خمسة أسئلة حول “المحاكمة الاستعراضية” لمهاجمي السفارة السعودية

بواسطةحسين عليزاده

حطمت الجمهورية الإسلامية الرقم القياسي في عمليات اقتحام السفارات والمقرّات الدبلوماسية على مستوى 194 دولة في العالم، هذا فيما تنص اتفاقية فيينا عام 1961 على أن هذه الأماكن تتمتع بحصانة دبلوماسية، وتعرضت مباني السفارات المصرية، والمغربية، والأمريكية، والدنماركية، والبريطانية، والسعودية التي تشملها هذه الاتفاقية للهجوم في إيران.

وفي جميع هذه الحالات لم تتخذ الشرطة أي تدابير فاعلة لمنع المقتحمين، مما يؤكد بوضوح أن النظام كان يقف وراء المهاجمين الذين يطلق عليهم البعض اسم القوات “المعاندة”، حيث تهدف هذه التسمية إلى إزالة بصمات النظام عن مثل هذه الإجراءات التي تعتبر منافية للأخلاق، وناقضة للقانون الدولي.
وفي الوقت الذي كلفت فيه الهجمات في جميع الحالات البلاد ثمناً باهظاً، غير أن الهجوم على السفارة السعودية، حسب تقديري، كان له ثمن باهظ استدعى النظام الإيراني تشكيل “محاكمة استعراضية” للمتهمين.
فالرياض، على سبيل المثال، باستدعاء بعثتها الدبلوماسية، وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين من أراضيها، لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران فحسب، بل أغلقت الباب فعلياً في وجه عشرات الآلاف من الذين يرغبون في أداء الحج، وبهذا وضعت النظام الإيراني تحت ضغوط شريحة المتدينين الذين أصبحوا يتساءلون لماذا يتم إغلاق الطريق إلى الحج بسبب ما ارتكبته مجموعة من المتمرّدين؟ وإذا كان مقتحمو السفارة حقيقةً يصنفون ضمن هذه المجموعة، فلماذا لاتتم ملاحقتهم قضائياً؟
ومن الواضح أن هذه التساؤلات التي تم طرحها من قبل طبقة المتدينين تشكل أحد السببين اللذين أجبرا النظام الإيراني على رفع شكاوى ضد هذه العناصر إلى القضاء لأول مرة في تاريخه، فلم يسبق أن قامت السلطات القضائية بملاحقة متورطين في الهجوم على السفارات الأخرى.
أما السبب الثاني الذي جعل القضاء يقوم بملاحقة مقتحمي السفارة السعودية فهو كسب رضا الرياض، حيث يعلم النظام الإيراني جيداً أن السعودية تتمتع بمكانة متمايزة عن الآخرين في المعادلات الإقليمية، فالرياض باستطاعتها تدشين حرب نفطية، وعزل طهران في منظمة التعاون الإسلامي، والتحكم بعلاقات إيران مع دول الجوار، ومنها الدول السنية، لذا وعلى المدى البعيد لا يصب توتر العلاقات السعودية – الإيرانية في صالح طهران، وهذا الأمر ينطبق على الرياض أيضاً، فالسعودية على دراية بثقل إيران في المعادلة الإقليمية.
وهكذا، استثنى النظام الإيراني في خطوة تدعو إلى التفكير، السعودية من هذه القاعدة، وعقد جلسات لمحاكمة المتورطين في اقتحام سفارتها، ولكن، هل هذه المحاكمات حقيقية وتهدف إلى معاقبة الذين تسببوا في الهجوم؟ وهل هذه المحاكمات تهدف إلى القضاء على تصرف سيئ ومذموم، من أجل عدم تكراره مجدداً؟

للإجابة على هذه الأسئلة، يجب مراجعة لائحة الاتهام الموجهة إلى المتهمين، والتي تتمحور حول محورين أساسيين:
» المشاركة في التدمير المتعمّد لممتلكات السفارة السعودية.
» الإخلال بالنظام العام عن طريق إثارة الشغب، والتجمع غير المرخص.
وبغض النظر عن الحكم النهائي الذي ستصدره المحكمة، إلا أن هناك أسئلة كثيرة حول هذه المحكمة والتي سنشير إلى خمسة منها:

أولاً؛ ألا تسري الاتهامات الموجهة ذاتها إلى مقتحمي السفارة السعودية بالمشاركة في تدمير الممتلكات، والإخلال بالنظام العام على مقتحمي السفارات الأخرى، مثل السفارات: البريطانية، والدنماركية، والأمريكية؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فلماذا تأخر القضاء في ملاحقتهم حتى الآن؟ ولماذا لا نلحظ أبداً أي نية لملاحقتهم؟

ثانياً؛ لم تتضمن لائحة الاتهام قضية “النيل من سمعة البلاد” والتي تمت بالفعل على إثر هذا الهجوم، في حين نلاحظ أنه في العديد من المحاكمات يؤدي مجرد الاتهام بـ”انتهاك حرمة النظام” إلى إصدار أحكام ثقيلة ضد المتهمين.
ولا يجب أن ننسى بأنه لا يمكن أن نجد دولة أو مسؤولاً حكومياً واحداً في العالم قام بتأييد اقتحام مبنى السفارة السعودية، بل على العكس تماماً، قام العالم بدءاً من الأمين العام للأمم المتحدة ومروراً بأغلب الدول، والمنظمات، والمؤسسات الدولية بإدانة الهجوم على السفارة السعودية، كما أن منظمة التعاون الإسلامي بصفتها أبرز مؤسسة إسلامية نددت بالهجوم.

