الممر الإيراني لشرق المتوسط يمرّ عبر بغداد!

بواسطةفراس إلياس

مع تصاعد التحديات الدولية التي تعاني منها إيران في الوقت الحاضر، وفي الوقت الذي تتهيأ فيه الولايات المتحدة الأمريكية لدخول مرحلة جديدة من تشديد العقوبات المفروضة على إيران، يسعى صانع القرار في إيران للبحث عن بدائل استراتيجية تنقذ إيران من الوقوع في المحظور، وفي هذا الإطار يدخل العراق في محصلة الفعل الاستراتيجي والحركي الإيراني، لأسباب كثيرة، أهمها كونه الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية الراهنة، إلى جانب كونه أنسب الخيارات الإيرانية الحالية، لما يحويه من عناصر قوة تخدم المشروع الإيراني في المرحلة القادمة.
فالعراق بحكم جغرافيته المتميزة أصبح موضع اهتمام كبير لدى عديد من الدول، مما أدى إلى تعرُّضه لمشكلات وصراعات متعددة لفترات طويلة وبدعم من قبل القوى الدولية، وبالأخصّ مع جيرانه، ومن بينهم إيران التي خاض معها حربًا ضروسًا استمرت ثمانية أعوام وقادت البلدين إلى خسائر مادية وبشرية لكلا الطرفين.
وسعت إيران لتوظيف موقع العراق الجغرافي خدمة لاستراتيجيتها الإقليمية، من خلال ربط العراق بعجلة تحرُّكاتها في ساحات الصراع الأخرى، تحديدًا السورية، فقد أوضحت التحركات الإيرانية في العراق وبالتعاون مع الحشد الشعبي، حالة من المواءمة الاستراتيجية بين الساحتين العراقية والسورية، فقد جهِدَت إيران منذ بداية انطلاق المعارك ضد تنظيم داعش إلى ربط المكاسب الجغرافية المتحققة في العراق بتطورات الصراع العسكري في سوريا.
إن نجاح إيران في توظيف الجغرافية العراقية في خدمة استراتيجيتها الإقليمية، جاء بعد انتخاب إيران مناطق تحرُّكها العسكري في العراق، من خلال بعض الميليشيات المسلحة المتحالفة معها، ففي المسار الأول تحركت إيران من خلال بعض هذه الميليشيات عن طريق “خانقين – أمرلي – طوز خرماتو – كركوك – جنوب الموصل – سنجار – ربيعة”، وصولًا إلى الحدود العراقية السورية من جهة معبر اليعربية، لتحقّق تواصلًا جغرافيًّا من ميليشيا فاطميون الأفغانية، التي انتشرت في المناطق التي أنسحب منها تنظيم داعش، ليمتد التحرك الإيراني بعد ذلك إلى عمق الأراضي السورية “جنوب الحسكة – جنوب الرقة – جنوب حلب – جنوب إدلب – طرطوس”، وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، أما المسار الثاني فقد تحركت إيران من خلاله عن طريق مناطق “جنوب ديالى – جنوب بغداد – النخيب – وادي حوران – معبر طريبيل الحدودي مع الأردن”، ومن ثم إلى عمق الأراضي السورية، من خلال “التنف – السويداء – درعا”، لسعيها تحقيق تواصل جغرافي مع حزب الله اللبناني، أما المسار الثالث فينطلق من داخل الأراضي الإيرانية إلى داخل الأراضي العراقية، لينتشر على طول الحدود السعودية الكويتية، وتحديدًا في منطقتَي “العشوش – سلمان”.
فالرغبة الإيرانية المتصاعدة في احتواء الجغرافيا العراقية مثّلَت اليوم فكرة راسخة في سياسة الأمن القومي الإيراني، فهي تدرك أن هذه الخطوط ستكون بمثابة مصدَّات استراتيجية في سياسة المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يمكن بحالٍ التهاوُنُ في طريقة استغلال هذه القيمة الاستراتيجية العليا، خصوصًا في وجود كثير من المقدرات البشرية القادرة على تأمينها، ولعل تصريح القائد العامّ للحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري بأن إيران جنَّدَت 200 ألف مقاتل في سوريا والعراق، هو أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة الإيرانية.
يأتي الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في دمشق آنفًا، وحضره كل من الفريق أول ركن عثمان الغانمي رئيس هيئة أركان الجيش العراقي، واللواء محمد باقري رئيس أركان القوات المسلحة الإيراني، إلى جانب العماد عبد الله أيوب وزير الدفاع السوري، في إطار جهد إيراني لترتيب الأوضاع الجغرافية بالشكل الذي يضمن ربط طهران بدمشق، ثم البحر الأبيض المتوسط.
فالجهود الإيرانية للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط هي إحدى الاستراتيجيات العليا التي دفعت إيران إلى الاشتراك في الصراع المسلح الدائر في سوريا، والحديث هنا عن ميناء اللاذقية السوري على البحر الأبيض المتوسط، فالحصول على مقتربات استراتيجية بالقرب من إسرائيل، بالإضافة إلى منفذ بحري لتصدير الغاز الإيراني، سيكون بمثابة رئة تتنفس من خلالها إيران، وتنقذها من ضغط العقوبات الدولية مستقبلًا.
