روسيا وإيران في سوريا: افتراق المسارات وتعارُض المصالح

تُعَد الأزمة السورية الدائرة رحاها في سوريا منذ عام 2011 من أعقد الأزمات في التاريخ الحديث والمعاصر، بتعدُّد أطرافها الإقليمية والدولية، وتعقُّد شبكة عَلاقاتهم، وافتراق أجنداتهم، وتباين أدواتهم، وتعاظم تدخلاتهم، وبما خلَّفَته من كوارث تَفجَّرَت معها المؤسسات ودُمّرت معها المنازل والمدارس والمستشفيات، وبما صنعته من مآسٍ إنسانية بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وتشريد نحو اثنى عشر مليونًا آخرين ما بين نازح ولاجئ بنهاية سبتمبر 2018 حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، يبدو أنهم ليسوا ضمن دائرة اهتمامات وأولويات الرئيس السوري بشار الأسد كما تبين في خطابه الذي ألقاه في 2019/2/17، والذي لوَّح خلاله بإمكانية اللجوء إلى الحلّ العسكري لحسم قضية إدلب بإشارته إلى انسداد المسار السياسي لتسوية الأزمة واسترداد إدلب.
بدخول الأزمة مراحلها النهائية على خلفية ظهور متغيرات جديدة على الساحة السورية بتحولات المعركة على الأرض وتبدُّل ميزان القوة بشكل يكاد يكون حاسمًا لصالح نظام الأسد، واتساع هُوَّة التباينات الروسية-الإيرانية بانتفاء المصالح البينية المشتركة، وقرار الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا، وتنامي التنسيق الروسي مع القوى المؤثرة في الأزمة السورية بعيدًا عن إيران، لا سيما التنسيق مع تلّ أبيب وأنقرة وواشنطن، تشكلت ملامح مشهد سوري جديد عنوانه «التباينات حول توزيع المغانم والمكاسب» بين القوى المتصارعة على سوريا وفي سوريا، لا سيما بين أبرز حلفاء النظام السوري: روسيا وإيران.
بانتفاء المصالح المشتركة الروسية-الإيرانية في سوريا تفجرت الخلافات ودخلت العَلاقات براثن مرحلة جديدة تجاوزت مرحلة التباعد السياسي باندلاع المواجهات المسلَّحة بين قوات موالية لإيران وأخرى موالية لروسيا في سوريا حسب رواية ديرشبيغل الألمانية، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مستوى العَلاقات الروسية-الإيرانية الحقيقي في الساحة السورية قبل اتساع هوة التباينات، فهل كان مستوى تحالف كما يردّد الإيرانيون ويرفض الروس، أم إنه مستوى أدنى من التحالف حسب أبجديات العلوم السياسية فرضته حسابات الضرورة والتقاء المصالح؟ وهل يوحي اتساع هوة التباينات الروسية-الإيرانية في المراحل النهائية للأزمة السورية بأن عَلاقات الطرفين تقف على حافة الانهيار كما أشارت تحليلات عديدة؟ وهل يمتلك الروس أدوات وأوراق الضغط على إيران من أجل حملها على الانسحاب من سوريا؟

تستدعي الإجابة عن هذه التساؤلات تحديد مستويات التعاون الدولي في العَلاقات الدولية بغية تحديد مستوى التعاون الحقيقي الروسي-الإيراني بناءً على معطيات الدراسة، ثم تحليل ثقل وأهمِّيَّة سوريا في الاستراتيجيتين الروسية والإيرانية وتحديد نقاط الالتقاء/الافتراق الروسي-الإيراني في سوريا، ثم المتغيرات الجديدة التي فجرت الخلافات الروسية-الإيرانية في سوريا، وذلك لاستشراف مستقبل العَلاقات الروسية-الإيرانية في سوريا بعد دخول سوريا مراحلها النهائية بسيطرة الأسد على الأوضاع في سوريا.

أكمل القراءة

عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية