السيطرة على حلب وتداعياتُها الاستراتيجية

بواسطةميثم مهروش

إذا أردنا تحديد التسلسُل الزمني(periodization) للحرب الأهلية في سوريا، فبلا شكّ ستشكِّل استعادة قوات نظام الأسد والداعمين له حلبَ من الثوار المسلَّحين منعطَفًا في هذا المسار. سيطر معارضو بشار الأسد في يوليو/تموز 2012 على شرق حلب، المدينة الأكثر كثافةً سكانيةً والأكثر ازدهارًا تجاريًّا في سوريا قبل الحرب الأهلية. وكانت حلب أحد مراكز ثِقَل الانتفاضة المسلَّحة ضدّ النظام لأكثر من أربعة أعوام حتى ديسمبر/كانون الأول 2016. وشكّلَت حلب معقلًا لأطياف واسعة ومتنوعة، من جماعات معارضة، وإسلاميين متطرفين، مرورا بالتيَّارات الوطنية المعتدلة، الأمر الذي يُظهِر إلى حدّ كبير أهميتها الاستراتيجية في الحرب. وحقّقَت المعارضة بعد هذا الانتصار تقدُّمًا، كبيرًا لأن دمشق كانت على وشك السقوط في أوائل 2013، أي بعد مرور فترة قصيرة من استيلاء المعارضة على شرقيّ حلب، وحينها بدأ الكلام عن هزيمة النظام في الحرب الأهلية.
وسارعت إيران في تلك الفترة الحساسة إلى إنقاذ نظام الأسد من خلال تسريع وتيرة تنظيم عشرات آلاف الجنود من الميليشيات التي تضمّ الشيعة من العراق وأفغانستان وباكستان، إلى جانب قوات حزب الله اللبناني. ولكن التدخُّل الجوّي الروسي في صيف 2015 وقصفه المستمرّ لمراكز الثوار تحت اسم “محاربة داعش” غيّر مسار الحرب لصالح النظام السوري بشكل ملموس ولافت للنظر، وكان الهدف من تَدخُّل روسيا أكبر، وهو تغيير معادلة الحرب.
وبسيطرة نظام بشار الأسد حاليًّا على حلب أصبح بذلك يمسك بثلاث مدن رئيسية في سوريا إلى جانبها، هي حماة وحمص ودمشق، مِمَّا يمكِّنه من الاستيلاء على الجزء الغربي الذي يحوي العدد الأكبر من سكان الدولة والمنابع الطبيعة للبلاد. وعلى الرغم من أن مدينة إدلب في جنوب غربيّ حلب وبالقرب من الحدود التركية خاضعة لسيطرة معارضي النظام، غير أن سقوط حلب سيجعل محاولات تقسيم سوريا إلى كيانات عدة ذات طابع طائفي أو قومي أشدّ صعوبة، وإزالة هذا التحدي تعني أن القوات الموالية للأسد ستتمكن في خضم الاشتباكات بين الثوار والقوات الموالية من التركيز ميدانيًّا على الجبهتين الرئيسيتين: إدلب في الغرب وتدمر والرقّة في الشرق.
وقد يكون تهميش ما يُسَمَّى “المعارضة المعتدلة” وصعود القوى الإسلامية المتشددة من أهمّ الإنجازات السياسية التي حقّقها انتصار النظام السوري في حلب، إذ أصبح استهداف هذه القوى وقمعها في دوائر صنع القرار والرأي العامّ العالَمي، بخاصة الغرب، أكثر قَبولا من غيرها من التيَّارات، ومِن ثَمّ سيستمر الأسد في حربه على “الإرهاب” في سوريا -كما يُصِرّ هو على تسميته- بسهولة سياسية ودبلوماسية أكبر في الجبهتين الشرقية والغربية، ولكنه يواجه تحدّيًا رئيسيًّا في إدلب بسبب قربها من الحدود التركية، ومِن ثَمّ فإن اعتماد الحصار الاستنزافي طويل الأجل في إدلب -كما حدث في حلب- سيكون صعبًا للغاية، إن لم يكُن مستحيلًا.
