زيارة الأسد لطهران ودلالاتها السياسية

بينما دخلت أزمة سوريا مراحلها النهائية بتجميع فصائل المعارضة السورية في بقعة جغرافية واحدة أشبه بسجن كبير، والقضاء على تنظيم داعش، وبروز صراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية لتعظيم نطاق النفوذ بالحصول على الرقم الأكبر من المكاسب والمغانم في سوريا الجديدة، أجرى الرئيس السوري بشار الأسد زيارة مفاجئة وسرية للعاصمة الإيرانية طهران في 25 فبراير 2019، في أول زيارة خارجية لإيران منذ اندلاع الأزمة قبل نحو ثماني سنوات. ذهب الرئيس السوري وحيدًا لمقابلة المرشد الأعلى علي خامنئي، وكان لافتًا حضور قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني وغياب الرئيس الإيراني حسن روحاني، ثم التقى -أيضًا وحيدًا- الرئيس روحاني مع وفد إيران يتقدَّمه سليماني أيضًا.
بدايةً تكشف الزيارة وتصريحات المرشد الأعلى والرئيس الإيراني، في اللقاء الذي جمعهما بالأسد، عن حزمة من الأمور وثيقة الصلة بشهيَّة إيران المفتوحة باستمرار لاقتضام مزيد من النفوذ في المناطق المصنَّفة إيرانيًّا ضمن ما يُسمَّي “الفضاء الإيراني الواسع” أو “الهلال الشيعي”، وتمسُّك إيران بالبقاء طويل الأمد في سوريا بقول خامنئي: “الانتصارات وجّهَت ضربة قاسية إلى المشروع الغربي والأمريكي في المنطقة، وهو ما يستوجب مزيدًا من الحذر ممَّا قد يدبِّرونه في المرحلة المقبلة ردًّا على فشلهم”، مضيفًا: “المنطقة العازلة التي يسعى الأمريكيون لإقامتها هي مثال على هذه المؤامرات الخطيرة التي يجب مقاومتها”، وهو ما يعكس تَمسُّك إيران بالرغبة في السيطرة والحصول على أكبر قدر من المكاسب.
لم يكتفِ خامنئي بتحذيره الأسد ونظامه من مخاطر الانفكاك عن إيران وميليشياتها المسلحة في سوريا في المرحلة المقبلة، بل واصل حديثة دون أدنى اعتبار للأسد بعدم إتاحة الفرصة له بتجديد طلب سوريا الرسمي لبقاء الميليشيات المسلحة أو حتى المستشارين العسكريين كما يردِّد الإيرانيون في سوريا، بما أن سوريا دخلت مرحلتها النهائية بعد القضاء على غالبية الجيوب الإرهابية وتجميع المعارضة بقوله مباشرةً: “سنستمر إلى جانب سوريا حتى استعادة عافيتها الكاملة والقضاء على الإرهاب نهائيًّا”، موضحًا أن “كلًّا من طهران ودمشق هي العمق الاستراتيجي للأخرى”، وهو ما تكرر في أثناء لقاء الأسد-روحاني بقول روحاني: “إيران ستقف -كما في السابق- إلى جانب شعب وحكومة سوريا، وإن انتصار سوريا هو انتصار لإيران”، ومِن ثَمَّ لم تعُد إيران بحاجة إلى تجديد سوريا إذنها المسبق بالحضور في الأراضي السورية.
كذلك أشار خامنئي إلى مسألة كاشفة عن سياسة التغيير الديموغرافي الإيرانية المتبعة في سوريا، من خلال استهداف الميليشيات الشيعية المكونَ السُّنّيّ بالمحافظات السُّنية في أثناء المعارك كافَّةً التي دارت في سوريا للتأثير على التركيبة السكانية السورية لصالح المكوِّن الشيعيّ، وإن كان ذلك يصعب تحقيقه في دولة 73% من سكانها تابعون للمذهب السني، وذلك بقوله: “العلاقات الدينية بين إيران وسوريا تحتاج إلى تقوية وتطوير”، مضيفًا: “هُوِيَّة وقوة تيَّار المقاومة مرتبطتان بهذا التواصل الاستراتيجي بين سوريا وإيران، وبناءً على هذا لن يستطيع الأعداء تنفيذ مخططاتهم”.
أيضًا تكشف الزيارة عن النظرة الحقيقية إلى سوريا في العقلية الاستراتيجية الإيرانية بأنها مجرَّد محافظة أو ولاية ضمن الولايات الإيرانية، وأن رئيسها بمثابة مسؤول عن الولاية السورية يمكن استدعاؤه ليس أكثر، يذهب للقاء قائده الأعلى امتثالًا للأوامر وتنفيذًا للتعليمات، وما تصريح رجل الدين الإيراني -المقرَّب من المرشد على خامنئي- رئيس وحدة مكافحة الحرب الناعمة التابعة للحرس الثوري (قاعدة عمار الاستراتيجية) مهدي طائب حول أهمية سوريا للمشروع الإيراني الإقليمي بأنها تمثل المحافظة رقم 35 بقوله: “إذا هاجمَنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سوريا وإما محافظة الأحواز، فإن الأولوية هنا المحافظة على سوريا، فإذا حافظنا على سوريا معنا فإن بإمكاننا استعادة الأحواز أيضًا، ولكن إن فقدنا سوريا فلا يمكننا أن نحافظ على طهران” إلا دليل كافٍ على ذلك، علمًا بأن عدد المحافظات الإيرانية 31 محافظة، وذلك لاعتبار العقل الإيراني أن العراق والبحرين واليمن هي المحافظات المتممة للمحافظات الخمس والثلاثين.
