات في الشهر، إذ بلغت نسبة استهلاك الفاكهة بين 12 أسرة عند إجراء هذا التحقيق صفرًا، فمن بينها كانت أسرة واحدة تتناول الفاكهة فقط عند وجود ضيف في البيت، وفي الواقع إنّ الاستهلاك الشهري للفاكهة بين هذه الأُسر منخفض جدًّا.

الاستفادة من المرافق العامة
القصد من المرافق العامة في هذا التحقيق: السينما، المسرح، النوادي الرياضية، المتاحف، الحدائق… ووجدنا أن نحو 4.4% فقط من هؤلاء النسوة يحصلن على إمكانيات المرافق العامة كالسينما والمسرح والنوادي الرياضية والمتاحف، بينما سائر الأفغانيات المهاجرات، أي 95.6% يستخدمن فقط الحدائق العامة، وشاهدنا في السنوات الاخيرة حركةً لمنع الأفغان من دخول بعض الحدائق في مختلف المدن الإيرانية، وبذلك حرموا العديد من الأفغان من الاستفادة من الحدائق العامة في إيران.

مستوى التعليم
بلغ عدد الأميات بين المهاجرات الأفغانيات اللواتي شاركن في هذا التحقيق 56.7%، بينما لم يتعدَّ المستوى التعليمي لـ30% منهن المرحلة الابتدائية (وأحيانًا عند حدّ القراءة والكتابة فقط)، وبلغت نسبة من يحملن منهنّ شهادة المرحلة الإعدادية 7.8%، ونحو 5.5% منهن كن يحملن شهادات جامعية.
وقد تمكّن 30% منهن من تعلم القراءة والكتابة في المرحلة الابتدائية في الصفوف التي وفرتها منظمات غير حكومية (إن جي أوز).

الوضع الصحي
تطرقت الدراسة إلى الوضع الصحي وإمكانية الاستفادة من المرافق الصحية كمؤشر للرفاه لهؤلاء النسوة، ووُجد أن 41% من النساء الأفغانيات المشاركات في هذا التحقيق يعانين من أمراض مختلفة، ولم يتمكنّ من الحصول على إمكانيات المرافق الصحية، ويُعد ارتفاع تكاليف العلاج وعدم شمول التأمين الصحي لهن من الأسباب التي تحول دون ذهابهن إلى المرافق الصحية، وتعاني هؤلاء النساء من أمراض مختلفة، بما فيها أمراض الجهاز الهضمي، والأمراض النفسية والأعصاب، وأمراض العمود الفقري، وأمراض الكلى، والأمراض الجلدية والأمراض المعدية، وغيرها، بل كان هناك نسوة أُصبن بأمراض قلبية بما فيها الجلطة القلبية، غير أنهن لم يتمكنّ من زيارة المراكز العلاجية في إيران.

السكن
يعاني الأفغان الذين يقيمون في أحياء أفران الطوب في جنوب طهران من أزمة سكن خانقة، إذ يقيم العمال في غرف جاهزة يوفرها أرباب العمل (أصحاب الأفران) للعمال الذين يعملون في أفران الطوب، ويشكل العمال المهاجرون الأفغان معظم سكان هذه الغرف الواقعة بالقرب من الأفران، وتسكن كل أسرة في غرفة مساحتها 12 مترًا مربعًا، ولديها مطبخ مشترك مع جارتها، وأحيانًا تُمنح غرفتان من هذا النوع لأسرة كبيرة، وعادة يستخدم عدد من الأُسر (أحيانًا 20 أسرة) حمّامًا ومرحاضًا مشتركًا لا يتمتع بشروط صحية مناسبة، وهذا ما يؤدي إلى انتشار مختلف الأمراض المعدية بين سكان هذه البيوت.
خلال الفترات التي توقفت هذه الأفران عن أعمالها، يطالب أصحاب العمل العمال بدفع إيجار هذه الغرف، ويعتمد مبلغ الإيجار على ما يطلبه صاحب الفرن، فعلى سبيل المثال تدفع بعض الأسر شهريًّا نحو 80 ألف تومان (19 دولارًا) كإيجار لهذه الغرف، والبعض الآخر من الأُسر الأفغانية يدفع مسبقًا مبلغًا يوصف بالوديعة يتراوح بين 5 ملايين إلى 25 مليون تومان (1200-6000 دولار)، علاوة على الوديعة يدفع البعض شهريًّا مبلغ 20 ألف تومان (5 دولارات) كإيجار لهذه الغرف.
القضية الأخرى التي يجب ذكرها هنا هي أن هذه الأفران تقع في صحارى جنوب طهران وعلى طول الطريق الواصل بين العاصمة ومدينة ورامين، إذ يتعرض سكان هذه الغرف لشتى أنواع الأمراض الجلدية والمعدية بسبب ارتفاع نسبة الغبار، وأيضًا بسبب قربها من بعض مراكز تجميع النفايات.
يتمتع المهاجرون الأفغان القاطنون في مدينة طهران أو مدينة شهريار بظروف أفضل مقارنة بالمهاجرين الأفغان القاطنين في حي أفران الطوب، غير أن الإيجار الشهري لهذه البيوت أغلى، ويبلغ أحيانًا 400 ألف تومان (95 دولارًا) للبيت الواحد.