ثالثاً؛ تفيد اعترافات المتهمين بأنهم علموا بأمر التجمع الاحتجاجي أمام السفارة السعودية عن طريق بعض المطبوعات التابعة للحرس الثوري، وتدل هذه الاعترافات على أن “الذين أصدروا أوامر” اقتحام السفارة فريقٌ، ومنفذو عملية الاقتحام فريق آخر، كما أن حسن روحاني، بصفته رئيساً للجمهورية، طالب بمحاكمة الآمرين والمنفذين للهجوم، ولكن لماذا لم يتم الكشف عن هويتهم.

رابعاً؛ يوجد أربعة رجال دين بين منفذي الهجوم على السفارة السعودية، وتقضي العملية القضائية في إيران بأن تتم محاكمة رجال الدين المتهمين في محكمة خاصة برجال الدين، وإذا افترضنا أن هذه العملية صحيحة تماماً (وهي ليست كذلك) فلماذا تجري محاكمتهم سرّاً؟ أليس السبب هو أنّ هؤلاء، كونهم يرتدون العمامة، تمت إدانتهم بأنهم كانوا وراء الهجوم، وأنهم قاموا بتحريض الآخرين عليه؟ لماذا إذن لا ينبغي للرأي العام الاطلاع على محاكمة هؤلاء المعمّمين الأربعة؟ يبدو أن هذه الأسئلة تحظى بأهمية بالغة لشريحة المتدينين، من حيث أن بعض رجال الدين تسببوا في إغلاق أبواب فريضة بعظمة فريضة الحج، وبارتكابهم لأعمال مخالفة للقانون، تسببوا في حرمان عشرات الآلاف من الإيرانيين من أداء فريضة الحج.

خامساً؛ ينص قانون العقوبات في إيران على أن عقوبة تدمير الممتلكات العامة، والإخلال بالنظام العام هي السجن لعام واحد، بالإضافة إلى غرامة مالية، ولكن المتحدث باسم السلطة القضائية، محسني إيجئي، قال بأنه من المتوقع أن يتم تخفيف الأحكام الصادرة بحق المتهمين، وأضاف أن “الامتعاض من السعودية، وكارثة منى، دفعا عدداً من المهاجمين لارتكاب هذا العمل، وسيؤخذ ذلك بعين الاعتبار، ما يؤدي إلى تخفيف الحكم الصادر بحقهم”.
إذا جرى تخفيف العقوبة الصادرة بحق المتهمين، حسب تصريحات المتحدث باسم السلطة القضائية، فستظهر إشكاليتان:

الأولى: يهدف قانون العقوبات في كل الأنظمة القضائية في العالم إلى ردع الأفراد عن إعادة ارتكاب الجريمة، وإذا جرى إصدار أحكام مخففة على المتهمين، فإن ذلك سيشكل انتهاكاً لفكرة إنزال العقاب، وبعبارة أخرى، فإن السبب الذي قدمه محسني إيجئي لتخفيف الحكم الصادر بحق المتهمين سيمهّد الطريق أمام غيرهم في المستقبل للقيام بتدمير الممتلكات، وإحراق مباني السفارات، بداعي مجرد الشعور بالحقد تجاه بلدٍ ما، مطمئنين إلى أنّ العقوبة مخففة.

الثاني: إذا كانت محاكمة مهاجمي السفارة السعودية تشكل استثناء في مجال الهجوم على السفارات، وذلك بهدف إقناع الرأي العام الإيراني أولاً ومن ثم السلطات السعودية بأن منفذي الهجوم لا يخضعون لإشراف من أي جهة وقاموا بذلك من تلقاء أنفسهم، فهل يقتنع الرأي العام والسعودية بذلك بعد تخفيف الأحكام الصادرة بحق المتهمين؟
نعلم أن خامنئي اتخذ موقفاً داعماً لمنفذي الهجوم على السفارة السعودية وقال: “لا ينبغي لحادثة مثل الهجوم على السفارتين السعودية والبريطانية، وهي حادثة سيئة بالفعل، ولا تصب في مصلحة البلاد، والإسلام، أن تعطي الذريعة لهم بأن يشنوا هجوماً على شبابنا المتدينين”.
بالنظر إلى تصريحات خامنئي، يمكننا القول منذ اللحظة إن محاكمة منفذي الهجوم (وليس الآمرين به) هي استعراضية، وتشبه إلى حد بعيد “عدم محاكمة” منفذي الهجوم على السفارات الأخرى التي لا يتم فتح الملفات الخاصة بها عن قصد، إن كل ذلك يدل على أن النظام يقف وراء تلك الاعتداءات، هذه الاعتداءات التي تعتبر انتهاكاً للحصانة الدبلوماسية، والقوانين الدولية؛ وجعلت النظام الإيراني يحطم الرقم القياسي في هذا المجال.

نقلاً عن راديو فردا

حسين عليزاده
حسين عليزاده
دبلوماسي إيراني سابق في فنلندا