يعزِّز ذلك تعرُّضُ الأسد لإهانتين دبلوماسيتين غير معهودتين في الأعراف الدبلوماسية الدولية عند لقاءات رؤساء وقادة الدول، امتدادًا لسجلّ الإهانات التي تَعرَّض لها الأسد من حلفائه الاستراتيجيين، الأولى تتعلق بخُلُوّ اللقاء الذي جمعه وروحاني من وجود العلم السوري الذي يمثِّل دولة سوريا كدولة مستقلة ذات سيادة في الجهة المقابلة للعلم الإيراني الذي يمثِّل دولة إيران كدولة مستقلة ذات سيادة، والثانية تتعلق بغياب وفد سوري مرافق للأسد في مقابل الوفد الإيراني الذي حضر اللقاء، وهو ما يُعَدّ استدعاءً مماثلًا لمسؤولي الولايات أو الأقاليم أو المقاطعات في الدول الفيدرالية.
قبول الأسد بما جرى في اللقاءات التي جمعته وروحاني يُعَدّ إقرارًا بمكانة سوريا لدى إيران وقَبُولًا بالمعاملة الإيرانية كمسؤول ولاية تابعة لإيران مُستَدْعًى للتباحث حول حدود ومستقبل العلاقة بين الدولة المركزية إيران والولاية التابعة، وذلك كمسؤول ضمن مسؤولين إيرانيين آخرين عن سوريا حضروا اللقاء، منهم الجنرال قاسم سليماني الذي لعب دورًا مركزيًّا في الحيلولة دون سقوط الأسد، بتوجيه دفَّة المعارك القتالية في الميدان السوري ضدّ فصائل المعارضة السورية على مدى ثماني سنوات ماضية، وأدَّى دورًا في إقناع الروس بالتدخل عسكريًّا لدعم نظام الأسد في سوريا.
يبدو أن الأسد يدرك حجم الدور الذي لعبته إيران في حمايته من مصير غامض كان سيلقاه بعد أن فقد أكثر من 75% من الأراضي السورية لصالح فصائل المعارضة والتنظيمات الإرهابية بحلول 2015، وهنا يمكن الإشارة إلى ما ورد في كتاب “رسائل الأسماك”، الذي نشرته دار نشر “انتشارات بعثت 27” التابعة للحرس الثوري الإيراني في الذكرى الأولى لمصرع مؤلِّفه القائد بالحرس الثوري العميد حسين همداني الذي لقي حتفه في سوريا 2015: “عندما شعر الأسد بالخطر، أرسل رسالة استنجاد بالمرشد بدا فيها كـ(جندي يخاطب قائده)، ثم أصبح الأسد وضباطه (أكثر طاعة لأوامر المرشد من بعض السياسيين في إيران)”، مضيفًا: “استدعاني القائد العامّ للحرس الثوري محمد علي جعفري وبلّغني أن أذهب إلى سوريا بصفتي قائدًا في الحرس”، وبعدها بثلاثة أشهر شكَّلَت إيران ما يُعرَف بـ”قوات الدفاع الوطني” التي تشبه في تركيبتها قوات الباسيج الإيرانية للدفاع عن سوريا، ودعت حزب الله للمشاركة بمقاتلين، ومن هنا بدأ المشهد يتغير لصالح الأسد، بخاصة بعد استرداد حلب من أيدي المعارضة مطلع 2017.
إيران تنتظر جَنْي الثمار بعد أن قدَّمَت أثمانًا مادية وبشرية باهظة في سبيل الحفاظ على الأسد قابعًا على سُدَّة الحكم في سوريا بما يمكِّنها من الهيمنة وتنفيذ المخططات بما يضمن لها موطئ قدم شرق المتوسط، بعد أن أصبحت بيئة مواتية للتمدُّد الإيراني وحاجة الأسد إلى إيران وميليشياتها لتثبيت أركان نظامه، وهو ما يفسِّر حزمة الاتفاقيات الدفاعية (تنصّ على تقديم طهران الدعم لإعادة بناء الجيش السوري والصناعات الدفاعية) والاقتصادية طويلة الأمد (تشمل قطاعات الطاقة والنفط والكهرباء والزراعة والقطاع المصرفي) التي وقَّعَتها إيران مع نظام الأسد خلال عامَي 2018 و2019 لجَنْي ثمار ما أنفقته من أثمان مادية وبشرية.
