تراجع سريع للعملة الإيرانيَّة أمام الدولار: أبعاد ودلالات

ارتفع سعر الدولار في سوق طهران للعملات اليوم 8 أبريل 2018، لأكثر من 500 تومان، ليصل إلى 5 آلاف و580 تومانًا في غضون عدَّة ساعات فقط، في حين يشير بعض التقارير إلى بيع الدولار في دور الصرافة بسعر اقترب من 6 آلاف تومان في سوق الصرف الموازية، وبهذا تكون نسبة التغيُّر عن سعر اليوم السابق 7 أبريل 6-16 في المئة، بين ليلة وضحاها.
أسعار العملة في أي بلد تكون حساسة للغاية لمجموعة من المتغيرات الداخلية (أزمات داخلية سياسية أو اقتصادية، وتراجع المؤشّرات الاقتصادية الكلية، وتزايد الواردات، وطلب كبير على الدولار للحفاظ على القوة الشرائية من ارتفاع التضخُّم، أو طلب مفاجئ لأغراض أخرى)، أو متغيرات خارجية (حروب وصراعات، وأزمات دبلوماسية، وحصار دولي، وعقبات الحصول على النقد الأجنبي) أو كليهما معًا كما ينطبق على الحالة الإيرانيَّة خلال السنوات الماضية.
على مدار سنة مضت يرتفع الدولار أمام التومان الإيرانيّ، لكن بمعدَّلات تدريجية (كما يتضح من الشكل رقم 1 قبل المؤشّر الأحمر الأول الذي يمثِّل ثاني أيام الاحتجاجات الشعبية التي بدأت 27 ديسمبر 2017) مقارنة بما حدث بين ليلة وضحاها في يوم 8 أبريل 2018، إذا اقتربت نسبة انخفاض التومان أو ارتفاع الدولار في هذا اليوم من 6% على أقلّ تقدير (شكل رقم 2)

شكل رقم 1: سعر الدولار أمام التومان خلال العام الإيرانيّ الماضي حتى اليوم (مارس 2017- 8 أبريل 2018)

إعداد المعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات موقع اقتصاد نيوز بالفارسيَّة

فحتى عندما عمَّت التظاهرات الشوارع في إيران يوم 27 ديسمبر 2017 لم ينخفض التومان بتلك النسبة الكبيرة خلال يوم واحد، إذ كان انخفاض التومان في اليوم التالي للتظاهرات الإيرانيَّة (متغير داخلي) أقلّ من نصف في المئة (يوم 7/10/1396 هجري شمسي – 28 ديسمبر 2017). ويُظهِر الشكل البياني رقم واحد بوضوح الفرق في تَغيُّر سعر الدولار في يومَي 28 ديسمبر 2017 و8 أبريل 2018.

شكل رقم 2: سعر الدولار أمام التومان الإيرانيّ بين يومي 7 و8 أبريل 2018

إعداد المعهد الدولي للدراسات الإيرانية بالاعتماد على بيانات موقع اقتصاد نيوز بالفارسيَّة

 

