إيران خالية الوفاض في اللعبة النووية مع الاتِّحاد الأوروبي

بواسطةرضا تقي زاده

في الجولة الأولى من حوارات وزير الخارجية الإيرانيّ محمد جواد ظريف، ببروكسل، الهادفة إلى أخذ ضمانات عملية ومؤكّدة من الاتِّحاد الأوروبي شرطًا لبقاء طهران في الاتِّفاق النووي الذي أُبرِمَ يوم 14 من يوليو 2015، لم تكُن تتمتع بحظوظ كبيرة للوصول إلى الهدف المُعلَن، والسبب هو خُلُوّ جعبة الوفد الإيرانيّ.
بعد أن صرّح روحاني عقب إعلان أمريكا خروجها من الاتِّفاق النووي، بأن أمام أوروبا والدول الأعضاء في الاتِّفاق بضعة أسابيع لترضية إيران وطمأنتها وتقديم ضمانات لإيران بأن دول الاتحاد الأوروبي ستلتزم بتعهداتها في الاتِّفاق ولن تعمل بالعقوبات الأمريكيَّة القادمة، تراجع روحاني الأحد الماضي تراجُعًا مدروسًا عن مهلة الـ«بضعة أسابيع»، واكتفى بطلب ضمانات تقدّمها الدول الخمس لتأمين مصالح إيران، لتبقى في الاتِّفاق النووي، دون أن يحدِّد مهلة نهائية.
ليس بمقدور الاتِّحاد الأوروبي تلبية مطالب طهران لعدَّة أسباب، من بينها قدراتها المحدودة التي اعترفت بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم السبت الماضي، وكذلك حتمية اتباع الشركات والبنوك الأوروبية سياسات أمريكا الخارجية الجديدة، واتباع عقوبات واشنطن ضدّ إيران. وهي الأسباب التي أدَّت إلى انضمام الولايات المتَّحدة إلى المفاوضات النووية للقوى الأوروبية الثلاث مع إيران.
لو كانت «الجمهورية الإسلامية» قادرة على تَحمُّل تكاليف الخروج من الاتِّفاق النووي، لخرجت منه لحظة إعلان الولايات المتَّحدة خروجها منه يوم الثلاثاء 8 مايو كإجراء انتقاميّ، ولنفَّذَت تهديدات رجال حكومتها.
إن إعلان حسن روحاني مهلة “عدَّة أسابيع” للتشاور مع الصين وروسيا، والحوار مع الأطراف الأوروبية الأعضاء في مجموعة 5+1، قبل اتخاذ القرار النهائي، إلى جانب توصية المرشد علي خامنئي بأخذ ضمانات قطعية من أوروبا شرطًا للبقاء في الاتِّفاق، ما هي إلا آليات لأجل الحفاظ على شأن وهيبة الحكومة، وليست بغرض الخروج الانتقامي من الاتِّفاق النووي.

حدثان مثيران للتعجب
لقد بدأ «البوكر النووي» الإيرانيّ مع أمريكا منذ عدَّة أسابيع قبل إعلان رئيس الولايات المتَّحدة قراره النهائي الخروج من الاتِّفاق النووي، وذلك بتهديد طهران بالخروج من الاتِّفاق والتنصُّل من تعهُّداتها كإجراء انتقاميّ، لكن بعد إعلان القرار الأمريكيّ، أُرجِئَ خروج إيران إلى فرصة أخرى مناسبة تستوجب الخروج!
وبالتزامن مع إعلان خروج أمريكا من الاتِّفاق النووي، وقع حدثان يحملان أهمِّيَّة عالَمية وإقليمية، أحدهما إعلان زيارة وزير الخارجية الأمريكيّ الجديد مايك بومبيو، لبيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية، التي أسفرت خلال أقل من 48 ساعة عن تحرير وعودة 3 سجناء أمريكيّين إلى بلدهم، والآخر مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في العرض العسكري لروسيا، جنبًا إلى جنب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالتزامن مع دكّ الصواريخ والمقاتلات الإسرائيلية أهدافًا عسكرية إيرانيَّة في سوريا.
ستحتاج إيران في حال خروجها الانتقاميّ من الاتِّفاق النووي إلى دعم الصين وروسيا السياسي والاقتصادي، اللتين تذكرهما إيران على الدوام كحليفين استراتيجيين لها، في حين دعمت بكين سياسات المصالحة بين كوريا الشمالية (الحليف الاستراتيجي الآخر لطهران) والولايات المتَّحدة، وأغمضت روسيا عينيها عن القصف الإسرائيلي الصاروخي يوم الأربعاء 16 مايو على سوريا، الذي كان -حسب التقارير- أوسع هجماتها الجوية منذ بداية الحرب الداخلية في سوريا، كما ورحّبت بنتنياهو بحرارة.
وجدير بالذِّكر، أن كلا من بكين وموسكو أيّدَت قرارات مجلس الأمن العقابية كافَّةً التي أقرّها ضدّ إيران منذ 2006 إلى 2011، وفي حال خالفت إيران مفاد قرار مجلس الأمن رقم 2231 -وهي مخالفة سيمهِّد لها خروجها من الاتِّفاق النووي- فمن المتوقّع أن تدعم روسيا والصين عودة العقوبات السابقة.