قدّرت إحصائية للجيش الإسرائيلي صدرت خلال عام 2018 عدد المقاتلين الإيرانيين في سوريا بنحو 20 ألف مقاتل، ونحو 7500 عنصر من حزب الله، فضلًا عن مقتل أكثر من 2000 مقاتل منهم قيادات كبيرة في الحرس الثوري الإيراني، كما قدَّرَت مجموعة عمل إيران في أغسطس 2018 حجم المبالغ المالية الإيرانية المقدَّمة للميليشيات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن خلال 2018 بنحو 16 مليار دولار، فضلًا عن تقديمها 4.6 مليارات دولار في شكل خطوط ائتمان وقروض لسوريا، أضف إلى ذلك إجمالي حجم المبالغ المالية الخاصة بالاتفاقيات الاستثمارية والتجارية الموقعة بين الإيرانيين والسورييين حتى فبراير 2019.
ولا يمكننا تجاهل أن هذه الزيارة تأتي بينما تتسع هُوَّة التباينات بين الروس والإيرانيين في الملف السوري ببروز متغيرات جديدة على الساحة السورية بتحوُّلات المعركة على الأرض وانتفاء المصالح المشتركة بين الروس والإيرانيين، وقرار الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا مع الإبقاء على وجود عسكري محدود، وتنامي التنسيق الروسي-الإسرائيلي تجاه خروج الميليشيات الإيرانية من سوريا، بما شكّل بيئة مواتية لتفجُّر الخلافات وتباعد المسارات على توزيع المغانم والمكاسب وصولًا إلى مرحلة المواجهات المسلَّحة بين الفرقة الرابعة السورية الموالية لإيران بقيادة ماهر الأسد، والفرقة الخامسة السورية الموالية لروسيا بقيادة قائد قوات النمر اللواء سهيل الحسن، حسب رواية ديرشبيغل الألمانية، وهو ما يفتح باب التساؤلات: هل اتخذ الأسد قراره بترجيح كفة الإيرانيين؟ وهل تمتلك إيران أوراق ضغط على الأسد أكثر قوة من أوراق الروس؟ وهل أدرك الأسد أن العائد على نظامه من الخضوع والتبعية لإيران وميليشياتها المسلَّحة أكبر مما يحصل عليه من الروس الذين يشكِّلون الفاعل الرئيسي في الأزمة؟
على هذا النحو أرادت إيران إيصال رسائل متعددة إلى أطراف عديدة في مقدمتها الروس، بأن إيران رقم في المعادلة السورية لا يمكن الاستهانة به، إذ إن رأس النظام السوري يسارع إلى لقاء قادة إيران لما لمسه من دور إيراني قويّ حال دون سقوطه، وإن الإيرانيين بهذا اللقاء هم من يقرِّر للأسد ذاته، فإذا ما أردتم توزيع المغانم والمكاسب فعليكم التباحث مع الإيرانيين لا مع الأسد، وإن إيران ليست أقل نفوذًا من روسيا في سوريا. ثم رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأن مطلبكم إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا لم يعُد قرارًا سوريًّا بل قرار إيراني بامتياز، إذ إن بشار الأسد بمثابة مسؤول عن الولاية السورية التابعة لإيران ليس أكثر، وبقاء الميليشيات في سوريا بات قرارًا إيرانيًّا في سوريا، وعليكم أن تقبلوا بتحوُّل قواعد اللعبة في سوريا بوجود الميلشيشات في المحافظات السورية كافة.
ثم رسالة إلى الدول العربية بأن سوريا لم تعُد ضمن المحيط العربي بل باتت ولاية إيرانية خارج الحدود الإيرانية بقبول رئيسها بشار الأسد تصريحات خامنئي وروحاني عن البقاء الإيراني طويل الأمد في سوريا دون تجديد الإذن الرسمي من سوريا، بل وغياب الوفد المرافق والعلم السوري الذي يُبرِز سوريا كدولة مستقلة مماثلة للدولة الإيرانية، بل وباعتبار الأسد الثورة الإيرانية نموذجًا يُحتذى بتهنئة الأسد قادة إيران بالذكرى الأربعين لانتصار الثورة الإيرانية بقوله: “الثورة الإيرانية شكَّلَت على مدى العقود الأربعة الماضية نموذجًا يُحتذى في بناء الدولة القوية القادرة على تحقيق مصالح شعبها والمحصَّنة ضدّ التدخُّلات الخارجية”.
ختامًا، من مُجمَل مشاهد اللقاء الذي جمع الأسد وقادة إيران، ومن تحوُّلات المعركة على الأرض، ومن صراع النفوذ الدائرة رحاه بدخول سوريا مراحلها النهائية، يبدو أن منحنى توسيع نطاق النفوذ الإيراني في سوريا في ارتفاع، وأن لسان حال إيران أن على جميع أطراف الأزمة القبول بها رقمًا لا يمكن تجاوزه، ليس فقط في الساحة السورية، بل وفي الساحتين الإقليمية والدولية.


  الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المعهد

عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
عبدالرؤوف مصطفى الغنيمي
باحث سياسي بالمعهد الدولي للدراسات الإيرانية