“التوجه نحو الشرق”.. من جرب المجرب

بواسطةحسين عليزاده

قبل شهرين مِن توقيع الاتفاق النووي عقدت وزارة الخارجية الإيرانية ندوة بعنوان “تغيير الدبلوماسية الاقتصادية”، بعد أن دعت إليها جميع سفراء إيران. وكانت هذه الندوة بمثابة بصيص أمل للاقتصاد الإيراني لم يشاهد من قبل، فالعنوان كان يحمل في بدايته لفظة “تغيير”.
إنّ إيران كانت تزعم قبل خوضها المفاوضات النووية أنّ العقوبات غير مؤثّرة، فقد قال خامنئي: “إنّ الظروف الاقتصادية في الدولة تشبه ظروف بدر وخيبر”، ويقصد بذلك “القوة الاقتصادية”، وأشار إلى أن العقوبات “نعمة” ويمكن التحايل عليها.

في الحقيقة، كان هذا الاطمئنان إلى أن العقوبات غير مؤثرة ناشئًا عن دبلوماسية حكومة أحمدي نجاد الاقتصادية، التي سماها “التوجّه نحو الشرق”، وجعلها عنوانًا لسياسته الخارجية، فمع تصاعد طموحات إيران النووية في عهد حكومة أحمدي نجاد، وُضِعت هذه الاستراتيجية على جدول أعمال حكومته منذ عام 2005 (أي منذ العام الأول لرئاسته)، ظنًا منه أن الابتعاد عن الأوروبيين والغربيين، وربط اقتصاد إيران بالشرق، وتحديدًا روسيا والاقتصادات حديثة الظهور (أي الصين والهند) سيخفف من أضرار العقوبات الاقتصادية، وبناءً عليه ارتكزت استراتيجية التوجّه نحو الشرق على هذه الفكرة الخاطئة.
كانت نتيجة هذه السياسة على الصعيد الخارجي أنّ أحمدي نجاد لم يقُم بزيارة واحدة طيلة سنوات رئاسته الثماني إلى أيٍّ من دول أوروبا، ولم يزُر إيران بالمثل أيُّ رئيس أوروبي، وانحصرت زيارات أحمدي نجاد في إفريقيا وفنزويلا (تشافيز) وسافر بضع مرات إلى موسكو، كما لم يفوّت أي من جلسات الجمعية العامة في الأمم المتحدة، إذ كان يلقي خطاباته المُمِلّة، لكن وصفته العلاجية للاقتصاد الإيراني لم تكن فقط غير ناجعة، بل وصلت بعد ثماني سنوات جميع المؤشرات الاقتصادية ومنها معدل التضخم والبطالة والفجوة الطبقية والفساد المالي واحتياطات العملة الصعبة وقيمة العملة الوطنية وغيرها إلى مستوى خطير.

“بروجردي” وتكرار “التوجّه نحو الشرق”
اليوم، وفي حين لم تمضِ خمس سنوات على نهاية حكومة أحمدي نجاد، يقوم شخص مثل علاء الدين بروجردي، الذي يحتلّ منصب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، باستنساخ “التوجّه نحو الشرق” إذ قال: “يجب علينا الاستمرار في سياسة (التوجّه نحو الشرق) والقيام بأعمال كبيرة بالتعاون مع دول مثل روسيا والصين، والاستفادة من إمكانات جيراننا، وهذا بالتأكيد أفضل عمل نقوم به”.
إذا كانت استراتيجية التوجّه نحو الشرق مؤثّرة بالفعل فلماذا رضخ خامنئي لما سماها “المرونة البطولية”؟! لماذا لم يُجِبْ ذاك الذي يترأس اللجنة المذكورة عن هذا الاستفسار؟ لو كان هذا التوجّه خلال سنوات رئاسة أحمدي نجاد الثماني وصفة ناجعة ومؤثرة فلماذا اقترح المرشد بدلًا منه نموذج “الاقتصاد المقاوم”؟ هل كانت نتيجة ثماني سنوات من هذا التوجّه سوى السلع الصينية الرديئة؟ فضلًا عن ذلك، ألم ترضخ الصين وروسيا والهند مجبرة لنظام العقوبات القاسي الذي وضعته أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون على إيران؟ بينما يطالعنا الآن بروجردي بمطالبته بتطبيق تلك الوصفة العقيمة! هل يمكن عقد الأمل على أن هذه الدول بالتأكيد ستساعد إيران في التحايل على العقوبات في حال فُرِضت من جديد؟
للإجابة عن جميع هذه الأسئلة يكفي أن نُحيل بروجردي إلى تصريحات حسن روحاني، كرئيس للجمهورية، التي يصف فيها العقوبات الخانقة، حين قال: “كي تدخل الاستثمارات وكي تُحلّ مشكلات البيئة وكي تُوجد فرص العمل للشباب وكي تُحلّ مشكلة قطاع الصناعة ومشكلة أزمة مياه الشُّرب وكي تُحيا البنوك، لا بدّ من إنهاء العقوبات الظالمة”.
أما السؤال الأهمّ فهو: لماذا من الأساس، وبالتحديد الآن، يستنسخ رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية استراتيجية التوجّه نحو الشرق المؤرشفة؟ الجواب يكمن في البيت الأبيض، إذ سيعلن ترامب قراره النهائي بخصوص البقاء في الاتفاق النووي أو الخروج منه بحلول الثاني عشر من مايو القادم. إنّ وصفة بروجردي للاقتصاد الإيراني ما هي إلا ردّ تبسيطيّ على انهيار الاتفاق النووي في حال خرجت منه أمريكا.
حتى هذه اللحظة توجد أدلّة مؤكدة على نية أمريكا الخروج من الاتفاق النووي، فقد عزل ترامب ريكس تيلرسون من منصب وزارة الخارجية، وعيّن بدلًا منه مايك بومبيو، أحد معارضي الاتفاق النووي، كما عيّن جون بولتون بدلًا من ماكماستر في منصب مستشار الأمن القومي. وبخصوص معارضة بولتون الشديدة للاتفاق النووي يكفينا القول إنه نشر في أغسطس 2017 مشروعه المفصّل بعنوان “كيف يمكن الخلاص من شرّ الاتفاق النووي؟”، في حين لم يكن لديه آنذاك أي سمة رسمية، واستعرض في هذا المشروع بالتفصيل جميع الطرق التي يمكن سلوكها للخروج من الاتفاق النووي.
هذا في حين تتوالى الأخبار من أوروبا بخصوص فرض بعض العقوبات على إيران بسبب برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي في اليمن وسوريا، فعلى سبيل المثال صرّح وزير خارجية فرنسا، جان إيف لودريان، لصحيفة فرنسية قُبيل زيارته إلى طهران في بدايات مارس الحالي: “إذا لم تُحَلّ قضايا إيران، فستواجه الأخيرة خطر فرض عقوبات جديدة”.
وكان موقف لودريان هذا كافيًا لأن يقوم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، على غير المألوف، بارتداء الزيّ العسكري في أثناء لقائه بلودريان، وهو موضوع كان يحمل “معنى خاصًّا” من وجهة نظر الإعلام.

النتيجة
بالنظر إلى ما سبق، تشير جميع الأدلة إلى انهيار الاتفاق النووي، وبطبيعة الحال العودة إلى زمن العقوبات، وحدوث عكس هذا سيكون مثارًا للتعجّب، لكن ما المخرج أمام إيران في مثل هذه الظروف؟ حتى الآن لم يقدّم شخص مثل علاء الدين بروجردي، من منصبه كرئيس للجنة الأمن القومي في البرلمان، حلًّا سوى استنساخ استراتيجية التوجّه نحو للشرق المنسوخة، وهو حلٌّ يذكّرنا بالمثَل الذي يقول: “مَن جَرَّب المجَرَّب.. حلَّتْ به الندامة”.

مادة مترجمة عن موقع زيتون


 الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

حسين عليزاده
حسين عليزاده
دبلوماسي إيراني سابق في فنلندا