طهران خالية الوفاض
يتوجّه ظريف إلى الدول الأوروبية، في حين أنه غير قادر على تقديم أي امتياز للأخيرة مقابل «ضمانات حفظ المصالح» التي تطالب بها إيران، كما أنّ خيار الخروج من الاتِّفاق سيتبعه سخط الصين وروسيا فضلًا عن أوروبا.
في أثناء تنفيذ الاتِّفاق النووي، خفضت إيران احتياطيات اليورانيوم المخصب لديها، الذي يصل مستواه إلى 3.5%، إلى أقل من 300 كجم، وفي حالة إعلانها الخروج من الاتِّفاق النووي، ستحتاج إلى أكثر من عام كي تصل إلى إمكانية تنفيذ انفجار نووي تجريبي، كما سُدَّ الطريق الآخَر لوصول إيران إلى إمكانية تنفيذ تجربة نووية من خلال عملية البلوتونيوم بعد تعطيل مفاعل آراك للمياه الثقيلة.
لقد تحولت استراتيجية قطع صادرات النِّفْط والتوجُّه نحو سياسة «إغلاق الصنابير»، التي كانت تروّج لها إيران وتهدِّد بها في بدايات الألفية الثالثة، إلى ورقة محروقة بسبب زيادة احتياجها إلى العملة الصعبة، الناجمة بدورها عن زيادة الالتزامات الإقليمية واشتداد أزمة الاقتصاد المحلِّيّ، وحتى السوق لم تعُد تأخذ هذه الاستراتيجية على محمل الجِدّ، فلم يظهر أي ردّ فعل على قرار خروج أمريكا من الاتِّفاق النووي، بل وانخفضت بعد ذلك أسعار النِّفْط العالَمية.
إن الولايات المتَّحدة تستخدم إمكانياتها في التجارة الخارجية على الأصعدة السياسية أداةً لفرض السُّلْطة وإعمال الضغوط، في حين تَحوّلت هذه الأداة إلى نقطة ضعف للحكومة الإيرانيَّة ومصدر للضرر، بسبب ضعفها المفرط.
لقد اقترب حجم التجارة الخارجية لأمريكا مع الاتِّحاد الأوروبي في عام 2017 من حاجز 700 مليار دولار، وبعد إضافة حجم التجارة الأوروبيَّة مع أمريكا يصبح هذا الرقم تريليونًا و200 مليار دولار، في حين بلغ حجم التجارة الخارجية لإيران مع الاتِّحاد الأوروبي (الصادرات والواردات مجتمعةً) خلال عام 2015 ما يقرب من 5 مليارات دولار، ووصل هذا الرقم بعد عامين من إلغاء العقوبات إلى نحو 24 مليار دولار.
إن عقد مقارنة بسيطة في الأهمِّيَّة الاقتصادية بين أمريكا وإيران يشير إلى أن أوروبا وآسيا لا ترغبان وغير قادرتين على الوقوف في وجه أمريكا دفاعًا عن إيران، بخاصَّة الاتِّحاد الأوروبيّ الذي ليس بمكانة تمكِّنه من تقديم أي «ضمانات تنفيذية» لإيران للتحايل على العقوبات، بسبب سعي الاتِّحاد للحفاظ على شريكه التجاري الكبير الذي يعتمد عليه أيضًا في شؤونه العسكرية والأمنية.
إن الشرق الأوسط على أعتاب تجرِبة نظام جديد، والحكومة الإيرانيَّة الحالية وحلفاؤها في جنوب لبنان (حزب الله اللبناني) وحكومة بشار الأسد في سوريا يسدُّون طريق هذه التجرِبة، وبخلاف الأجواء التي كانت تسود إبَّان بدء المفاوضات النووية بين إيران والمجتمع الدولي في عام 2013، والتي جعلت هذه المفاوضات أمرًا ممكنًا، فجعبة إيران اليوم خالية، ولا تمكّنها من ترغيب أو ترهيب أوروبا وأمريكا، وأُفُق نتائج مفاوضات ظريف في بروكسل ضبابيّ.

مادة مترجمة عن موقع راديو فردا


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

رضا تقي زاده
رضا تقي زاده
محلل سياسي