لا تقتصر تداعيات استعادة حلب من المعارضة على داخل سوريا فقط، فهذه المعركة التي استمرت لسنوات كانت أهمّ معركة ميدانية في الحرب الأهلية السورية، وشكّلَت بنفس القدر حربًا بالوكالة بين الموالين والمعارضين الإقليميين والدوليين لنظام الأسد.
وعلى الرغم مِمَّا اقترفته الميليشيات التابعة لإيران من ممارسات وحشية ضدّ المدنيين في حلب، وما سيكون له من تداعيات على إيران، فإن تقوية النفوذ الإيراني في المنطقة أصبح أمرًا ملحوظًا، إذ انتهكت إيران اتفاق وقف إطلاق النار وإجلاء أهالي حلب، ووضعت شروطًا لاستئناف اتفاق وقف إطلاق النار هناك (إجلاء مصابين ومدنيين من قريتي كفريا والفوعة الشيعيتين بمحافظة إدلب اللتين يحاصرهما الثوار).
ومن منظور أوسع في إطار التنافس بين القوى العالمية، يجب اعتبار روسيا المنتصر الرئيسي في التطورات السورية، إذ يشكّل سقوط حلب في الواقع ذروة صعود القوة الروسية على حساب أمريكا في التطوُّرات الإقليمية خلال الأعوام الأخيرة، وفي حين تصبح تكلفة موسكو العسكرية في سوريا باهظة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في روسيا (بلغت هذه التكلفة نحو 500 مليون دولار حتى الآن على حدّ قول المسؤولين الروس، في حين يتجاوز الإنفاق الحقيقي الروسي هذه الأرقام الرسمية بأشواط)، فإن دورها المركزي في الحرب السورية أدّى إلى تزايد نفوذها وقدرتها على المساومة في القطاعات الأخرى للسياسة الخارجية، ومنها الطاقة وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
تَغيُّر موازين القوى لصالح الأسد، بخاصة تعزيز سُلطة روسيا في ساحة المعركة، فرض قيودًا على الإدارة الأمريكية القادمة حول إدارة الأزمة السورية وتنظيم العلاقات مع دول المنطقة، ومنها تلك التي تدعم المعارضة. لا يبدو أن اعتماد بعض الخيارات لحلّ الأزمة، على غرار تَنَحِّي الأسد من منصب رئاسة الجمهورية أو نقل السلطة من خلال المفاوضات أو الانتخابات، أمرًا عمليًّا ومرجَّحًا في الوقت الرّاهن، وإن كانت هذه الخيارات تتمتع بمستوًى عالٍ من الشرعية لا يمكن إنكاره.
يجب الانتباه إلى أن الانتهاء من معركة حلب في النهاية لا يعني على الإطلاق نهايةً أو حتى بدايةً لنهايةِ الحرب الأهلية في سوريا، بل على العكس من ذلك، سيؤدِّي الانتهاء من معركة حلب إلى استمرارها وإلى توريط دول على غرار إيران في حرب استنزافية أكثر من السابق. ستتحول الحرب الأهلية في سوريا في أكثر الاحتمالات تفاؤُلًا، إلى تَمَرُّد غير متكافئ ومشتَّت ضدّ النظام على غرار ما حدث في العراق بعد الاحتلال، ويُعتبر هذا الاحتمال ذاته عملية استنزافية ومُخِلَّة بالأمن والثبات، وقد يسفر عن تداعيات مدمِّرة، منها تعزيز عدم الثبات والإرهاب في سوريا ودول المنطقة.

مادة مترجمة: “بي بي سي فارسي”


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز

ميثم مهروش
ميثم مهروش
باحث في العلاقات الدولية