إذ سعت إيران عبر جولة محادثات طويلة مع الجانب السوري، للحصول على عقد إيجار يتمثل في إدارة ميناء اللاذقية البحري، الذي يضمّ نحو 23 مستودعًا بحريًّا مهيَّأً لاستقبال ثلاثة ملايين طن من السلع المصدرة والمستوردة، وما يميز هذا الميناء أنه يقع على مقربة من قاعدة حميميم الروسية، وهو ما يضيف نقطة قوة أخرى للنفوذ الإيراني في سوريا، إذ يقول العميد المتقاعد مايكل هيرتسوغ رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق: “على الرغم من أن كلتيهما (روسيا وإيران) قاتلت من أجل الأسد، فإن بينهما اختلافات وتنافسًا”، وهو ماكشفت عنه الصدامات العسكرية التي حصلت في الأونة الأخيرة، بين ميليشيات مقرَّبة من إيران، وأخرى مقربة من روسيا.
والأكثر من ذلك أن الميناء سيكون بمثابة قيمة استخبارية كبيرة تُضاف إلى رصيد الاستخبارات الإيرانية، التي تسعى لإعطاء قوة دفع لنشاطاتها الاستخبارية في منطقة البلقان، التي نشطت فيها بالأونة الأخيرة، ناهيك بمصر وإسرائيل والأردن، بمعنى أن وصول إيران إلى البحر الأبيض المتوسط سيشكّل عقبة استراتيجية لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، وسيجعلها مكشوفة أمام القدرات الاستخبارية الإيرانية، التي شهدت تطوُّرًا كبيرًا في الأونة الأخيرة، سواء على مستوى الاستشعار الاستخباري أو على مستوى التجسُّس السيبراني.
وتبرز القيمة الاستراتيجية للممرّ الإيراني لشرق المتوسط الذي يمتدّ من طهران مرورًا ببغداد ودمشق وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، بأن شركات الحرس الثوري الإيراني هي الأخرى ستكون أمام طفرة اقتصادية كبيرة، على اعتبار أنها ستتحرك بكل حرية وصولًا إلى ميناء اللاذقية، دون أي عقبات تُذكر، كما أنها ستكون أمام عائدات مالية كبيرة، تستطيع بها تمويل الميليشيات المتحالفة معها في المنطقة، التي تمر اليوم بمشكلات اقتصادية كبيرة، ومنها حزب الله اللبناني الذي حثّ مؤيديه على جمع التبرعات المالية، أو بعض الميليشيات المسلحة في العراق التي اضطُرّت نتيجة العقوبات الاقتصادية على إيران إلى فتح مكاتب اقتصادية لابتزاز المواطنين في المناطق المحررة من سيطرة تنظيم داعش، وفرض إتاوات مالية على المواطنين لتمويل أنشطتها الأمنية.
وتأتي في هذا السياق دعوة قادة الأركان في الاجتماع الثلاثي إلى تأمين الحدود العراقية-السورية، بمعنى أن إيران تدرك ضرورة تأمين هذه الحدود وجعلها تحت سيطرة الميليشيات المتحالفة معها، وهو ما أشار إليه الرئيس روحاني في زيارته الأخيرة للعراق، إذ أبلغ الجانب العراقي بضرورة تأمين الحدود، وجعلها تحت سيطرة ميليشيات مسلحة بعينها، ومنها حركة النجباء وحزب الله وعصائب أهل الحق، قبل دخول العقوبات الأمريكية مرحلة التشديد الثالثة في شهر مايو القادم، كمحاولة للهروب إلى الأمام، على الرغم من التحذيرات المتكررة التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو، والمبعوث الأمريكي الخاصّ بإيران برايان هوك، بأن على الحكومة العراقية أن تبذل مزيدًا من الجهود لإبعاد الميليشيات المتحالفة مع إيران عن الحدود العراقية السورية، خصوصًا بعد انتشار تقارير استخبارية عن تزويد إيران ميليشيات مسلحة بعينها بصواريخ باليستية بمدى 200 كم، قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، منذرةً الحكومة العراقية بأن عدم تقديم جهود تُذكر في هذا المجال قد يدفع إسرائيل إلى شن هجمات جوية ضد القطعات العسكرية المرابطة هناك.
فالتحركات الإيرانية اليوم تأتي في سياق تحركات روسية وأمريكية وتركية مقابلة، لهذا فإن الاجتماع الثلاثي الذي عُقد في دمشق برغبة ورعاية إيرانية، الهدف منه إرسال رسالة واضحة إلى الإقليم والعالم، بأن القرار في سوريا والعراق بيد إيران، وأنها أحد الرعاة الرئيسيين في أي تسوية إقليمية قد تجري، كما مثلت ضربة قوية لعملية أستانة التي تقودها مع روسيا وتركيا، فهي من خلال سعيها للسيطرة على ميناء اللاذقية ستُحرِج روسيا، ومن خلال دعمها للعملية العسكرية التي يسعى إليها النظام السوري في شرق الفرات ستقوض جهود تركيا في إنشاء منطقة أمنة في الشمال السوري، مع تأكيد أن زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى الكويت ولبنان وإسرائيل في هذه الأيام جعلت إيران تجد أن من الضرورة الاستراتيجية إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية مسبقة، لتفادي ما قد ينتج عن زيارة بومبيو من نتائج قد تحرج الموقف الإيراني في المنطقة.
على الجانب الآخر أيضًا ستشكّل سياسة احتواء للانتشار العسكري الأمريكي في شمال وغرب العراق، وتهديدًا للأمن الإسرائيلي بوجودها على الحدود العراقية-السورية.
يمكن القول إن الموقع الجيوبوليتيكي المميز للعراق أعطاه أهمية استراتيجية مؤثرة على الصعيدين الإقليمي والدولي على حد سواء، وهو ما فطنت له إيران ووظفته توظيفًا استراتيجيًّا يخدم مشروعها الإقليمي بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

فراس إلياس
فراس إلياس
باحث في السياسات والاستراتيجيات الدولية