إيران بين سياسة العصا والجزرة الأمريكية

استمرت مراحل تطبيق سياسة واشنطن المرتكزة على “الحد الأقصى من الضغوط” على إيران، وتوالت خطوات تلمس مفاصل الاقتصاد الإيراني، ومن ثم وضعها على قوائم العقوبات، ومن المتوقَّع أن ترتفع هذه الوتيرة في الأسابيع القادمة.
من جانبها خطت طهران خطوات في المقابل في محاولة للضغط على أعضاء الاتفاق النووي، بخاصة الدول الأوروبية فأعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني يوم الأربعاء الماضي انسحابًا إيرانيًّا جزئيًّا من الاتفاق النووي من خلال تجميد اتفاق بيع كميات المياه الثقيلة واليورانيوم المخصَّب التي تتجاوز الكميات المسموح لإيران بحيازتها وفقًا للاتفاق النووي (يسمح الاتفاق النووي لإيران بالاحتفاظ بـ300 كجم من اليورانيوم المخصب، وكذلك الاحتفاظ بـ130 طنًّا كحد أقصي من المياه الثقيلة)، وحدد هذه الخطوة بمهلة مدتها 60 يومًا، وإذا لم تلتزم الدول الأوروبية على وجه الخصوص تنفيذ الاتفاق النووي، بخاصة في جانبي تصدير النفط والنظام المالي، فستلجأ إيران إلى خطوة أخرى بعدم التزام نسبة تخصيب اليورانيوم المسموح بها 3.67% والعودة إلى نسبة الـ20%، ثم إن لم يكن تفاعل غربي وحُوّل الملف إلى مجلس الأمن فسوف تعلن طهران عن خطوات أكبر كُشف عنها لأعضاء الاتفاق النووي في رسالة بعث بها روحاني إلى تلك الدول. هذه الخطوة الإيرانية أثارت ردود فعل دولية غالبيتها تحذّر إيران من التملُّص من الاتفاق النووي وتحذّر من عواقب هذه الخطوة.
ينظر البعض إلى خطوة الجانب الإيراني الأولى على أنها تحصيل حاصل، فواشنطن أصدرت قبل ذلك قرارًا يمنع شراء المياه الثقيلة واليورانيوم المخصَّب الإيراني، وبالتالي فالخطوة الإيرانية جاءت في ذات الإطار ولم تخرج عنه، وإن حاولت إبراز أن إيران تتخذ خطوات مضادَّة، كما أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير الصادر في فبراير 2019 يؤكِّد أن الكميات التي تملكها إيران من المياه الثقيلة في حدود 120طنًّا، وقدرتها على الإنتاج لن تتجاز 1.6 طن شهريًّا، وفي ما يتعلق باليورانيوم المخصب فقد أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران احتفظت بـ120كيلوجرامًا في مايو 2018، ووصلت إلى 163.8 كيلوجرام في فبراير 2019، وجميع هذه الكميات أقل بكثير من الكميات المسموح لطهران بامتلاكها. وإنتاج إيران خلال مهلة الـ60 يومًا التي أعلن عنها روحاني في ما سُمّي بالمرحلة الأولى لا يجعلها تتجاوز الكميات المسموح بها وفقًا للاتفاق النووي، وقد أكّد ذلك رئيس الطاقة الذریة الإیرانیة علي أكبر صالحي في تصريح للتليفزيون الرسمي الإيراني قال فيه: “إيران لا تستطيع زيادة كميات اليورانيوم منخفض التخصيب إلا بزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي الحديثة من فئة IR3”. وإذا اتجهت طهران إلى هذا الخيار فهي ترتكب خرقًا آخَر للاتفاق النووي سيزيد تقلُّص عدد أصدقاء إيران والمتعاطفين معها أو الراغبين في البقاء في الاتفاق النووي.
مع ذلك فإن هذه الخطوة التي اتخذتها طهران وأعلن عنها روحاني وضعت الساسة هناك في موقف محرج أمام الأوروبيين بوجه خاصّ والعالم بوجه عامّ، ويكشف النية الإيرانية بالتملص من الاتفاق النووي في الوقت الذي يخدم فيه مصالحها ومشاريعها التوسعية في المنطقة، وأن الضغوط الأمريكية قادت النظام الإيراني إلى الكشف عن وجهه الحقيقي وطبيعة برنامجه النووي المثير للجدل.
وبالعودة إلى واشنطن، فقد أعلن الرئيسي الأمريكي غداة الخطوة الإيرانية، أن واشنطن سوف تستمرّ في الضغط على إيران، ولكنه أكّد استعداد بلاده للتفاوض مع إيران بقوله: “ما ينبغي لهم فعله هو أن يتصلوا بي ونجلس. بوسعنا التوصل إلى اتفاق عادل. كل ما نريده منهم أن لا يمتلكوا أسلحة نووية، وهذا ليس بالطلب الكبير، وسنساعدهم على العودة إلى وضع أفضل”. وتابع: “يجب أن يتصلوا. إذا فعلوا ذلك فسنكون منفتحين على الحديث معهم”. لكنه في الوقت ذاته لم يستبعد الخيار العسكري لردع طهران واحتمالية المواجهة العسكرية. وقد أرسلت واشنطن عديدًا من قطعها العسكرية إلى منطقة الخليج العربي، وهي خطوات تنبئ بأن الخيار العسكري مع طهران غير مستبعَد، بخاصة إذا ما ارتكب الجانب الإيراني استفزازات أو استهدف المصالح الأمريكية بالمنطقة أو حاول الحرس الثوري عرقلة تدفُّق الطاقة عبر مضيق هرمز.
سياسة العصا والجزرة التي تتبعها الإدارة الأمريكية الراهنة تركز في الغالب على العصا أكثر من الجزرة، وهي سياسة مناقضة تمامًا لسياسة إدارة الرئيس باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري التي كانت تستخدم الجزرة مع الجانب الإيراني دون التلويح مُطلَقًا بالعصا، وهي سياسة جعلت طهران تتمادى في سياستها التوسعية وتدخلاتها التخريبية في المنطقة.
تَبقَّى القول إنه إذا ما لجأت إدارة دونالد ترامب إلى سياسة الجزرة مع إيران كما أشار ترامب في تصريحاته الأخيرة باستعداد بلاده للتفاوض والحوار مع طهران، فيجب أن تتعلم هذه الإدارة من أخطاء سلفها التي تجاهلت مصالح دول المنطقة واهتماماتها، مما قاد إلى استمرار حالة التوتر في المنطقة. إن أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط مرتبط في المقام الأول بدول المنطقة ومصالحها والقضايا المرتبطة بشؤونها الداخلية والتصدِّي لأي محاولات للنَّيل من أمنها واستقرارها والحفاظ على سلامة مجتمعاتها من التطرف والإرهاب والطائفية.
المصدر: Arab News


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د.محمد بن صقر السلمي
د.محمد بن صقر السلمي
رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانية