الدبلوماسية العسكرية بديلًا من “لا شرقية ولا غربية”

بواسطةد. أحمد أبو العزم

نتفق أو نختلف، استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الشخصية المبتسمة دائمًا والذي يوصف بأنه مهندس الدبلوماسية الناعمة مع الغرب تعكس صورة للسياسة الخارجية الإيرانية، فقد لقي خبر الاستقالة أصداء كبيرة على المستويين الدولي والإقليمي، وكذلك في الداخل الإيراني، وهذه الاستقالة -رغم رفضها وعدم أخذها الطابع الرسمي- لا تخرج عن إطار سلوكيات الدولة وأنشطتها الخارجية وأهدافها القريبة أو البعيدة التي تتصف بعدم التنسيق تارة والتخبُّط تارة أخرى بسبب تعدُّدية مراكز اتخاذ القرار في إيران وتضارُب المصالح بين الجهات الفاعلة في الداخل الإيراني، كما أن هذه “الاستقالة” كانت نقطة النهاية وآخر مسمار في نعش مكانة حكومة روحاني في النظام الدولي، ولن يكون لحكومة إيران ووزارة خارجيتها أي أداء مؤثّر.
إذا كانت العلاقة بين السياسة الخارجية وبيئتها الداخلية وثيقة كما يؤكّد مارسيل ميرل في تعريفة للسياسة الخارجية في قوله إنها “ذلك الجزء من النشاط الحكومي الموجَّه للخارج، أي الذي يعالج مشكلات تطرح ما وراء الحدود، وهي أيضًا مبادئ تتخذها مؤسَّسات وهيئات الدولة داخل الدولة باتجاه الخارج تستهدف تحقيق أهداف بعيدة المدى وأخرى قريبة، وسياسة الدولة الخارجية هي جزء من سياستها الوطنية”، ومن منطلق هذا التعريف يمكن القول إن في التواصل والتنسيق ثغرة لا غيابًا كاملًا، فضلًا عن الصراع على الدور بين المؤسسات والهيئات الفاعلة في إيران.
ويبدو أن هذا الصراع قد تَجلَّى في عدم التنسيق مع الخارجية الإيرانية في زيارة بشار الأسد لطهران، وإن كنت لا أعتقد أن تلك الزيارة هي الحدّ الفاصل في قضية هذا الصراع بين المؤسسات والهيئات في دوائر اتخاذ القرار بشأن السياسة الخارجية الذي يمكن على أثره أن يقدِّم وزير خارجية إيران استقالته، لا سيما وأن مثل هذه الزيارة لها ترتيباتها الأمنية الخاصة جدًّا، وأساسها السرية، والواقع يثبت هذا، فالحرس الثوري هو اللاعب الأساسي في المشهد والقضية السورية، بخاصة أن مَن نسَّق لزيارة بشار الأسد طهران هو قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني، وهو ما يمكن أن نعتبره ممثِّلًا لتوجُّه جديد هو “الدبلوماسية العسكرية” الموازية للدبلوماسية الرسمية الممثَّلة في وزارة الخارجية، الغائب الحاضر في الملف السوري، وأن استقالة ظريف نتاج تراكمات كثيرة وضغوط بسبب تداعيات انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي على الداخل الإيراني، والجدل بين المؤسسات الإيرانية في الداخل حول انضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي FATF لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، واتفاقية باليرمو، وعدم وجود صورة واضحة بشأن مكتسبات إيران من البقاء في الاتفاق النووي وما تمخض عنه بعد أشهر طويلة من وهم “إينستكس” (القناة المالية الأوروبية للمعاملات التجارية – الدواء والغذاء مقابل المال)، واستدعاء ظريف واستجوابه في البرلمان أكثر من مرة، فضلًا عن الضغط الشعبي بسبب تَبخُّر أحلام نتائج الاتفاق النووي مع دول 5+1، وعودة العقوبات الأمريكية بصورة أشدّ مع انتظار موجات أخرى من تلك العقوبات.
حقيقةً، تسعى إيران لدور إقليمي ودولي، وترى أنها حقَّقَت جانبًا كبيرًا من النفوذ في المنطقة بفضل الدبلوماسية العسكرية متمثلة في الحرس الثوري عبر فيلق القدس وتدخُّلاته في العراق وسوريا، وكذلك حصوله على دعم حزب الله في الحرب السورية، فضلًا عن التوجُّه نحو خلق ميليشيا تكون ذراعًا لإيران كحزب الله في دول أخرى (مثل سوريا والهند وباكستان وأفغانستان)، وبناء على هذه الدبلوماسية العسكرية أقنعت إيران دولة مثل روسيا بقبول التدخُّل في الحرب السورية، وبعيدًا عن الأسباب فإن إيران تتخذ حاليًّا مسار الدبلوماسية العسكرية في بعض الملفَّات. والسؤال هنا: هل تسير الدبلوماسية العسكرية في خَطّ مُوازٍ للدبلوماسية السياسية الرسمية (وزارة الخارجية)، أم إنها تتفوق عليها أحيانًا؟ وهل حقًّا تستدعي زيارة الأسد استقالة ظريف؟
تركيبة السياسة الخارجية الإيرانية معقَّدة، وتختلف عن كثير من الدول في العالَم، والدستور الإيراني في مواده 152-155 هو إحدى أدوات فهم السياسة الخارجية والمحدِّد للمبادئ والأهداف الأساسية في مجال السياسة الخارجية، وهذا الدستور الذي دُوّن بعد الثورة الإيرانية عام 1979، مرتبط بآيديولوجيا وأفكار وتعاليم الخميني، وبناءً على هذا الدستور فإن المرشد -كما حدَّدَت المادة 110 من الدستور- هو المحدِّد للسياسات العامة للنظام بعد مشورة مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومن ثم فإن علي خامنئي وَفْقًا للدستور هو اللاعب الأساسي في وضع السياسات العامة لإيران، سواء في الداخل أو في الخارج، وبالنسبة إلى السياسة الخارجية يؤدِّي علي أكبر ولايتي هذا الدور بوصفه مساعد المرشد في الشؤون الدولية، ومن بعده يأتي دور وزارة الخارجية بما لديها من سياسات وخطوط حمراء يصعب تجاوزها إلا بإذن من المرشد أو توجيه منه.
ويمكن القول إن ظريف وزير خارجية لإيران أمام دول بعينها هي الغرب وأمريكا، أما باقي الدول تتعامل معها إيران وَفْقًا للمعطيات والأوضاع الإقليمية وأهمية الدولة الهدف. على سبيل المثال جابري أنصاري هو ممثل إيران في مفاوضات سوتشي، والرسائل الهامة والعلاقات مع روسيا يهندسها هو، وأحيانًا ينقل رسائلها الخاصة مستشار المرشد في العلاقات الدولية علي أكبر ولايتي، إضافةً إلى المنافس الرئيسي وهو الحرس الثوري الذي تَدخَّل في كثير من القضايا كأزمة انفصال كردستان، والأزمة السورية، وتشكيل الحشد الشعبي في العراق، وباكستان والقضايا الأمنية والحدودية، والتصعيد ضدّ إسرائيل كورقة ضغط يستخدمها النظام الإيراني عبر الحرس الثوري في سوريا.
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف هو في رأيي ترس في عجلة النظام ويدور في فلكه، ويرتكز دوره على محدِّدات ومتغيرات دولية وإقليمية وداخلية، وخبر استقالته الذي كان له أصداء وتأثير حتى على البورصة الإيرانية وتَسبَّب في انخفاض مؤشراتها 2000 نقطة، يُفسِح المجال أمام أسئلة، منها: إلى أيّ مَدًى سيؤثِّر الضغط الشعبي على الحكومة الإيرانية بعد تَسلُّل أداة الاستقالات إلى جسد الحكومة الإيرانية؟ فاليوم ظريف وبالأمس القريب وزير الصحة حسن قاضي زاده، هل استقالة ظريف زادت رصيده على المستوى الشعبي أم نقصته؟ وهل تتخذ إيران مسار الدبلوماسية العسكرية بديلًا من الدبلوماسية الرسمية ومن الممكن أن تشهد رئيسًا ذا خلفية عسكرية في الفترة المقبلة؟
في رأيي كل شيء ممكن، والتنبُّؤات والتكهُّنات بشأن استشراف مستقبل إيران مرتبطة أساسًا بالمتغيرات الدولية والإقليمية، لذا من المكن فقط التفكير في السيناريوهات حول المستقبل وكيفية التعامل مع الدبلوماسية العسكرية “القوة الخشنة” بديلًا من الدبلوماسية السياسية الرسمية “الناعمة”، ووضع رؤى مستقبلية لهذا السيناريو.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

د. أحمد أبو العزم
د. أحمد أبو العزم
رئيس وحدة الترجمة بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية