زيارة مادورو لإيران وتركيا.. مصالحٌ اقتصادية وتعاونٌ أيديولوجي خفي

https://rasanah-iiis.org/?p=28444

بواسطةكليمنت ثيرمي

جاءت الجولةُ الأوراسية التي أجراها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في المقام الأول ردًا على عدم دعوة الولايات المتحدة فنزويلا لــــ «القمة التاسعة للأمريكيتين» بمدينة لوس أنجلوس في يونيو 2022م، وخلال الجولة زارَ الرئيس الفنزويلي أيضًا الجزائر وتركيا والكويت، بالإضافة إلى إيران.  أما الهدف من هذه الجولة فهو ذو شقين أولهما: مساعي الرئيس الفنزويلي الاقتصادية والدبلوماسية للتخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية الشديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده. ثانيهما: سعي الرئيس مادورو إلى إنشاء تحالف مناهض للولايات المتحدة، استعدادًا لنظام عالمي جديد، يتوقع ظهوره بعد النظام الغربي المهيمن، فيما لا يزال هذا الهدف ضربًا من الخيال إلى حدٍ كبير في ظل الغياب الروسي والصيني، وهما القوتان الرئيسيتان من خارج العالم الغربي.

دائمًا ما تصدَّرَ البُعد الإيديولوجي العلاقةَ بين فنزويلا ودول أورواسيا، أما البُعد الاقتصادي فقد شكَّل أولويةً ثانوية على الرغم من الخطاب الرسمي السائد بينهما؛ وينطبق هذا الحال أيضًا على تحالف فنزويلا مع إيران. الجدير بالذكر هنا، أنَّ بُعد المسافة الجغرافية بين فنزويلا وأوراسيا شكَّل عقبةً أخرى أمام الرئيس مادورو في تعزيز التعاون الاقتصادي مع تلك الدول.

كانت المواضيع التي ناقشها مادورو في تركيا وإيران متشابهة، فقد دارت حول الطاقة والسياحة والزراعة ونقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى الهدف المشترك المتمثل بتنظيم مقاومةٍ ضد «الإمبريالية الأمريكية»؛ وهذا يعني أنَّ هذين البلدين لا سيما قادة إيران، يتضامنون مع فنزويلا ضد العقوبات الأمريكية، مقدمين أنفسهم كضحايا لــــــ «الحرب الاقتصادية الأمريكية» أو حتى «الإرهاب الاقتصادي الأمريكي».  السمة المشتركة بين الشراكة الإيرانية-الفنزويلية، والتركية-الفنزويلية نجدها في حالة التعاون الثنائي التي تعتمد على ظروف علاقاتهما مع واشنطن؛ فعندما تدهورت علاقات إيران منذ رئاسة أحمدي نجاد ما بين 2005م-2013م، وتركيا منذ عام 2016م مع الولايات المتحدة، تحسَّنت علاقات الدولتين مع فنزويلا. وينظُر كلٌّ من المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس رجب طيب أردوغان إلى علاقتهما مع كاراكاس، كشاهدٍ على استقلال السياسة الخارجية الإيرانية والتركية عن الولايات المتحدة.

وتأتي فكرة تموضع إيران وتركيا وفنزويلا في النظام العالمي الجديد ما بعد النظام الغربي المهيمن، كأحد الملفات الأساسية في جولة مادورو في أوراسيا. ولكن نقطة القلق الوحيدة تكمن في عضوية تركيا في حلف الناتو؛ وهذا يعني أن العلاقة التركية-الفنزويلية ما هي إلا تقاربٌ مؤقت، في حين أن الشراكة الإيرانية-الفنزويلية، هي تحالفٌ طويل الأمد ما دامت حكومتا البلدين متفقتان على الوقوف بوجه الولايات المتحدة في سعيها لتغيير الوضع السياسي في كراكاس وطهران.

شكَّلت محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016م، نقطةً فارقة في التقارب التركي-الفنزويلي، فقد أفضت إلى تشكل علاقة شخصية جديدة بين أردوغان ومادورو. وأفضل تفسير لهذه العلاقة الشخصية الجديدة بين الزعيمين هي حالة انعدام الثقة المتبادلة مع الغرب ورفضهما المشترك للعقوبات الاقتصادية الأمريكية أُحادية الجانب. لذا فعلاقتهما منذ البداية ما كانت إلا ثمارَ سياسةٍ خارجيةٍ انتقامية ضد الغرب أكثر من كونها خيارًا استباقيًا. وفي الواقع، ما زالت إدارة مادورو ترزحُ تحت وطأةِ العقوبات التي فرضتها أمريكا على فنزويلا منذ عام 2015م، وتعاني تركيا أيضًا من العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب في عام 2018م. والشواهد على تنامي العلاقات الثنائية بين  البلدين جلية، فقد أجرى الرئيس مادورو خمس زيارات إلى تركيا منذ عام  2016م، أي منذ  الانقلاب، وفي عام  2019م بلغت التجارة بين فنزويلا وتركيا 150 مليون  دولار، وارتفعت إلى 300 مليون دولار في عام 2020م، و858 مليون دولار في عام 2021م،  ويطمح الزعيمان  إلى زيادة التجارة الثنائية لتصبح مليار دولار عام 2022م، و 1.5 مليار دولار عام  2023م، و 3 مليارات دولار في المستقبل القريب.

وخلال زيارة مادورو وقّعت تركيا وفنزويلا ثلاث اتفاقيات في مجالات التعامل المصرفي وفي الزراعة والسياحة. وعلى الرغم من هذه الإنجازات الاقتصادية، ستظل العلاقات الثنائية بين أنقرة وكراكاس معتمدةً اعتمادًا كبيرًا على حالة العلاقات الأمريكية-التركية وعلى نمو العلاقات الروسية-التركية.  وبالنسبة للعلاقات الفنزويلية مع إيران فهي ذات طابع سياسي أكثر من كونها اقتصادية؛ فقد نظرت كراكاس وطهران إلى الحرب الروسية على أوكرانيا أنها فرصةٌ جيدة لزيادة فاعليتهما، فهي تتَّسق مع الرؤية الأيدلوجية لكلا البلدين، ولكنها لم تضع تقييمًا حقيقيًا لعواقب هذه الحرب على اقتصادات إيران والدول الخاضعة للعقوبات النفطية.

لقد قيل الكثير عن حاجة إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى إيجاد مصادر جديدة للنفط بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية. وحتى لو حقَّقت صناعات النفط الإيرانية والفنزويلية منافع على المدى القصير بسبب ارتفاع أسعار النفط، يتبقَّى معرفة ما إذا كان بمقدور الدولتين المساهمة في  إنتاج النفط على مستوى أعلى، نظرًا لقلة الاستثمارات، وبسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على الصناعة النفطية للدولتين، ناهيك عن منافسة النفط الروسي الذي يخضع أيضًا للعقوبات والذي سوف يعمل على تقليص الصادرات الإيرانية إلى الصين.

وفي هذا السياق الدولي، هدفت زيارة الرئيس مادورو لطهران إلى تحسين مستوى التعاون الإستراتيجي الذي شرع فيه هوغو تشافيز منذ عام 2001م، على الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية قد بدأت منذ عام 1950م. وتسعى كلٌّ من طهران وكراكاس إلى بناء تحالف إستراتيجي؛ وهذا يفسّر توقيع الدولتين على خطة تعاون لمدة 20 عامًا. وتعد الأولوية التي توليها إدارة الرئيس الإيراني رئيسي للشراكة مع فنزويلا جزءًا من هدفٍ إيراني أعمّ متمثلٍ في عزل الاقتصاد الإيراني عن العقوبات. وأوضح الرئيس رئيسي في أكتوبر 2021م، أنَّ فنزويلا «إحدى الأولويات الرئيسية للدبلوماسية الاقتصادية الإيرانية»، وهذا هو الفرق الجوهري ما بين إدارة رئيسي وإدارة روحاني التي تولَّت الحكم ما بين (2013-2021م)، بأنها أعطت الأولوية للدبلوماسية الاقتصادية مع الدول الأوروبية مثل ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو النمسا. وأشار كلٌّ من مادورو ورئيسي خلال المؤتمر الصحفي المشترك إلى «مقاومة إيران وفنزويلا ضد القوى المستبدة». وبحسب وجهة نظرهم فإن هذه السياسة «أظهرت أنَّ المقاومة أجبرت العدو على التراجع». وفي ردِّه على النُقاد الذين أشاروا إلى البُعد الجغرافي بين البلدين، شدَّد الرئيس مادورو على قوة المحبة بين النظامين الثوريين. وعلى الرغم من هذه العاطفة الثورية المتبادلة إلَّا أنَّ التعاون الاقتصادي بين البلدين ما زال منخفضًا.

لم يُعلن بعد عن مضمون «خارطة طريق التعاون» لمدة 20 عامًا، ولكن الإعلان الرئيسي كان حول فتح خط رحلات جوية مباشرة بين كراكاس وطهران سيبدأ العمل به في 18 يوليو 2022م، بواقع رحلة واحدة في الأسبوع، بهدف تطوير السياحة بين البلدين. 