تفسيرات الانخفاض السريع للتومان أمام الدولار
نحن هنا لا نتحدث عن أسباب انخفاض التومان الإيرانيّ عمومًا أمام الدولار، فالانخفاض مستمر منذ سنوات لأسباب عديدة داخلية وخارجية سبق مناقشتها بالتفصيل، لكن ما يهمّنا هنا هو تفسير الانخفاض السريع الذي حدث بين لية وضحاها للتومان أمام الدولار الأمريكيّ.
الأزمات الداخلية أو حتى الخارجية تقود عادةً إلى انخفاض العملة المحلية تدريجيًّا وعلى فترات زمنية أبعد، لكن النقص الشديد والسريع والمفاجئ في حجم العملة الأجنبية يعكس نقصًا حادًّا وسريعًا لكتلة كبيرة من النقد الأجنبي كانت موجودة لدى الدولة، وعكَسَ قرار البنك المركزي الإيرانيّ المفاجئ (9/4/2018) هذا الوضع، باتخاذه قرارًا بقصر تغيير العملة على الطلاب الدارسين بالخارج على سعر السوق الحرة لا بالسعر الرسميّ الأقلّ كما كان متبَعًا، وتحديد كميات ثابتة لكل فرد من الدولارات (500 دولار للفرد في الشهر).
اختلفت تفسيرات الانخفاض السريع لعملة المحلية أمام الدولار، فذهب بعض المصادر إلى تفسيرات سياسية مرتبطة بتوتر السياسة الخارجية الإيرانيَّة وأجواء صدام عسكري مع الولايات المتَّحدة وإسرائيل. وطبقًا لتقرير نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية (نقلًا عن صحيفة “الجريدة” الكويتية) فإن إيران تتأهب هذه الأيام لحرب شاملة قد تشنُّها الولايات المتَّحدة وإسرائيل عليها وضربها في الدول الموجودة فيها في المنطقة كسوريا ولبنان، بناءً على مصادر مخابراتية توصلت إليها إيران، وعليه فإن الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية بدأ الاستعداد عبر عمليات مالية وخطط استراتيجية عبر نقل عشرات المليارات من الدولارات إلى مكان آمن ليسهل استخدامها في وقت الحرب. تأتي هذه الأنباء بعد أيام قليلة من اتهام الحكومة في طهران ومحافظ البنك المركزي بشراء 30 مليار دولار وإخراجها من البلاد، وفي نهاية الأسبوع الماضي هدّد خطيب الجمعة في طهران أحمد خاتمي علنًا بأنه “إذا ما هاجم الجيش الصهيوني مواقع التنظيم الشيعي “حزب الله” فستُمسَح حيفا وتل أبيب من وجه الأرض”. وطبقًا لتقارير أجنبية فإن الإيرانيّين يفترضون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو سينجح في إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من الاتِّفاق النووي، وهذا سيؤدي إلى نشوب حرب شاملة من جانب إيران و”حزب الله” ضدّ العدوَّين الأمريكيّ والصهيوني. لذلك تحالفت طهران مع جارتيها الإقليميتين موسكو وأنقرة الأيام الماضية، واحتلّت أجزاء كبيرة من العراق وسوريا، ووطَّدَت علاقاتها الاقتصادية مع الصين.
وإن صحَّت هذه المزاعم فإن خروج هذا المبلغ الضخم من إيران للاستعداد العسكري لمواجهات عسكرية قادمة، كافٍ لانهيار سعر العملة المحلية، بل وينذر بمزيد من الانهيار وارتفاع التضخُّم وأزمات محتملة في الداخل.
من جهة أخرى يذهب بعض التفسيرات الإيرانيَّة، إلى تأثير انخفاض البورصة الإيرانيَّة يوم 7 أبريل 2017 على المشترين، وتوجُّههم لشراء الدولار في اليوم التالي بكثرة بدلًا من الاحتفاظ بأوراق مالية تتراجع قيمتها، لكن بالنظر إلى نسبة انخفاض البورصة الإيرانيَّة ذلك اليوم، يتضح أنها نسبة ليست بالكبيرة (0.4%) -عدا بعض القطاعات كالتعدين (2%)- لدرجة الطلب على الدولار وارتفاع سعره بهذه السرعة والنسبة الكبيرة. كذلك يوجد عامل آخر هامّ، أنّ قطاع التعدين هو أكثر القطاعات التي شهدت انخفاضًا في قيمتها بالأسواق المالية ذاك اليوم، ونستطيع القول إن قطاع التعدين يهيمن عليه شركات الحرس الثوري، وقد يكون هذا الانخفاض مفتعَلًا للتغطية على شراء الحرس مليارات الدولارات وإخراجها من البلاد استعدادًا لمواجهة محتمَلة إذا ما صحّ زعم “معاريف” الإسرائيلية.
ويذهب الاقتصادي الإيرانيّ عباس ولدخاني في حديث مع المونيتور الأمريكيَّة إلى أن معدَّلات التضخُّم في الآونة الأخيرة ليست بالارتفاع الكبير الذي يُقبِل معه الإيرانيّون على شراء سريع للعملة تزامنًا مع اتِّباع البنك المركزي سياسة نقدية انكماشية، أي إن الفائدة البنكية مرتفعة في حدود 18% على الأقل، وهي بذلك أعلى من معدَّلات التضخُّم (10% وفق الإحصاء الرسميّ)، فما الذي يجعل الدولار يرتفع؟
فسَّر ولدخاني ارتفاع الدولار بأنه مجرَّد فقاعة يُحدِثها الأثرياء والطبقة العليا في إيران من أجل المضاربة بأسعاره وتحقيق مكاسب من فروق الأسعار. ما يقصده ولدخاني هو إحداث حالة من الذعر في السوق وطلب شديد من التجار والعامَّة على حيازة العملة الأجنبية يجعل أسعار الدولار ترتفع بشدة، بخاصَّة مع انتشار مكاتب الصرافة واهتمام عامَّة الإيرانيّين بحيازة العملة الأجنبية، ثم يبيع الأثرياء بالبيع ويحققون مكاسب من الفروق السعرية بين البيع والشراء، إلى أن تستقرّ أسعار الدولار وتهدأ التقلُّبات الحادَّة. وإن كان هذا التفسير قابلًا للتطبيق، لكن يبقى السؤال: لماذا تحدث هذه المضاربة في مثل هذه التوقيت تحديدًا، متزامنةً مع ارتفاع حِدَّة التوتُّرات بين إيران وأمريكا وإسرائيل، وتبادل التهديدات وتصريحات المواجهة بين ساسة هذه البلاد؟ هل هي مجرَّد مصادفة؟

الخلاصة أن الانخفاض السريع والكبير للعملة المحلية أمام الدولار بين ليلة وضحاها يقترن بحدث كبير، وأزمة تأثيرها على قيمة العملة المحلية كان أقوى من الاحتجاجات الكبيرة التي عمَّت إيران أواخر عام 2017، التي لم تتسبب في انخفاض سريع للعملة المحلية كما حدث في يوم 8 أبريل 2018، وهو ما يضعنا أمام أحد احتمالين: الأول يرجح كفَّة التكهُّنات المثارة عن نقص حادّ في الدولار ناتج عن إخراج مفاجئ لكميات كبيرة منه خارج البلاد، فسَّرها البعض، بناءً على معلومات استخباراتية، بالاستعداد لشراء أسلحة لصَدّ عمليات عسكرية محتمَلة قد تنفِّذها الولايات المتَّحدة وإسرائيل على إيران عبر لبنان وسوريا، وبناءً على ردود أفعال وتصريحات مسؤولين إيرانيّين خلال الأيام الماضية تسير في نفس الاتجاه.
أما الاحتمال الثاني فيفسر ارتفاع الدولار المفاجئ بأنه مجرَّد مضاربة من أثرياء إيران على الدولار لإحداث فقاعة ورفع سعره، ومن ثم جذب التجار وعامة الإيرانيّين المهتمِّين بحيازة العملات الأجنبية وتدافعهم على الشراء حتى يرتفع السعر، فيبيع المضاربون ويحققون مكاسب من فروق الأسعار. ينطبق هذه الاحتمال بالطبع إذا ما تغاضينا عن تزامن المضاربة بالدولار مع التوتُّرات الخارجية الجارية بين إيران والولايات المتَّحدة وإسرائيل، وإذا ما افترضنا أن هذا التزامن مجرَّد صدفة.

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية
إدارة التحرير