الشعور بالأمان الاجتماعي
لم تشعر نحو 51% من النساء الأفغانيات اللواتي شملتهن الدراسة بالأمان الاجتماعي، والسبب يعود إلى عاملين: الأول -وفقًا لهؤلاء النسوة- هو تعرضهن للإساءة والعنف اللفظي في الشارع والحارة ومن قِبل الجيران وأرباب العمل الإيرانيين. والعامل الثاني الذي طرحته هؤلاء النسوة هو أنهن لا يشعرن بالأمان عند الذهاب إلى دورات المياه ليلًا، إذ يجب أن يرافقهن شخص ما، لأن دورات المياه المشتركة بعيدة نوعًا ما عن الغرف، ولا يشعرن بالأمان عندما ينوين الذهاب وحدهن إليها.
الموضوع الآخر بخصوص الشعور بالأمان الاجتماعي هو أن 4 من النساء اللواتي يعتقدن بأنهن يشعرن بالأمان الاجتماعي شرحن السبب بقولهنّ: «نحن لا نخرج من البيت إلا نادرًا، ولا توجد لدينا مشكلة في هذا المجال». وفي الواقع إن هذا الشعور بالأمان سببه تهميشهن وحرمانهن من الحياة الاجتماعية.

النتيجة
بخصوص تعميم هذا التحقيق على المهاجرين الأفغان الآخرين في إيران، يجب أن نشير إلى نقطتين: الأولى أن الظروف الثقافية والاجتماعية في مختلِف المدن الإيرانية يمكن أن تختلف مع النماذج المطروحة في هذا التحقيق، وهذا بدوره يمكن أن يؤثر على الرفاه الاجتماعي والثقافي للمهاجرين الأفغان في المدن المختلفة. والنقطة الثانية، وهي الأهم، أن نتائج هذا التحقيق قابلة للتعميم على فئات واسعة من المهاجرين الأفغان في إيران حيثما يرتبط الأمر بالوضع الاقتصادي لمعظم هؤلاء المهاجرين.
الواقع هو أن العاملين الأفغان المهاجرين، وخصوصًا المرأة الأفغانية المهاجرة كجزء من الطبقة العاملة داخل جغرافيا إيران، يتعرضون لاستغلال مضاعف من جهات عدّة، ويعيشون في ظروف غير إنسانية، وتُعتبر الأجور المنخفضة جدًّا عن خط الفقر، والبطالة، وعدم الحصول على الغذاء المناسب، وعدم الحصول على الخدمات الصحية والعلاجية والتعليمية والسكن والمرافق العامة والترفيهية، من المشكلات الرئيسية التي يواجهها المهاجرون الأفغان في إيران. وفضلًا عن هذه التحديات هناك الممارسات العنصرية ضد الأفغان الذين يتعرضون للسخرية والتحقير والإساءة، ما يجعل حياتهم أصعب بكثير ويحرمهم من التمتع بحياة إنسانية.
يحرم المهاجرون الأفغان في إيران، وبحجج واهية مثل «الإقامة غير الشرعية»، من حقوقهم كمواطنين، ويتعرضون للاستغلال بصفتهم قوى عاملة رخيصة في مختلف القطاعات الاقتصادية وحتى في الشركات والمؤسسات العامة، وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة فكثير منهم يفضل أن يبقى في إيران لأن أفغانستان أصبحت من ضمن أكثر الدول خطورة على حياة المواطنين، خصوصًا النساء، بسبب الحضور العسكري والجماعات الإرهابية.
إنّ تغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين الأفغان، وحصولهم على حياة إنسانية، رهنٌ بالنضال ضد العلاقات غير المتكافئة وغير العادلة للنظام الرأسمالي، ومكافحة الممارسات العنصرية ذات الدوافع العرقية والقومية.
إنّ صفة «المهاجر» أو «المهاجر غير الشرعي» تمنح أرباب العمل والحكومة، كونها صاحب العمل الأكبر، الفرصة لاستغلال المهاجرين بشكل أكبر، ولتحسين أوضاع المهاجرين الأفغان يجب مكافحة أسباب هذا الاستغلال وانعدام العدالة في النظام الرأسمالي، وأيضًا مكافحة التمييز العنصري والقومي، وبهذا الشكل ستتغير انطباعات المجتمع حول المهاجرين، ونستطيع فرض حقوق المهاجرين الأفغان على الحكومات باعتبارهم مواطنين.
في الختام يجب أن أشير إلى أن معظم التحليلات والتقارير حول ظروف المهاجرين الأفغان في إيران تظهرهم على أنهم جزء من الطبقة العاملة وأنهم طبقة فقيرة ومحرومة، غير أنها لم تلتفت إلى القوة والطاقة التي يملكها المهاجرون الأفغان للتدخل والحضور والمشاركة في الكفاح الطبقي والاجتماعي، لذا يجب على الأحزاب السياسية والمنظمات والتشكلات العمالية إعادة النظر في سياساتهم حول هؤلاء باعتبارهم جزءًا من الطبقة العاملة، والسعي إلى دمج هذه المجموعة مع بقية الطبقة العاملة، ولنتذكر أن الكفاح لتغيير الأوضاع الراهنة دون اتحاد ونضال جميع الطبقات التي تتعرض للاستغلال، أمرٌ مستحيل.

ملحق: جدول تفصيلي لنتائج المقابلات مع المهاجرات الأفغانيات
مادة مترجمة عن موقع «راديو زمانه»

[1]
Rostami-Povey, E. (2007) Afghan women: Identity and invasion. Zed Books, p.80.
[2]
وزارة شؤون المهاجرين والعائدين الأفغانية، http://soo.gd/ghZ3
[3]
Rostami-Povey, E. (2007), P.81.
[4]
وكالة أنباء إيلنا: في عام 2016 حددت الحكومة الحد الأدنى للأجور للعمال بنحو 812 ألف تومان، http://soo.gd/oOLz
[5]
بيان المنظمات العمالية حول الأجور في 2016، http://soo.gd/8cYi
جنور مكي
جنور مكي
باحثة في علم الاجتماع