كما أعلن الرئيسان الإيراني والفنزويلي عن تسليم ناقلة نفط ثانية إيرانية الصنع إلى فنزويلا، وبحضور الرئيس الإيراني ونظيره الفنزويلي أُقيم حفل تسليم الناقلة «أفراماكس» التي صنعتها الشركة الإيرانية للصناعات البحرية «صدرا». كما زار الرئيسان مادورو ورئيسي الشركات الإيرانية التي تعمل في مجالات الصحة وسلامة الغذاء والنفط والغاز، وتابع الرئيسان أنشطة وإنجازات شركات النفط الإيرانية في مجالات التنقيب عن البترول والبتروكيماويات والذكاء الاصطناعي. وقد عبَّر الرئيسان عن تحديهما لسياسة إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وفشل هذه السياسة في تغيير نظامي البلدين وكذلك فشل واشنطن في تحقيق أهدافها من وراء الحظر النفطي المفروض على فنزويلا منذ عام 2020م. ساهمت إيران منذ العام 2020م في إصلاح وتجديد عددٍ من مصافي النفط الفنزويلية التي عانت منذ عقود من سوء الإدارة وانخفاض الاستثمارات والعقوبات.

كانت فكرة العمل من أجل إنشاء نظام دولي في فترة ما بعد هيمنة الولايات المتحدة محورَ المناقشات أثناء زيارة مادورو إلى إيران. وأوضح رئيسي أنَّ «توسيع العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية وبخاصة الدول المستقلة مثل كوبا والصامدة بقوة أمام نظام الاستكبار العالمي تحظى بأهمية كبيرة لدى إيران»، وإلى جانب هذا الخطاب الأيديولوجي، فإنه يجب الأخذ بالاعتبار المساعدة الإيرانية الممنوحة إلى فنزويلا لتجاوز العقوبات الاقتصادية الأمريكية؛ على سبيل المثال، سلَّمت إيران 6.8 مليون برميل من النفط إلى فنزويلا المحاصرة هذا العام، بزيادة نسبتها 48٪ عن نسبة عام2021م كاملًا. وفي النهاية، يهدفُ النظام الإيراني إلى توسيع شبكة النفوذ الإيرانية لتشمل الفناء الخلفي للولايات المتحدة، ويتمثَّل ذلك من خلال تواجد حزب الله والاعتماد على أدوات القوة الناعمة مثل القناة الإيرانية-الإسبانيةHispanTV التي تديرها «مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية» وتُعرف اختصارًا بـــ IRIB. 

لم يُعرف بعد ما إذا كانت الغالبية من شعوب فنزويلا وإيران وتركيا ستدعم هذا التقارب الناجم عن رفض حكوماتهم لما يُسمى بالنظام العالمي المهيمن من الغرب، ومن غير الواضح فيما إذا كانت تصريحات الرئيس مادورو التي أوضح فيها أنَّ فنزويلا وإيران وتركيا روّادُ النظام الدولي الجديد الخالي من الاستعمار والهيمنة سوف تُقنع غالبية شعوبهم بذلك. وتخضع هذه الدول الثلاث لعقوبات أمريكية بسبب التوجهات الجيو-سياسية لقادتها؛ ولا شكّ أنَّ هذا الأمر ينطبق على إيران وفنزويلا وبدرجة أقل بالنسبة لتركيا منذ عام 2016م. إذ إنَّ الحالة الاقتصادية المتردية في هذه الدول هي بالتأكيد رسالةُ تذكير يومية بأنَّ التصريحات الأيديولوجية الطنانة لا تقدم علاجًا لحلّ مشاكلهم الاقتصادية، وإذا لم تتحسَّن الظروف الاقتصادية الداخلية بسرعة، فسوف تراودُ شعوب هذه الدول الثلاث الشكوك في نوايا حكوماتهم من تعزيز العلاقات الثُنائية، ومن المرجَّح أنْ يعتقد الكثيرون أنَّ هذا التقارب هو فقط لضمان بقاء الأنظمة في السلطة، ولن يُفضي إلى تحسين واقعِهم الاقتصادي في الداخل.


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولاتعكس بالضرورة رأي المعهد 

كليمنت ثيرمي
كليمنت ثيرمي
زميل غير مقيم في «رصانة» وباحثٌ مشارك في كلية الدراسات المتقدّمة في العلوم الاجتماعية في باريس